سقوط الأسد.. حين استنفد النظام وظيفته الإقليمية
7 فبراير 2026
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 مجرد نهاية مفاجئة لأحد أكثر الأنظمة قمعًا في الشرق الأوسط، بل كشف أيضًا عن حجم التآكل الذي أصاب شبكة التفاهمات الإقليمية غير المعلنة التي أبقته في السلطة لسنوات، وفي مقدمتها الموقف الإسرائيلي الذي طالما نظر إلى الأسد بوصفه "عدوًا يمكن التعايش معه".
بحسب تقرير مطوّل نشرته مجلة "ذي أتلانتيك" للصحفي الأميركي روبرت وورث، فإن إسرائيل، على غرار معظم القوى الإقليمية والدولية، لم تتوقع الانهيار السريع للنظام السوري. إلا أن ما تكشفه شهادات مسؤولين إسرائيليين سابقين هو أن القلق من بقاء الأسد كان يتزايد في تل أبيب منذ سنوات، لا بسبب قوته، بل على العكس تمامًا: بسبب ضعفه وفقدانه القدرة على التحكم بالدولة.
"عدو مألوف" وحدود هادئة
لسنوات طويلة، رأت إسرائيل في بشار الأسد امتدادًا لنمط حكم والده حافظ الأسد: نظام يرفع شعارات العداء لإسرائيل، لكنه يلتزم عمليًا بضبط الحدود في الجولان المحتل. هذا التوازن جعل الأسد، من وجهة نظر أمنية إسرائيلية، خصمًا يمكن احتواؤه والتنبؤ بسلوكه، وهو ما كان مفضلًا على بدائل مجهولة قد تفتح الجبهة الشمالية على سيناريوهات فوضوية.
ويشير مسؤول إسرائيلي سابق في جهاز الأمن القومي، تحدث لروبرت وورث شريطة عدم الكشف عن هويته، إلى أن "الجميع في المنطقة كان مرتاحًا لوجود الأسد، لأنه ضعيف ولا يشكل تهديدًا حقيقيًا لأحد".
لسنوات طويلة، رأت إسرائيل في بشار الأسد امتدادًا لنمط حكم والده حافظ الأسد: نظام يرفع شعارات العداء لإسرائيل، لكنه يلتزم عمليًا بضبط الحدود في الجولان المحتل
غير أن الأسد، بحسب الرواية نفسها، أخطأ في قراءة هذا الإجماع الضمني واعتبره دليل قوة. وفي هذا السياق، نقل وورث عن ناشط سياسي سابق في حزب الله، كان يتواجد بكثرة في سوريا خلال تلك السنوات وفضّل عدم الكشف عن هويته خشية التداعيات، قوله: "كان بشار يعيش في عالم خيالي؛ الإيرانيون يحتاجونني، والروس ليس لديهم خيار. أنا الملك".
من الضبط إلى فقدان الثقة
غير أن هذه النظرة بدأت تتغير قرابة عام 2019، حين خلص مسؤولون أمنيون إسرائيليون إلى أن النظام السوري لم يعد مجرد نظام ضعيف، بل أصبح "هيكلًا فارغًا". فبحسب المسؤول الإسرائيلي السابق، بدأ القلق يتصاعد من أن الأسد لم يعد قادرًا حتى على لعب الدور التقليدي للعدو المنضبط، وأن هشاشته قد تقود إلى انهيار مفاجئ يفتح المجال أمام فوضى أمنية أو تمدد قوى أكثر عداءً لإسرائيل، وفي مقدمتها إيران وميليشياتها.
في هذا السياق، طُرحت داخل دوائر إسرائيلية – وأخرى في واشنطن – أفكار غير مسبوقة، من بينها تشجيع انقلاب داخلي ضد الأسد. إلا أن هذه المقترحات لم تتقدم، لأسباب تتعلق بطبيعة النظام نفسه الذي صُمم منذ عهد حافظ الأسد لمنع ظهور بدائل داخلية قادرة على الاستيلاء على السلطة.
إسرائيل بين إيران والأسد
رغم "العداء العلني"، استفادت إسرائيل عمليًا من بقاء الأسد، طالما سمح لها باستهداف الوجود الإيراني في سوريا من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع النظام. وقد عزّز الصمت شبه التام الذي التزمه الأسد إزاء مئات الضربات الجوية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية هذا الواقع، ورسّخ صورة نظام يفضّل البقاء على المواجهة.
لكن هذا "الصمت" نفسه بدأ يُقرأ في طهران على أنه تواطؤ أو عجز، خاصة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من تصعيد إسرائيلي واسع شمل سوريا ولبنان. ووفق شخصيات قريبة من "محور المقاومة"، فإن صمت الأسد غذّى شكوكًا إيرانية بأنه كان يزود الإسرائيليين بالمعلومات، وساهم ذلك في تفكك شبكة الدعم التي كانت تحميه.
سقوط غير متوقع … لكنه لم يُمنع
يشير تقرير "ذي أتلانتيك" إلى أنّه لم يكن أحد، لا في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ولا في جهاز الموساد الإسرائيلي، يتوقع سقوط نظام بشار الأسد بهذه السرعة. غير أنّ الأيام والأسابيع التي تلت الانهيار شهدت تبلور تفسير بات يحظى بقبول واسع؛ إذ انشغل الداعمان الرئيسيان للأسد، روسيا وإيران، في صراعات أخرى، في أوكرانيا ومع إسرائيل على التوالي، ما أفقدهما القدرة على الاستمرار في حمايته.
وقد كشف انسحابهما المفاجئ ما كان مكشوفًا منذ سنوات: هشاشة جيش منهك، وفاسد، وضعيف. وعلى غرار النظام الأفغاني المدعوم أميركيًا الذي انهار عام 2021، جاءت نهاية عائلة الأسد نتيجة تحولات جيوسياسية أوسع. وبعد وقوع الحدث، بدا سقوط النظام وكأنه مسار حتمي.
في النهاية، تكشف القصة كما يرويها وورث أن إسرائيل لم تسهم في إسقاط الأسد، لكنها أيضًا لم تعد ترى فيه شريكًا سلبيًا يمكن الاعتماد عليه لضبط المشهد. فسقوطه لم يكن نتيجة مؤامرة خارجية، بقدر ما كان حصيلة نظام استنفد وظيفته الإقليمية، وفقد ثقة حلفائه وخصومه على حد سواء.