ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

زواج القاصرات في مصر.. طفولة مسروقة وثغرات قانونية تبقي على الظاهرة

16 أغسطس 2026
زواج القاصرات
ينطوي زواج القاصرات على مخاطر جسيمة (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

في بدايات الألفية الحالية، اضطرت أسماء، ابنة إحدى قرى محافظة الشرقية، وكانت تبلغ من العمر آنذاك 15 عامًا، إلى الزواج بموجب عقد عرفي مُشهَر، نظرًا لعدم بلوغها السن القانونية للزواج، والمحددة بـ18 عامًا، ومنذ ذلك الحين، بدأت تدفع ثمن هذا الزواج المبكر من صحتها النفسية والجسدية، بعدما أُرغمت عليه تحت ضغوط والدها، الذي كان يرى في العريس المتقدم لها فرصة لا تُعوَّض.

أسماء ليست الحالة الوحيدة التي وقعت في فخ الزواج المبكر، أو ما يُعرف بـ"زواج القاصرات"، فمثلها عشرات الآلاف ممن انخرطن، طواعية أو قهرًا، في هذا المصير الذي جرّدهن من طفولتهن وحرمهن أجمل سنوات حياتهن، فبدلًا من الاستمتاع بتلك المرحلة العمرية، وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات متلاحقة تثقل كواهلهن، ليدفعن ثمنها أعمارًا تُستنزف وأجسادًا تُنهك.

ولم يكن زواج القاصرات في مصر مجرد حالات فردية، بل تحوّل على مدار عقود إلى ظاهرة مجتمعية، تقف وراءها قائمة طويلة من الأسباب، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب ضعف الوعي وبعض الموروثات والتفسيرات الدينية، وبين الحين والآخر، تتجدد التحذيرات وتُدق نواقيس الخطر مطالبة بالتصدي لهذه الظاهرة والحد من تداعياتها، لكن من دون أن تنجح الجهود المبذولة حتى الآن في القضاء عليها بصورة حاسمة.

ربع الزوجات المصريات قاصرات

خلال مشاركتها في مائدة مستديرة نظمها المجلس القومي للطفولة والأمومة، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، لمناقشة الوضع القانوني والتشريعي لزواج الأطفال، قالت نائب وزير الصحة والسكان المصرية، عبلة الألفي، إن ما بين 10 و15% من المواليد في مصر يولدون لأمهات ما زلن في سن الطفولة.

لم يكن زواج القاصرات في مصر مجرد حالات فردية، بل تحوّل على مدار عقود إلى ظاهرة مجتمعية، تقف وراءها قائمة طويلة من الأسباب، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب ضعف الوعي وبعض الموروثات والتفسيرات الدينية

وبحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"، فإن نحو 16% من النساء في الفئة العمرية بين 20 و24 عامًا تزوجن أو ارتبطن قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، وهو ما يعني، بصورة تقريبية، أن واحدة من بين كل ست شابات دخلت الحياة الزوجية وهي لا تزال طفلة.

وتكمن خطورة هذه الأرقام في كونها جرس إنذار يكشف حجم الظاهرة وتداعياتها، إذ تنتقل عشرات الآلاف من الفتيات المصريات، في سن مبكرة، من مقاعد الدراسة وأجواء الطفولة إلى أعباء الحياة الزوجية ومسؤوليات الأسرة، بل وإلى غرف العمليات والولادة، في مشهد دفع العديد من الحقوقيين والمتخصصين إلى إطلاق تحذيرات متكررة، والمطالبة بالتصدي لزواج الأطفال بكل السبل القانونية والاجتماعية والتوعوية الممكنة.

الزوجة الطفلة.. مأساة أسماء المستمرة

في عام 2001، تقدم شاب يبلغ من العمر 28 عامًا للزواج من أسماء، التي لم تكن قد تجاوزت 15من عمرها، وكانت آنذاك طالبة في الصف الثالث الإعدادي، لم تكن الفتاة تعرف من الزواج سوى صورته الاحتفالية البسيطة في مخيلتها؛ فستان أبيض، وزفة، وفرح يشبه تلك الأفراح التي كانت تشاهدها في شوارع قريتها بمحافظة الشرقية، أما ما وراء ذلك من مسؤوليات وأعباء، فلم يكن قد خطر ببال طفلة لا تزال تجلس على مقاعد الدراسة.

كان لأسماء حلم آخر تمامًا، أرادت أن تستكمل تعليمها وأن تصبح مهندسة مثل ابنة عمها المقيمة في القاهرة. لكن الحلم اصطدم سريعًا بقرار والدها، الذي كان يعمل فلاحًا، حين وافق على العريس من دون أن يعود إليها أو ينتظر رأيها، ففي نظره، بدا الشاب فرصة يصعب تعويضها؛ يمتلك مسكنًا جاهزًا ومجهزًا، ويعمل في إحدى دول الخليج، كما أبدى استعداده لتحمل نفقات الزواج كاملة.

وفي غضون أيام قليلة، تحولت الزيارة إلى خطبة، والخطبة إلى استعدادات متسارعة للزواج، قبل أن تجد أسماء نفسها، وهي لم تبلغ الخامسة عشرة بعد، جالسة على "كوشة" الفرح عروسًا، بينما كان حلم الدراسة يبتعد عنها شيئًا فشيئًا.

وتستعيد الفتاة المكلومة تلك اللحظات في حديثها لـ"الترا صوت" قائلة: "لم يستمع والدي إلى صرخاتي حين أخبرته بأنني ما زلت صغيرة على الزواج، وأن هدفي الأهم هو استكمال تعليمي"، مضيفة أن والدها حاول إقناعها بأن العريس "فرصة لن تتكرر"، خاصة أنه سيتحمل جميع تكاليف الزواج، كما وعدها بأنها ستتمكن من مواصلة دراستها بعد الزواج.

لكن الوعد لم يصمد طويلًا، ففي العام الأول من زواجها، فوجئت الطفلة الزوجة بزوجها يرفض استمرارها في التعليم، مبررًا ذلك بأنها ستسافر معه بمجرد بلوغها السن القانونية للزواج، ومن ثم "لا حاجة إلى التعليم"، على حد قوله.

هناك تحديدًا بدأت الفتاة تدرك حجم ما فقدته، فلم يكن الزواج بالنسبة إليها مجرد انتقال مبكر إلى بيت جديد، بل كان، كما تصفه اليوم، ثمنًا دفعته من حلمها وطفولتها ومستقبلها، إذ فقدت حلم أن تصبح مهندسة، وتخلت قسرًا عن سنوات كان يفترض أن تعيش فيها طفولتها وشبابها، لتجد نفسها بعد سنوات أمًا لأربعة أطفال، أنهكتها أعباء الحمل والولادة والمسؤولية نفسيًا وجسديًا.

وهكذا، تحولت طفلة كانت ترسم لنفسها مستقبلًا مختلفًا بين مقاعد الدراسة إلى أم تحمل على عاتقها مسؤوليات أسرة كاملة، فيما بقي حلم الهندسة مجرد ذكرى بعيدة عن حياة تقول إنها اختيرت لها قبل أن تكون في عمر يسمح لها حتى باختيار مصيرها.

ظاهرة تتسع.. ما الأسباب؟

في ضوء عشرات الحالات التي التقت بها خلال السنوات الماضية، ترجع الدكتورة سهام رمضان، منسق وحدة مناهضة العنف ضد المرأة بكلية الآثار في جامعة الفيوم، انتشار ظاهرة زواج القاصرات في مصر إلى عدة أسباب، يأتي في مقدمتها الفقر، ففي بعض الأسر الفقيرة، قد يتحول الزواج إلى استراتيجية لمواجهة الضغوط الاقتصادية؛ فكلما ارتفعت تكاليف الغذاء والتعليم والعلاج، زاد إغراء تزويج الابنة باعتباره وسيلة لتقليل عدد أفراد الأسرة الذين تتحمل نفقاتهم.

وإلى جانب الفقر، يأتي التسرب من التعليم بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي تزيد من احتمالات الزواج المبكر، حيث تشير رمضان إلى أن كل عام تقضيه الفتاة داخل المدرسة يقلل نسبيًا من مساحة الضغط الأسري المفروض عليها للزواج في سن مبكرة، بينما يؤدي خروجها من منظومة التعليم إلى ارتفاع احتمالات تزويجها بصورة أكبر.

وتستند في ذلك إلى تقديرات للبنك الدولي تشير إلى أن إتاحة التعليم الثانوي للفتيات على نطاق واسع يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في الحد من زواج الأطفال والإنجاب المبكر، إلى جانب تعزيز قدرة النساء على اتخاذ القرارات وتحسين فرصهن في العمل والحصول على دخل.

وتضيف الأكاديمية المصرية، في حديثها لـ"الترا صوت"، أن عددًا من المفاهيم والمعتقدات الاجتماعية الموروثة يسهم كذلك في تفشي الظاهرة، إذ لا تزال بعض البيئات الاجتماعية تربط سمعة الأسرة بسرعة تزويج الفتاة، وتتعامل مع بقائها في منزل أسرتها بعد البلوغ باعتباره مصدرًا للقلق.

وفي مثل هذه البيئات، يُقدَّم الزواج المبكر تحت عناوين مثل "السترة" و"الحماية"، حتى وإن كان الثمن هو حرمان الطفلة من تعليمها وطفولتها، وتعريضها لتداعيات نفسية واجتماعية وصحية قد تلازمها لسنوات طويلة.

مخاطر صحية ونفسية

تنطوي الزيجات في سن مبكرة على العديد من المخاطر الصحية، فإلى جانب الآثار النفسية القاسية التي قد تعاني منها الطفلة حين تجد نفسها مسؤولة عن بيت وأطفال وهي لا تزال في سن الطفولة، هناك تداعيات صحية أخرى قد تضع حياتها وسلامتها على المحك، بحسب تحذيرات الدكتور أحمد سلامة، استشاري طب الأسرة.

ويشير سلامة إلى أن الدراسات الطبية تؤكد أن الأمهات في الفئة العمرية من 10 إلى 19 عامًا أكثر عرضة للإصابة بتسمم الحمل، والتهابات ما بعد الولادة، والعدوى الجهازية، مقارنة بالنساء في الفئة العمرية من 20 إلى 24 عامًا، كما أن مواليدهن يكونون أكثر عرضة للولادة المبكرة، وانخفاض الوزن عند الميلاد، والإصابة بحالات مرضية خطيرة.

ويحذر استشاري طب الأسرة، في حديثه لـ"الترا صوت"، من المخاطر الناجمة عن الزواج المبكر، لافتًا إلى أن مضاعفات الحمل والولادة لدى القاصرات قد تصل في بعض الحالات إلى حد الوفاة، وهو ما أكدته دراساتوتقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، خاصة فيما يتعلق بالأمهات في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عامًا.

ثغرة قانونية

رغم أن قانون الأحوال المدنية المصري ينص صراحة على عدم جواز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة، فإن النص يركز في جوهره على منع توثيق الزواج، وليس على منع وقوع الزواج ذاته أو تجريمه بصورة مباشرة، وهو ما فتح بابًا للتحايل على القانون من خلال إبرام عقود زواج غير رسمية، ثم توثيقها لاحقًا بعد بلوغ الفتاة سن الثامنة عشرة.

زواج الأطفال لا يرتبط فقط بسن الزواج أو بإجراءات التوثيق، وإنما يتداخل مع شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يجعل مواجهته بحاجة إلى تشريعات أكثر حسمًا، وآليات رقابية فاعلة، وسياسات اجتماعية وتعليمية تعالج جذور الظاهرة، لا مظاهرها فقط

وفي مواجهة هذه الثغرة، طالب المجلس القومي للطفولة والأمومة، في آذار/مارس الماضي، بإصدار قانون مستقل يجرّم جميع المشاركين في زواج الأطفال، بما يشمل ولي الأمر والزوج والوسيط ومن يتولى تحرير العقد، إلى جانب التصدي لمحاولات الالتفاف على القانون من خلال الزواج العرفي.

وانتقل هذا النقاش بدوره إلى أروقة البرلمان المصري، في ظل مناقشة عدد من مشروعات القوانين السابقة المتعلقة بهذه القضية،  ففي نيسان/أبريل 2026، أُحيل إلى اللجان المختصة بمجلس النواب مشروع قانون جديد لتجريم تزويج الأطفال، بينما تضمن مشروع قانون الأسرة المتداول نصوصًا تقضي بمعاقبة كل من زوّج طفلًا أو شارك في إتمام زواجه بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة تتراوح بين 50 ألفًا و200 ألف جنيه، فضلًا عن عزل المأذون أو الموثق المتورط، وعدم سقوط الجريمة بمضي المدة.

ومع ذلك، تظل هذه النصوص في إطار المقترحات والمشروعات التشريعية ما لم يصدر بها قانون بصورة نهائية ويُنشر رسميًا، ومن ثم لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحكامًا نافذة حتى الآن، الأمر الذي يتطلب الإسراع من أجل تدشين بنية تشريعية تضع حدًا لتلك الظاهرة المقلقة.

في المحصلة، ورغم المبادرات الاجتماعية والتوعوية التي أطلقتها مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة لمواجهة زواج الأطفال، من بينها حملة "طفولتها حقها" التابعة لوزارة الصحة، ومبادرتا "غزل بنات" و"صحة فرح" اللتان أطلقهما المجلس القومي للطفولة والأمومة في عدد من المحافظات، إلى جانب حملة "لسة نوارة" الهادفة إلى التوعية بحق الفتاة في استكمال طفولتها وتعليمها، فإن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال غير كافية للتصدي للظاهرة والحد من انتشارها.

فزواج الأطفال لا يرتبط فقط بسن الزواج أو بإجراءات التوثيق، وإنما يتداخل مع شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يجعل مواجهته بحاجة إلى تشريعات أكثر حسمًا، وآليات رقابية فاعلة، وسياسات اجتماعية وتعليمية تعالج جذور الظاهرة، لا مظاهرها فقط.

وفي ظل ما قد يصاحب بعض هذه الزيجات من استغلال للفتيات وحرمانهن من حقهن في الاختيار والتعليم والعيش الآمن، يذهب بعض الحقوقيين إلى وصف بعض صور زواج الأطفال بأنها أقرب إلى "الاتجار بالبشر" منها إلى علاقة زوجية تقوم على الرضا والاختيار الحر، الأمر الذي يجعل من التصدي لهذه الظاهرة مسألة غاية في الأهمية، اليوم قبل الغد.

كلمات مفتاحية
صورة تعبيرية

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة

صورة تعبيرية

الصين تخشى أن تحل "رفقة الذكاء الاصطناعي" محل العلاقات الإنسانية

المشكلة بالنسبة إلى السلطات الصينية لا تتعلق فقط بالصحة النفسية أو الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، بل تتقاطع مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصين، ونحكي عن الأزمة الديموغرافية

الولايات المتحدة

5 قارات و163 طفلًا.. ماذا كشفت أكبر عملية بحث عن أطفال مفقودين؟

تمكنت السلطات الأميركية من العثور على 163 طفلًا مفقودًا، بينهم أطفال تعرضوا للاتجار بالبشر والاستغلال والإساءة والإهمال، في حملة امتدت إلى ولايات أميركية و12 دولة حول العالم

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة