خطة أميركية لاستغلال نفط فنزويلا تهدد بابتلاع 13% من ميزانية الكربون العالمية
14 يناير 2026
تكشف تحليلات مناخية حديثة أن الخطط الأميركية الرامية إلى استغلال احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، قد تشكّل ضربة قاصمة للجهود العالمية، الرامية إلى كبح الاحترار المناخي عند سقف 1.5 درجة مئوية، وهو الحد الذي يؤكد العلماء أنه الفاصل بين أضرار مناخية خطيرة وأخرى كارثية لا يمكن احتواؤها.
وبحسب تحليل أجرته شركة ClimatePartner المتخصصة في المحاسبة الكربونية لصالح صحيفة الغارديان، فإن أي توسّع ملموس في إنتاج النفط الفنزويلي قد يستهلك، بحلول عام 2050، أكثر من 13% من الميزانية الكربونية العالمية المتبقية، وهي الكمية القصوى من الانبعاثات التي يمكن للبشرية إطلاقها إذا أرادت الإبقاء على الاحترار العالمي ضمن حدود 1.5 درجة مئوية.
خطر مناخي غير مسبوق
تمتلك فنزويلا، على الورق، أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم. ويشير التحليل إلى أن استغلال هذه الاحتياطات بالكامل كفيل وحده باستنزاف كامل الميزانية الكربونية المخصصة لتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية، ما يسلّط الضوء على التناقض الصارخ بين الطموحات المناخية العالمية والسياسات الطاقوية القائمة على الوقود الأحفوري.
خطة الولايات المتحدة لاستغلال نفط فنزويلا قد تجعل العالم قريبًا من كارثة مناخية، فكيف سيحدث ذلك؟
ورغم أن بنية فنزويلا التحتية النفطية تعاني من تدهور حاد، نتيجة سنوات طويلة من العقوبات والإهمال، فإن التطورات السياسية الأخيرة قد تعيد خلط الأوراق. فبعد أيام فقط من نقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قسرًا إلى نيويورك على يد قوات خاصة أميركية، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب شركات النفط إلى استثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار لإعادة تشغيل آبار النفط الفنزويلية ورفع الإنتاج.
وقال ترامب مخاطبًا مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط: "سنستخرج كميات من النفط لم يشهدها كثيرون من قبل"، في تصريح يعكس توجهًا واضحًا نحو تعظيم الإنتاج بغض النظر عن تداعياته البيئية.
سيناريو الإنتاج وتأثيره الكربوني
اعتمد تحليل ClimatePartner على سيناريو يفترض زيادة إنتاج النفط الفنزويلي بنحو 500 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2028، على أن يرتفع لاحقًا إلى 1.58 مليون برميل يوميًا بين عامي 2035 و2050. ورغم أن هذه الأرقام تبقى أقل بكثير من ذروة الإنتاج التي بلغتها فنزويلا في تسعينيات القرن الماضي (3.5 ملايين برميل يوميًا)، فإن أثرها المناخي سيكون بالغًا.
فوفق هذا السيناريو وحده، سيتم استهلاك ما يعادل 13% من الميزانية الكربونية العالمية المتبقية، وهو ما يعادل تقريبًا قرابة عقد كامل من انبعاثات الاتحاد الأوروبي، نتيجة توسع نفطي واحد فقط.
"أقذر نفط في العالم"
لا تكمن المشكلة في حجم الإنتاج فحسب، بل في طبيعة النفط الفنزويلي نفسه. إذ تُصنّف معظم خاماته ضمن فئة النفط الثقيل والحامضي، الذي يتميز بكثافة عالية وقوام قريب من القطران، إضافة إلى محتوى مرتفع من الكبريت. هذه الخصائص تجعل استخراجه ومعالجته أكثر تعقيدًا واستهلاكًا للطاقة مقارنة بالأنواع الخفيفة "الحلوة" مثل تلك المنتجة في السعودية.
وتشير دراسة أجرتها S&P Global Platts Analytics إلى أن نفط حزام أورينوكو الفنزويلي يتمتع بأعلى كثافة كربونية بين جميع مناطق الإنتاج النفطي الكبرى في العالم. فعلى سبيل المثال، تبلغ كثافة الانبعاثات في حقل "يوهان سفيردروب" النرويجي نحو 1.6 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل برميل مكافئ نفطي، في حين تصل في أورينوكو إلى 1460 كيلوغرامًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي ما يقارب ألف ضعف.
وخلص التقرير إلى أن هذه "الكثافة الكربونية المتطرفة" تعني أن النفط الفنزويلي سيواجه صعوبات جسيمة، في عالم يسعى لتقليص الانبعاثات ضمن ميزانيات كربونية صارمة.
تحذيرات مناخية وانتقادات بيئية
وقالت هولي باري، كبيرة المحللين في ClimatePartner، إن رفع إنتاج أحد أكثر أنواع النفط تلويثًا في العالم إلى مستويات تاريخية، من شأنه أن "يقفل" العالم داخل عقود طويلة من الانبعاثات المرتفعة، في وقت يؤكد فيه العلم ضرورة التحول السريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
وأضافت: "هذا التوسع وحده سيستهلك نحو 13% من الميزانية الكربونية العالمية المتبقية، وهو ما يعادل ما يقرب من عقد من انبعاثات الاتحاد الأوروبي. في عالم يزداد دفئًا بسرعة، يمثل ذلك مقامرة خطيرة بمستقبل المناخ".
من جهته، وصف مادس كريستنسن، المدير التنفيذي لمنظمة غرينبيس الدولية، المسعى الأميركي للسيطرة على النفط الفنزويلي بأنه "متهور وخطير"، محذرًا من أن السعي وراء أرباح قصيرة الأجل يأتي على حساب صحة البشر وسلامة النظم البيئية.
وأكد كريستنسن أن الطريق الآمن الوحيد يتمثل في انتقال عادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري، يراعي حماية المجتمعات والبيئة، بدل التضحية بهما في سباق محموم على الموارد.