ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"دعوة للعشاء".. عن غرباء يدخلون بيتًا من وهم

3 يوليو 2026
"دعوة للعشاء"
فيلم "دعوة للعشاء" (منصة إكس)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

منذ اللحظة الأولى، يرمينا فيلم (The Invite)، وسأسميه اصطلاحيًا "دعوة للعشاء"، في قلب دوامة عاصفة من كتلة مشاعر معقدة، كتيمة، وغير مصرح بها، ندخل مع الفيلم إلى منزل متناسق حدّ الملل، كتيم الجدران، يبدو للوهلة الأولى صلدًا، متسقًا، متطابق الزوايا والمساحات، إضاءته "ديكوراتيف"، كبيت لعبة لعروس تحلم بقصر. بيت، برغم كمال مظهره، قد لا يحتمل أن تُطرق على جدرانه يد غريبة. 

في فيلم "دعوة للعشاء"، نحن مع زوجين تطبق على أرواحهما سنوات زواج ليست قليلة العدد ولا كثيرة أيضًا، يمسكان بأيدينا، يقوداننا، نحن المتفرجين، إلى أنفسنا معهم، كي نعي ونتلمس مأزقنا الوجودي كما يفعلون، يتركاننا كي يدرك معظمنا، إن كنا تقليديي التوجه أو حديثيه، فردانيين حتى العزلة، مؤمنين بقيم الأسرة حتى الانمحاء، أن مؤسسة الزواج بشكلها الحالي هي مشكلة معقدة علينا أن نجد لها حلًا. ندرك أنها شراكة، لكنها تتعلق بهويتنا، بقيمنا، بمن نريد أن نكون، وبما نحب أو لا نحب أن نغفله، أو أن نصير.

" فاوست وميفستوفيليس في تبادلية ممتعة

صحيح أنه لم يكن بنية أحد من الزوجين أن يكونا لا فاوست ولا ذاك الشيطان، لكن في لحظة توقيع العقد الأزلي، يدركان حجم الخيبة، فهما لم يشتريا معرفة العالم ولا لذته بلا حدود، وقّعا عقداً أكثر خطورة من عقد فاوست نفسه، عقداً بلا أجل محدد، بلا بند يسمح بالتراجع، بلا شيطان واضح الملامح يذكّرهما بثمن ما وعدا به. 

في فيلم "دعوة للعشاء"، نحن مع زوجين تطبق على أرواحهما سنوات زواج ليست قليلة العدد ولا كثيرة أيضًا، يمسكان بأيدينا، يقوداننا، نحن المتفرجين، إلى أنفسنا معهم، كي نعي ونتلمس مأزقنا الوجودي كما يفعلون

فاوست عرف من البداية أنه يبيع روحه، أما هذان الزوجان فظنّا أنهما يشتريان الأبدية، ولم يكتشفا إلا بعد سنوات أن الثمن يُدفع بالتقسيط، على شكل ليالٍ صامتة، ورغبات مؤجلة، وأحلام لم تُرَ إلا من بعيد. عقدهما فاوستي، لكنه فاوستي مؤجل الدفع، ندفعه ضحكاً أمام الآخرين، وبكاءً حين يُطفأ الضوء. إذ يدخل البشر شراكات منذ أن أفاقوا على النضج، يوقعون شراكة مع الجامعات، مع أرباب العمل، مع الدولة، لكنهم لم يوقعوا شراكات مع شركاء حياة وهم واعون أنهم يدخلون شراكة عليهم أن يجدوا حلًا لمشاكلها منذ أول همسة حب أو جنس أو طلب: حضّري لي ما آكل، أو لتنزل بالقمامة إلى الشارع. 

ليس مفاجئًا أن يكون فيلم "دعوة للعشاء" نسخة من فيلم إسباني، مأخوذ بدوره عن مسرحية كتالانية، وأغرى أيضًا مخرجًا كوريًا، فسؤال العلاقات الزوجية هو سؤال العصر، كونه سؤالًا تقليديًا، نعم، لكننا أيضًا، بأرواحنا وقناعاتنا وواقعيتنا، نعي مدى ثقل أن يبقى رجل وامرأة معًا إلى أن ينتهي العمر. نعي مدى لا منطقية ذلك، مع أننا نتوق بكل ما فينا لنعيش تلك "الأسطورة" عن السعادة السرمدية. من هنا ينطلق فيلم "دعوة للعشاء" بكل عدته الضاحكة، الهازئة، المرّة الواقعية، عما نخفي وعما نظهر للشريك الذي نتقاسم معه فعل العيش، لكن لا يعني هذا أننا نتقاسم معه الشهية، والشبق، والفانتازمات، والأهم الأحلام. وما نريده أو أردناه لحياتنا قبل التوقيع على ذاك العقد.

نسخ أصيلة لحكاية واحدة

لم يكن مفاجئاً أن تُصنع ثلاث نسخ سبقت هذه النسخة الأميركية، الأصل مسرحية كتالانية بعنوان (Els veïns de dalt)، حملت اسم "الجيران في الأعلى" حين عُرضت في برشلونة عام 2015، وحققت نجاحًا جماهيريًا استثنائيًا، ثم حوّلها كاتبها ومخرجها سيسك غاي إلى فيلم إسباني عام 2020 بعنوان (The People Upstairs)، ونسخت في إيطاليا وسويسرا وفرنسا، وأخيرًا نسخة كورية حملت العنوان ذاته، أخرجها العام الماضي الممثل هاجونغ وو. ليس غريبًا أن يعبر النص هذا المسار الطويل من خشبة كتالانية إلى شاشة إسبانية إلى شاشة كورية إلى شاشة أميركية، فهذا دليل كافٍ على أن أزمة الزوجين المحبوسين في شقة واحدة، أمام جيران يوقظهم صخب جنسهم كل ليلة، ليست أزمة ثقافة بعينها، بل أزمة العيش المشترك ذاته أينما كان.

أوليفيا وايلد.. خيارات إخراجية أنتجها الوعي

الخيار الإخراجي هنا يستحق التوقف عنده طويلًا. أوليفيا وايلد لا تكتفي بقراءة سهلة أولية، لا تقف وراء الكاميرا فقط، بل أمامها أيضًا في دور أنجيلا، ربة المنزل التي أمضت سنوات حبيسة شقتها، بينما يعمل زوجها جو، الذي اكتفى من شغفه بالموسيقى بأن يعلّمها. فيلم "دعوة للعشاء" هو ثالث أعمال أوليفيا وايلد الإخراجية بعد (Booksmart) و(Don't Worry Darling)، نُفّذ في واحد وعشرين يومًا فقط، على فيلم خام، مما جعل الفرجة السينمائية مشبعة، وتم تصويره بترتيب زمني يطابق ترتيب الأحداث في السيناريو، وهو ترف نادر أن يحصل عليه مخرج، مما سمح للممثلين ببناء علاقتهم الحكائية والحسية تدريجيًا، تمامًا كما تراكمت أزمات الشخصيات نفسها على الورق وكما كتبها السيناريست.

عن وحدة المكان والزمان.. والحياة

معترفًا بروحية الحكاية المسرحية، تم التأكيد على وحدة المكان، شقة في سان فرانسيسكو، لم تفرض على الفيلم جمودًا مسرحيًا، بل حوّلت الكاميرا إلى متفرج، لا متلصص، إضافي يتحرك بين الشخصيات كضيف خامس، بينما تعكس ساعتا الفيلم بوقتهما المونتاجي "الحقيقي"( Real Time) تطابقًا تقريبًا لساعتي العشاء الفعليتين، بحيث تتحلل علاقة سنوات أمامنا بهشاشة بيت عنكبوت، بلا قفزات ترخي الخناق أو تمنحنا استراحة من الحصار.

أربعة ممثلين.. أربعة لاعبين كبار

أما "الكاست" التمثيلي، فهو في حد ذاته بيان جمالي. إذ اجتمع في الفيلم إدوارد نورتون وبينيلوبي كروز، إلى جانب سيث روغن، وأيضًا بالطبع أوليفيا وايلد نفسها في ثنائية الإخراج والتمثيل، في قرار فني يقوم على المراهنة على أن أربعة ممثلين بهذا الوزن هم فقط من يقدر على تحويل حوار متصل الوتيرة، بقطعات قليلة، إلى مباراة تمثيلية حقيقية لا تترك مجالاً للترهل، حيث، بشغف فني مستعاد، قرر الممثلون الأربعة أن يمروا أسابيع من التدريبات بلا أجر، قبل دوران الكاميرا، تمامًا كما تُنجز المسرحيات.

في الأداء، يقدّم نورتون هوك، رجل الإطفاء المتقاعد، كشخصية غير محببة، يرتدي الحرية كجسد ثانٍ، يخفي بها هشاشته. بينما يُخرج سيث روغن مرارة رجل محبط، ممتلئ الجسد، تثقله أزمة منتصف العمر. في الفيلم، نعبر بين طبقات من الألم المعاش، تتسلل بين النكات دون أن ينكسر إيقاع الكوميديا. أما كروز في دور المعالجة النفسية وأخصائية العلاقات الجنسية، فهي تبدو، بحرية أدائها وحسها الساخر، الأفضل بين الأربعة، تتنقل بين الإغواء والسخرية والخفة في اللحظة التي تحتاجها، كاشفة عما تحت القناع الذي يفرضه عليها الفيلم. أما وايلد، في دورها الأول أمام كاميرتها، وهي تدير ذاتها هنا، فهي تمنح أنجيلا توترًا يشبه حبلًا مشدودًا طوال الفيلم، امرأة تعرف أنها اختارت دعوة العشاء تلك كهجوم مقنّع على زوج نادرًا ما استمع لها.

ما هو جدير بالتأمل والإعجاب أن الفيلم لا ينحاز لأحد النموذجين، بل يفككهما كليهما، ليكشف أن "الحرية" أيضًا يمكن أن تكون قناعًا آخر، وأن الالتزام الصارم قد يخفي جوعًا يأكل الروح

"صندانس": منصة أولى للمغامرات

في مهرجان "صندانس"، حيث عُرض هذا العام، استقبل النقاد الفيلم بحفاوة واضحة، إذ قورن مراراً بأفلام مثل (Who's Afraid of Virginia Woolf) و(Bob & Carol & Ted & Alice)، أفلام من الستينيات عالجت الزواج والانفتاح الجنسي بجدية لا تخلو من سخرية، بمسلمات يهزها الفيلم بشكل أعمق من ثنائية الخيانة والوفاء، كون الزوجين "التقليديين" يمثلان النموذج البرجوازي المتعب، الذي ورث فكرة الزواج كعقد أبدي دون أن يعيد التفاوض عليه أبدًا، بينما الجاران في الأعلى، بحياتهما المنفتحة القائمة على المتعة والحرية المعلنة، يمثلان النقيض الذي يُغري ويُرعب في آن. 

ما هو جدير بالتأمل والإعجاب أن الفيلم لا ينحاز لأحد النموذجين، بل يفككهما كليهما، ليكشف أن "الحرية" أيضًا يمكن أن تكون قناعًا آخر، وأن الالتزام الصارم قد يخفي جوعًا يأكل الروح. ربما هذا ما يفسر لماذا اختار الفيلم الضحك طريقًا لسرد الحكاية، كونه من الأسهل دائمًا أن نتكلم عن تعاستنا حين نضحك منها، فالدراما الصريحة تطلب منا مواجهة مباشرة قد لا نحتملها، بينما الكوميديا تفتح بابًا جانبيًا، تسمح للمشاهد أن يعترف بمخاوفه عبر الضحك على مخاوف الآخرين، ثم يكتشف فجأة أن الضحكة ارتدت عليه. هذا ما يفعله "دعوة للعشاء" باتساق وحرفية، يجعلنا نضحك من جنون أربعة غرباء عالقين بمشكلة، ثم يتركنا في نهاية الأمسية وحدنا أمام مرآة لا نستطيع الهرب من صورتنا المنعكسة فيها.

كلمات مفتاحية
سبايدرمان

يوم جديد بالكامل: "سبايدرمان" الذي يحيا كلما نسيه العالم

في ذروة سردية حملت عنوان "يوم واحد إضافي"، عقد بيتر باركر صفقة مع شيطان يُدعى مِفيستو

أوديسيوس

أوديسة نولان: عن انتصارٍ ملحميّ للمهزومين

"الأوديسة" فيلمٌ عن الخسارة إذًا، وبالتالي عن المسؤولية الفردية، وعن القدرية وتعاليم اللوح المحفوظ

الأوديسية

أوديسة كريستوفر نولان.. بطل محطم في عالم غابت عنه الآلهة

أعاد كريستوفر نولان "الأوديسة" إلى الشاشة كقصة جندي عاد من الحرب منتصرًا في الظاهر، محطمًا من الداخل، لا مجرد مغامرة بحّار يواجه الوحوش والآلهة

السوبر الأوروبي
رياضة

باريس سان جيرمان وأستون فيلا.. صراع أوروبي على أول ألقاب الموسم

تحولت المباراة إلى حدث يحمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما اختار اليويفا الحكم الصومالي عمر آرتان لإدارتها

الصومال
مجتمع

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

تعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة

غيتي
حقوق وحريات

لبنان يُلغي عقوبة الإعدام.. فما البديل وماذا عن المحكومين؟

أقرّ مجلس النواب اللبناني اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام في البلاد، في خطوة تشريعية تنقل لبنان من تعليق تنفيذ العقوبة عمليًا لأكثر من عقدين إلى إلغائها رسميًا

صورة تعبيرية
قول

عن العلاقة بين منصات التواصل الاجتماعي والمجمع الصناعي العسكري الأميركي؟

طورت شركات التكنولوجيا خوَارزمياتها بشكل يجعلها تدفع الرِيلز دفعًا في فم وعين وأنف المتابع، لأنها الأقل كلفة، والأكثر ربحية