رحيل داود عبد السيد.. "سارق الفرح" صاحب العلامات السينمائية المضيئة
27 ديسمبر 2025
رحل عن عالمنا المخرج المصري داود عبد السيّد (1946 – 2025) عن عمر ناهز 79 عامًا، تاركًا وراءه مجموعة من أبرز الأفلام التي أنتجتها السينما المصرية، وكان واحدًا من أبرز أسماء تيار الواقعية الجديدة في السينما.
وقد نعاه وزير الثقافة المصرية د. أحمد فؤاد هنو بالقول: "أعماله شكّلت علامة بارزة في تاريخ السينما وتميزت برؤية فكرية وإنسانية عميقة، وأسهمت في ترسيخ مكانة الفن السابع كأداة للتنوير وبناء الوعي".
وأكد أن اسمه سيبقى حاضرًا في الذاكرة الثقافية والفنية المصرية لما قدمه من إسهامات رفيعة المستوى. وأضاف أن السينما المصرية فقدت قامة فنية كبيرة استطاعت أن تحوّل الشاشة إلى مساحة للتفكير وطرح الأسئلة الكبرى، وأن تعبّر بصدق عن هموم الإنسان والمجتمع، وستظل أعماله شاهدًا على موهبة فريدة ورؤية فكرية أثرت وجدان أجيال متعاقبة.
بدأت حكاية داود مع السينما في تلك اللحظة الفارقة التي زار فيها أستوديو "جلال" برفقه ابن خالته الذي يحبّ الرسوم المتحركة، وذلك لمقابلة صديق يعمل كمدير تصوير. كان المكان مُبهرًا بالنسبة له، وهناك حدث له موقف لم يُمحَ من ذاكرته، حيث أخبر الناقد السينمائي أحمد شوقي في كتابه الصادر عن مهرجان الإسكندرية السينمائي الثلاثين (2014) بأنه كان يرتدي تيشيرت، وأسند ظهره إلى حائط من حوائط الديكور والذي لم يجف دهانه بعد، فطبع هذا الدهان على التيشرت فأفسده! كأن هذا الدهان طبع على روحه وشمًا سينمائيًا لا يزول. حينها لم يستطع التفكير في شيء يخالف أن يصبح مخرجًا يومًا ما.
كانت طفولته مشبّعة بالمشاهد السينمائية التي ترسّخت في وعيه الفني، حيث دور العرض: نورماندي وبالاس وأوازيس وسفير وكريستال وغرناطة. اعتاد أن يشاهد مع رفاقه فيملين أميركيين في برنامجٍ واحد، فيما عدا قاعتين تعرضا أفلامًا مصرية. لقد اكتشف الأفلام المصرية من خلال عروض التليفزيون وليست قاعات السينما.
في إحدى المرات، انبهر بفيلم "أورفيو الأسود" للمخرج مارسيل كامو، والذي كان واحدًا من أكثر الأفلام التي أثّرت به. كانت لديه رغبة مُلّحة في صناعة أفلام تُشاهد أكثر من مرةٍ، مثل قطعة الموسيقى التي تُستعاد من حينٍ لآخر.
التحق داود بالمعهد العالي للسينما وتخرج فيه عام 1967. في المعهد، كان من المقرر أن تُقدم مشروعات تخرج، لكنّها لم تتم. وذلك بسبب عدم توافر ميزانية كافية، نتيجة لقيام حرب حزيران/يونيو 67. وكما أخبر شوقي في المقابلة ذاتها، فقد عمل مساعد مخرج في فيلمين أو ثلاثة في مؤسسة السينما. ولكنّه قرر في النهاية أن يتقدم بطلب للانتقال إلى المركز القومي للأفلام التسجيلية. وهناك أنجز أول فيلم تسجيلي، وقضى في الكتابة بعدها 10 سنوات في محاولة دؤوب لاكتشاف الذات. وبعد محاولاتٍ متواصلة، كتب أول سيناريو كان مقنعًا بالنسبة له بعنوان "كفاح رجال الأعمال".
اكتسب داود خبرة سينمائية واسعة من خلال عمله كمساعد مخرج لمجموعة من المخرجين الكبار أمثال: يوسف شاهين وكمال الشيخ وممدوح شكري.
انتمى داود إلى جيلٍ عُرف باسم "تيار الواقعية الجديدة" في السينما المصرية، وهو الجيل الذي حاول أن يخلق مسارًا موازيًا لأفلام المقاولات التي انتشرت في الثمانينيات. هذا الجيل الذي تكوّن من خيري بشارة ومحمد خان وعاطف الطيّب وشريف عرفة، والذين عكست أفلامهم مرحلة فارقة في تحولات الطبقة الوسطى وأثر الهزيمة الثقيل على جيل ما بعد النكسة وحرب 73.
من أبرز أفلامه: "الصعاليك" (1985) – "الكيت كات" (1991) عن قصة "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان – "البحث عن سيد مرزوق (1991) – "أرض الأحلام" (1993) آخر أفلام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة – "سارق الفرح" (1995) عن قصة خيري شلبي – "أرض الخوف" (2000) – "مواطن ومخبر وحرامي" (2001) – "رسائل البحر" (2009) عن قصة إبراهيم أصلان – "قُدرات غير عادية" (2015).
شكّل داود ثقافته السينمائية من مشارب عدة، لعل أبرزها السَرد الأدبي، فكما أخبر سمير نصري (جريدة النهار، 1985) بأنه من عُشاق الراوية، لكنّه ليس قارئًا نهمًا، فهو لم يكن يعتقد أنه قرأ أهم الأعمال الروائية في العالم، لكنّه شخص متأمل ولديه ذاكرة قوية جدًّا.
أما عن مجمل رؤيته للسينما، فقد ردّ على سؤال حياة الشيمي له (جريدة السفير، 1991) بأهمية العمل السينمائي من وجهة نظره بالقول إن السينما يجب أن تصل إلى الجماهير ليس بمعنى أن تكون وراءهم ولكن تأخذهم معها. الفن هو محاولة عمل تحفة على جميع المستويات ولكل الجماهير مع وضع جماهير كل مخرج في الاعتبار، فهو وجيله حاولوا أن يصنعوا أفلامًا لتكون تحفة وليس مجرد عمل للتسلية.