سفراء في أنفاق جنوب لبنان: الجيش يوثّق الميدان ومهلة أميركية جديدة
16 ديسمبر 2025
لم يكن ما جرى يوم السبت في بلدة يانوح جنوب لبنان حدثًا عابرًا، إذ تدخّل الجيش اللبناني عقب إنذار إسرائيلي، ما حال دون تنفيذ الضربة الإسرائيلية. حتى الإعلام الإسرائيلي توقف عند هذا المشهد، ووصفت هيئة "البث الرسمية" الإسرائيلية الضربة التي لم تُنفّذ بأنها "حدث استثنائي"، بعد أن أوقف الجيش الإسرائيلي هجومًا على ما ادّعى أنه "هدف مهم".
توثيق عمليات الجيش
يأتي هذا التطوّر في وقت يعمل فيه الجيش اللبناني على تظهير عملياته الميدانية في منطقة جنوب الليطاني بشكل أكبر، مكثّفًا المهمات التي يقوم بها وموثّقًا كل التفاصيل بالصور والفيديوهات والخرائط. ويهدف الجيش بشكل أساسي إلى نزع الذرائع الإسرائيلية التي تشكك بقدرته على تنفيذ مهمة حصر السلاح، استعدادًا لاختتام المرحلة الأولى من خطته التي سبق وأعلن التزامه بإنجازها في نهاية عام 2025.
وتخاطب هذه الشفافية في العمل أطراف لجنة مراقبة قرار وقف إطلاق النار "الميكانيزم"، حيث تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن "منصة رقابية سرّية وُضعت بين يدي اللجنة للتحقق من عمليات حصر السلاح، وهي آلية تشكّل إطارًا لجمع المعطيات الميدانية حول عمليات الجيش، سواء التي ينفذها بمبادرة منه أو بطلب من الميكانيزم، وتظهر كل تفاصيل المهمات التي يقوم بها".
نقل موقع "واللاه" الإسرائيلي عن مسؤولين في المنظومة الأمنية قولهم إن "هناك تشاؤمًا إسرائيليًا إزاء قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، برغم الدعم الغربي"، فيما يبدو أن هناك رغبة أميركية واضحة بمنح لبنان فرصة أكبر
لبنان بين باراك ونتنياهو
بالتزامن، بدأت تتداول بعض المعلومات عن مهلة جديدة أُعطيت للبنان لإتمام مهمة حصر السلاح، لا سيما بعد رفع التمثيل في المفاوضات وتعيين السفير سيمون كرم رئيسًا للوفد اللبناني، واستنفار الجيش اللبناني على الأرض في مواجهة الدعاية الإسرائيلية.
ونقل موقع "واللاه" الإسرائيلي عن مسؤولين في المنظومة الأمنية قولهم إن "هناك تشاؤمًا إسرائيليًا إزاء قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، برغم الدعم الغربي"، فيما يبدو أن هناك رغبة أميركية واضحة بمنح لبنان فرصة أكبر، وهو ما جرى بحثه خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمبعوث الأميركي توماس باراك، وسط حديث عن ضغط أميركي فعلي على تل أبيب لخفض التصعيد مؤقتًا مع لبنان.
ووصلت أصداء هذه الرغبة الأميركية إلى وسائل الإعلام العبرية، حيث أشار موقع "واللاه نيوز" إلى "دعم كبار المسؤولين في المنظومة الأمنية لخيار توجيه ضربةٍ لحزب الله عبر أيامٍ عدّة من القتال المتواصل بهدف إحباط محاولاته إعادة بناء قدراته، إلا أنّ الولايات المتحدة تعارض ذلك". وكشف الموقع نفسه أنّ "الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من القيام بعملية واسعة النطاق في قلب بيروت ضد عناصر حزب الله وبنيته التحتية".
يُشار إلى أن الرئيس الأميركي سجّل موقفًا لافتًا منذ أيام، مشيرًا إلى أن "هناك دولًا ترغب في التدخل والتعامل مع حزب الله في لبنان". وأضاف خلال حديث مع الصحافيين في البيت الأبيض: "أقول الآن لستم مضطرين إلى فعل ذلك. قد تضطرون لاحقًا، لكن لدينا دولًا تتطوّع للتدخل والتعامل مع هذا الملف بالكامل". وتابع: "لدينا سلام عظيم في الشرق الأوسط، وهذا لم يحدث من قبل".
اجتماع باريس
يترافق هذا التوجّه الأميركي مع تفعيل المساعي الغربية والعربية، ولا سيما الفرنسية والمصرية. وكان لافتًا تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الذي كشف أن "فرنسا تعمل على آلية ثانية لمتابعة نزع سلاح حزب الله".
ويأتي هذا الموقف عشية الاجتماع المرتقب في باريس في 18 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بمشاركة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، ومستشارة الرئيس الفرنسي آن كلير لو جاندر، وقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، إضافة إلى حضور الموفد الرئاسي إلى لبنان جان إيف لودريان، الذي أجرى جولة استطلاعية واسعة في بيروت، ممهّدًا للرغبة الفرنسية بعقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني مطلع العام المقبل. وعلى هذا الأساس، يكتسب الحضور الأميركي والسعودي إلى باريس أهمية خاصة، نظرًا للدور المحوري لموقفيهما في الدفع باتجاه إنجاح مثل هذا المؤتمر.
غير أن نجاح لقاء باريس وارتفاع حظوظ عقد مؤتمر دعم الجيش يبقيان مرهونين بالعرض المفصّل الذي سيقدّمه العماد هيكل أمام الموفدين الدوليين، لا سيما في ما يتعلق بالإجراءات التي ينفذها الجيش على صعيد سحب السلاح، إضافة إلى حاجات المؤسسة العسكرية من حيث العتاد والعديد.
سفراء في الجنوب
استبقت قيادة الجيش لقاء باريس بتنظيم جولة ميدانية لسفراء وملحقين عسكريين عرب وأجانب في منطقة جنوب الليطاني، في إطار تكثيف تحرّكها تجاه المجتمع الدولي وإظهار جديتها في إنجاز المهمة الموكلة إليها، والاطّلاع على تطبيق المرحلة الأولى من خطة الجيش وفق قرار السلطة السياسية، ومهماته على كامل الأراضي اللبنانية.
وشملت الجولة، التي جرت يوم الاثنين، زيارات ميدانية عملية إلى مواقع تضم مخازن وأنفاقًا صودرت منها أسلحة، بحضور قائد الجيش. وكان لافتًا مشاركة غالبية السفراء فيها، حيث أتيحت لهم الفرصة للاستيضاح حول العديد من النقاط والمسائل المتعلقة بعملية حصر السلاح، سواء في مرحلة جنوب الليطاني أو ما بعدها.
وألقى قائد الجيش كلمة أكد فيها أن الهدف الأساسي للمؤسسة العسكرية هو تأمين الاستقرار، في وقت يستمر فيه الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية بالتزامن مع الاعتداءات المتواصلة. وأشار إلى أن هدف الجولة هو تأكيد التزام الجيش بتطبيق القرار 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية، وتنفيذ المهمات الموكلة إليه، رغم الإمكانات المحدودة، لافتًا إلى أن الأهالي، كما سائر مكونات المجتمع اللبناني، يثقون بالمؤسسة العسكرية.
كذلك، جرى تقديم إيجاز حول مهمات الجيش في مختلف المناطق اللبنانية، والوضع العام في قطاع جنوب الليطاني، وعلاقة التعاون مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، إضافة إلى تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الجيش في القطاع، بالتنسيق مع لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية.
استبقت قيادة الجيش لقاء باريس بتنظيم جولة ميدانية لسفراء وملحقين عسكريين عرب وأجانب في منطقة جنوب الليطاني، في إطار تكثيف تحرّكها تجاه المجتمع الدولي وإظهار جديتها في إنجاز المهمة الموكلة إليها
نيّات تصعيدية
يحاول لبنان تأجيل التصعيد الإسرائيلي وإظهار حسن النيّة تجاه تفعيل جلسات التفاوض، التي يُفترض أن تشهد جولة ثانية في 19 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بحضور المفاوضين المدنيين اللبناني والإسرائيلي.
غير أنّ هذا التوجّه لا ينسحب على الجانب الإسرائيلي، الذي ما يزال يضمر نيات تصعيدية تجاه لبنان، في وقت يواصل فيه خروقاته وعمليات الاغتيال بوتيرة شبه يومية. فمنذ مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، اغتالت إسرائيل 28 عنصرًا من حزب الله، بينهم ما لا يقل عن 15 من وحدة قوة "الرضوان"، في مقدّمهم رئيس أركان الحزب هيثم علي الطبطبائي، إلى جانب قادة عسكريين ومسؤولين عن الدعم اللوجستي.
وعليه، تتجه الأنظار إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 29 كانون الأول/ديسمبر الجاري، لمعرفة اتجاهات المرحلة المقبلة على الجبهة اللبنانية، وما إذا كان الحديث عن تفاهمات جديدة دقيقًا، في ظل تشابك ملفات الشرق الأوسط.





