ultracheck
  1. رياضة

"زينون الرواقي يحكم كتالونيا".. كيف أنقذ هانزي فليك نادي برشلونة من الإفلاس؟

16 مايو 2026
برشلونة
احتفالات برشلونة بلقب الليغا (جيتي)
محمود ليالي محمود ليالي

تقول الأسطورة إن هناك طائرًا يدعى العنقاء، يعيش طويلًا، وعندما يشعر باقتراب نهايته، يحرق نفسه، يتحول إلى كومة من رماد تذروه الرياح، ليتمكن من النمو مرةً أخرى بشكل أكثر حيوية وجاذبية، ولا ينمو مرةً أخرى إلا بعد احتراقه بالكامل، حسنًا، هل هناك رابط بين تلك الأسطورة، وبين نادي برشلونة؟

الثالث من آب/أغسطس 2017 كان هو اليوم الذي بدأ فيه النادي الكتالوني التهام نفسه، فمنذ رحيل نيمار، والأمور لا تجري على أعنتها داخل النادي، ديون، وأزمات، ومشاكل، شبح الإفلاس يخيم على رؤوس الأشهاد، وإدارة لا تستطيع التخطيط ليومين قادمين، إدارة مصابة بالذعر، وبعقدة نقص جعلتها تلهث لتقليد سياسة ريال مدريد، الغلاكتيكوس، في محاولة يائسة لتعويض نيمار، فلم تجني إلا المزيد من الفشل.

ثم ماذا؟ ديون تجاوزت 1.45 مليار يورو، وأبقار مقدسة، وسلسلة من المدربين لا يملكون المؤهلات الكافية لقيادة عربة كبدة، والفريق يعتمد على ليونيل ميسي بشكل كامل، ماذا؟ رحل ليونيل ميسي هو الآخر، إذن من سيقود الفريق؟

بعدما أُحرق لسنوات بنيران الديون والتخبط الإداري، ها هو برشلونة ينهض من رماده كطائر العنقاء

جماهير مصابة بالاكتئاب والغبن، وإدارة مصابة بقصر النظر، وأمام القطع المتناثرة من هذا الليل المُدلهم، قرر خوان لابورتا تعيين هانزي فليك كمدير فني جديد للفريق بعد إقالة تشافي في ظروف مضحكة مبكية، فما الذي تغير منذ تلك اللحظة، حتى يحصل الفريق على الدوري الثاني على التوالي بأداء استثنائي؟

تشريح الجثة

بعد استكشاف كل الاحتمالات والخيارات البديلة ومسارات التصرف المختلفة، وصل فليك إلى استنتاج مفاده أن الديون هي العائق الأكبر أمام عملية التطوير، وتلك الديون منقسمة إلى شقين أساسيين، الأولى ديون البنية التحتية الخاصة بمشروع "إسباي بارسا"، وإعادة بناء ملعب الكامب نو، والتي بلغت 1.45 مليار يورو، مبلغ كبير، ولن يستطيع النادي دفعه إلا عبر إعادة هيكلته بضمان الإيرادات المستقبلية للملعب الجديد، كيف ذلك؟

ببساطة شديدة قرر النادي إعادة تمويل 424 مليون يورو من المبلغ عبر مؤسسة "غولدمان ساكس" بفائدة تبلغ 5.19% مستحقة السداد بين عامي 2033 و2050، وصحيح أنه حل مؤقت بعض الشيء، ولكن لا مناص منه، لأن الأزمة الحقيقية تكمن في الشق الثاني، أو ما يعرف بالديون التشغيلية قصيرة الأجل، تلك المتعلقة بالأنشطة اليومية والضرورية لتسيير أعمال النادي، مثل أموال الانتقالات، والمستحقات المالية والرواتب المؤجلة والفواتير.

تلك الديون تبلغ حوالي 469 مليون يورو، وهنا المشكلة، لأن هذا الرقم خنق قدرة النادي على التنفس، ودفع برابطة الدوري الإسباني إلى فرض قيود صارمة على سقف الرواتب، مما جعل لابورتا في حيص بيص، أزمة حقيقية لم يجد ملجًأ للهروب منها إلى عبر بيع نسبة من حقوق البث التلفزيوني ومبيعات التذاكر، بالإضافة إلى بيع 49% من الذراع الإعلامي للنادي، Barça Studios، لتوفير السيولة المالية بشكل فوري، أو ما عُرف بسياسة الروافع الاقتصادية.

ورغم أن هذه الخطوة وفرت سيولة سمحت بإبرام بعض التعاقدات، غير أن سد لوي قد أشار إلى أنها سياسة تُرحل المشاكل إلى المستقبل، ولا تعالجها من جذورها، ببساطة لأنها لم تعالج الخلل الأساسي المتمثل في الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصروفات، وقد كانت وجهة نظره صحيحة، حيث أعلنت رابطة الدوري الإسباني في كانون الثاني/يناير 2025 أن النادي لم يزل متجاوزًا سقف الرواتب البالغ 462 مليون يورو.

الأمر الذي أدى إلى بعض الأزمات مثل مشكلة تسجيل داني أولمو، والذي لم ينجح برشلونة في تسجيله إلا عن طريق استغلال إصابة المدافع أندرياس كريستنسن طويلة الأمد، وتسجيل أولمو بدلًا منه، مستفيدًا من راتب اللاعب الدنماركي المصاب لتغطية راتب الوافد الجديد.

ثم لم يستطع النادي إعادة تسجيل كريستنسن مرة أخرى بعد عودته من الإصابة إلا بعد التخلص من إلكاي غوندوغان، وفيتور روكي، عملًا بقاعدة 1-1، للعب المالي النظيف، ما هي تلك القاعدة؟ ببساطة، ودون الدخول في تفاصيل اقتصادية معقدة، جوهر هذه القاعدة يكمن في ربط قدرة النادي على الإنفاق بإيراداته وقدرته على توفير الأموال.

بمعنى أن النادي لن يُسمح له بإنفاق يورو واحد على التعاقدات أو زيادة الرواتب إلا في حالة توفير يورو مقابل من خلال بيع اللاعبين أو تخفيض الرواتب، أو زيادة الإعلانات، أو أي شيء من هذا القبيل، فكيف كان تصرف فليك أمام هذا الموقف المعقد؟

الرواقية الألمانية

أدرك فليك أنه محاصر من كل الجهات، والحل ليس في الاقتصاد، بل في الفلسفة، تحديدًا الفلسفة الرواقية، القائمة على أن الطريق إلى السعادة يكون بتقبل الحاضر، والتعامل معه كما هو، ومحاولة تغييره من داخله، والتركيز فقط على ما يمكن التحكم به.

والدليل هو ما صرح به رئيس النادي خوان لابورتا لصحيفة "الغارديان"، أن فليك "جاء وعيناه مفتوحتان على أزمة النادي المالية، فلم يفرض أي مطالب ولم يتذمر من نقص الانتدابات"، بل ركز على استخراج أقصى ما يمكن من العناصر المتاحة.

خاصة وأن فليك أصبح بمثابة درع كابتن أميركا بالنسبة لإدارة لابورتا، الدرع الواقي من الجمهور، وبدلا من أن يساق إليهم كذبيحة خاصة بعد إقالة تشافي، واستقالة الأركان الأساسية في مجلسه مثل جوردي كرويف وماتيو أليماني، يمكن تصدير فليك إلى الجمهور، وللقرارات الصعبة مثل قرار التخلي عن نجم بحجم إلكاي غوندوغان تخفيضًا للنفقات، ثم العودة التدريجية إلى فلسفة النادي الأصلية والأصيلة، والاعتماد على لاعبي أكاديمية لاماسيا بشكل شبه تام.

في تقرير إحصائي نشره موقع "Barca Universal"، برز كيف أدرك فليك سريعًا أن الأكاديمية هي طوق النجاة الوحيد للنادي، وبدلًا من إنفاق مئات الملايين في السوق لتلبية احتياجات الفريق، يمكن الاستعانة بفتية لم تتجاوز أعمارهم 17 و18 عامًا مثل لامين يامال ومارك برنال وباو كوبارسي لتعويض النقص، الفلسفة الرواقية تعني عدم التذمر مما لا تملك، والتركيز على ما تملك، وما يملكه فليك هو أكاديمية لاماسيا، ولذلك استثمر فيه بدلًا من البكاء على غياب النجوم، وقد ظهر جليًا في عدد لاعبي لامسيا على أرض الملعب.

حيث تشير الأرقام إلى أن نسبة خريجي الأكاديمية في قائمة الفريق ارتفعت من 50% في بداية الموسم لتصل إلى 60% في نهايته، بل ووصلت في بعض المباريات في الدوري الإسباني ودوري الأبطال إلى إنهاء اللقاء بوجود سبعة لاعبين من الأكاديمية على أرض الملعب، وهذا التوجه وفر لخزينة النادي مئات الملايين من الدولارات، وسمح للنادي بالتعافي التدريجي ومن ثم محاولة الامتثال لقواعد اللعب المالي النظيف.

هذا الامتثال أسس له فليك لأنه أولًا يفوز، وصحيح أن الفوز لا يمكن الاتكال عليه وحده، فكرة القدم مليئة بالمتغيرات، والفارق بين المكسب والهزيمة قد يكون بضع لحظات فقط، أو ضربة حظ، أو توفيق، أو كسر من الثانية هنا أو هناك، إلا أن الفوز، عندما يأتي، يزيل الأوساخ العالقة ويجعل رائحة الملابس عطرة، وفليك لا يفوز فقط، بل يفوز بأداء ممتع أعاد للجماهير شغفها باللعبة، لدرجة جعلت برشلونة يتصدر جدول بيع القمصان والمنتجات، بإيرادات تخطت الربع مليار يورو.

وبما أن كرة القدم لعبة جماعية، الكل فيها يرتبط ببعضه، إذن فنجاح برشلونة في تلك الظروف الصعبة كان بحاجة إلى انهيار داخلي درامي في ريال مدريد، وهو ما حدث بالفعل، فعلى الرغم من الميزانية المفتوحة، ورغم الترسانة الهجومية المرعبة التي ضمت كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، عانى النادي الملكي من أزمة ثقافية طاحنة وغياب تام للانضباط طوال الموسم.

وقد تجلى هذا التفكك في تذمر فينيسيوس جونيور وتهديده العلني بترك الفريق بعد استبداله في إحدى المباريات، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت الشجار العنيف في التدريبات بين لاعبي خط الوسط فيديريكو فالفيردي وأوريلين تشواميني، والذي انتهى بنقل فالفيردي إلى المستشفى، وتوقيع غرامة ضخمة قدرها 500 ألف يورو على كل منهما، كما يضيف تقرير لصحيفة "ديلي ميل" تفصيلةً أكثر قتامة تخص كيليان مبابي، الذي ادعى شعوره بوعكة صحية قبل مباراة الكلاسيكو، وغادر التدريبات، ورفض السفر إلى برشلونة، مما أكد حالة الترهل واللامبالاة التي ضربت غرفة ملابس الفريق.

ولذلك عندما التقى الجمعان يوم الفصل، وحسم الدوري الإسباني، اكتسح برشلونة خصمه سريعًا، في الدقيقة التاسعة، سدد الإنجليزي ماركوس راشفورد ركلة حرة مباشرة مقوسة ببراعة سكنت الزاوية العليا لمرمى تيبو كورتوا، وفي الدقيقة الثامنة عشرة، أكد فيران توريس تفوق النادي الكتالوني بتسجيل الهدف الثاني بعد تمريرة سحرية من داني أولمو، وانتهت المباراة بفوز برشلونة 2-0، ليحتفل اللاعبون والمدرب فليك بالدوري الثاني تواليًا، لكن الأهم من الاحتفال بالدوري، كانت الإيرادات التي تدفقت بعده.

غنائم الحرب

في تقرير مفصل لموقع "ستاديوم داتا بيس" المتخصص في البنى التحتية، أوضح أن حل أزمة برشلونة المالية يكمن في الافتتاح التدريجي لملعب "سبوتيفاي كامب نو"، حيث تشير التوقعات المالية إلى أن الملعب، عند اكتماله بالكامل ليتسع لـ 100 ألف متفرج، سيولد إيرادات سنوية تبلغ 350 مليون يورو، وقد بدأ النادي بالفعل بجني الثمار بعد افتتاح المدرج الجانبي والمقصورة الرئيسية، كما أن النادي حصل بالفعل على 60 مليون يورو مجرد إنهائه الموسم في المركز الأول، ولكن هذا لم يكن سوى غيض من فيض.

إذ يشير التقرير إلى أن الأثر الاقتصادي الشامل للحصول على الدوري، سيجعل الإيرادات الإضافية للنادي تقترب من 150 مليون يورو بشكل أولي، هذا التدفق المالي الضخم انعكس فورًا على خطط النادي في سوق الانتقالات، حيث نقل صحفي "ذي أثليتيك"، بول بيلوس، عن أمين صندوق النادي، فيران أوليفيه، أن النادي أصبح على بُعد 12 مليون يورو فقط من تحقيق شروط قاعدة (1:1).

بعدما أحرق لسنوات بنيران الديون والتخبط الإداري، ها هو ينهض من رماده كطائر العنقاء. ولكن، هناك اختلاف بسيط فقط، طائر العنقاء يحرق نفسه ليبقى، أما برشلونة فلم يحرق نفسه طواعية، بل أكلته النار رغمًا عنه، العنقاء يموت ثم يولد، أما برشلونة فلم يمت قط، بل كان في غيبوبة طالت بعض الشيء، وفليك هو من أيقظه بفكرة بسيطة ويمكن تطبيقها على كل شيء، بما أنك لن تستطيع تغيير العالم، تقبل ما لديك، واستثمر فيه، فقد لا يفصلك عما تحلم به وتصبو إليه سوى بعض التنظيم فقط. 

 

كلمات مفتاحية
كأس العالم 2026

إيران تهاجم الفيفا وأميركا: نحن المنتخب الأكثر تعرضًا للظلم في كأس العالم

تبدو بعثة إيران في كأس العالم 2026 مقتنعة بأن ما تواجهه من صعوبات في التنقل والإقامة والتأشيرات يضعها في وضع مختلف عن بقية المنتخبات المشاركة

كأس العالم 2026

من تينيسي إلى فرجينيا الغربية.. كيف غيّرت معسكرات المونديال حياة مدن أميركية صغيرة؟

نجحت كأس العالم في تحويل مدن هادئة إلى مركز اهتمام عالمي، وربط مجتمعات محلية صغيرة بأكبر نجوم اللعبة، وترك ذكريات قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة.

صبري لموشي

بعد مباراة واحدة فقط.. لماذا قررت تونس التضحية بلموشي؟

قبل مواجهة السويد بيوم واحد فقط، بدا لموشي متفائلًا خلال حديثه لوسائل الإعلام، مؤكدًا رغبته في الاستمتاع بتجربة كأس العالم رغم الضغوط الكبيرة المحيطة بالمنتخب

كأس العالم 2026
رياضة

إيران تهاجم الفيفا وأميركا: نحن المنتخب الأكثر تعرضًا للظلم في كأس العالم

تبدو بعثة إيران في كأس العالم 2026 مقتنعة بأن ما تواجهه من صعوبات في التنقل والإقامة والتأشيرات يضعها في وضع مختلف عن بقية المنتخبات المشاركة

كأس العالم 2026
رياضة

من تينيسي إلى فرجينيا الغربية.. كيف غيّرت معسكرات المونديال حياة مدن أميركية صغيرة؟

نجحت كأس العالم في تحويل مدن هادئة إلى مركز اهتمام عالمي، وربط مجتمعات محلية صغيرة بأكبر نجوم اللعبة، وترك ذكريات قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة.

صبري لموشي
رياضة

بعد مباراة واحدة فقط.. لماذا قررت تونس التضحية بلموشي؟

قبل مواجهة السويد بيوم واحد فقط، بدا لموشي متفائلًا خلال حديثه لوسائل الإعلام، مؤكدًا رغبته في الاستمتاع بتجربة كأس العالم رغم الضغوط الكبيرة المحيطة بالمنتخب

مدينة الأبيض
قول

عروس الرمال "الأُبَيِّض".. مسيرة مدينة سودانية مع الحروب

على الرغم من وداعتها وبساطتها، وهي تستلقي وسط تلالها الرملية التي زيّنتها عروسًا في بوادي كردفان منذ أمد طويل، إلا أن مدينة الأُبَيِّض عاشت عبر تاريخها قسوة الحرب والاقتتال والحصار أكثر من مرة