سوريا بعد الأسد.. أرقام مروّعة ومجتمع منهك
4 يناير 2025
ثلاثة عشر عامًا من الحرب والقمع والتفكك الاجتماعي تركت ندوبًا لا تُمحى على سوريا وسكانها. مأساة بحجم هائل ستظل تكاليفها وخسائرها البشرية ممتدة عبر الأجيال. فمنذ اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد الدكتاتوري عام 2011، عاشت سوريا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
من الصعب تصور حجم المأساة التي حلّت بهذا البلد. أكثر من 300.000 شخص فقدوا حياتهم في الحرب التي شنها النظام على شعبه، بينهم حوالي 200.000 مدني و13.000 طفل بحسب تقديرات الأمم المتحدة. لكن رغم هذه الأرقام المروّعة، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن هذه الإحصائيات لا تعكس عمق الأزمة، فكل رقم يمثل حياة أُزهِقت، وأسرة دُمّرت، وعائلات كان من المفترض أن تستمر وتزدهر، لكنها انهارت.
في هذا السياق، تتجلى أكبر الخسائر في الجيل الذي حُرم من طفولته. في قلب هذه المأساة، يكمن الفقدان الذي لا يمكن تعويضه في الأرواح، لكن خلف هذه الأرقام المأساوية تختبئ صورة أكثر قسوة: جيل كامل من الأطفال والشباب حُرم من تعليمهم ومن فرصة بناء مستقبلهم.
إعادة إعمار سوريا تتطلب أكثر من مجرد بناء البنية التحتية، فهي تحتاج إلى تجديد التعليم، دعم الصحة النفسية وتعزيز المصالحة الاجتماعية
حتى عام 2024، أكثر من 2.5 مليون طفل سوري ما زالوا خارج المدرسة، فيما أصبح التعليم بالنسبة لهم مجرد حلم بعيد. لقد تحولت المدارس إلى أهداف للقصف، أو مراكز لإيواء النازحين، كما أن بعضها يفتقر إلى الموارد الأساسية لتقديم تعليم مناسب. هذا الجيل لم يعرف سوى الصراع والتشرد، حيث عاش في ظروف قاسية بالمخيمات، أو في ظل أسر تعاني من الجوع والمرض والكثير من الحزن والألم. في ظل هذه المأساة، لم تعد الحياة الطبيعية ممكنة ضمن النسيج الاجتماعي السوري.
وما يزيد الوضع تعقيدًا هو أن التعليم الذي كان يومًا حجر الزاوية في المجتمع السوري، أصبح في حالة انهيار كامل. بحلول عام 2015، قدرت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتعليم بين 101 و123 مليون دولار. أكثر من 18% من المدارس دُمرت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام. وبحسب تقارير "اليونيسيف"، فإن أكثر من 50% من الأطفال السوريين في سن الدراسة لا يذهبون إلى المدرسة في 2024، ما يعوق بناء جيل قادر على التعامل مع التحديات المستقبلية. أما بالنسبة للأطفال الذين ما زالوا في المدارس، فالوضع لا يقل سوءًا، حيث الفصول الدراسية مكتظة، والمعلمون يفتقرون إلى التدريب والموارد اللازمة.
وبينما يعاني الأطفال من هذه الصعوبات، تُعد أزمة النزوح واحدة من أعمق تداعيات الصراع السوري، حيث هُجّر أكثر من 14 مليون سوري من ديارهم، بينهم 6.7 مليون نازح داخليًا و5.6 مليون لاجئ في دول الجوار. تعتبر هذه الأزمة واحدة من أكبر وأطول حالات النزوح في التاريخ الحديث، ولها آثار نفسية وصحية كبيرة على الأطفال والأسر. العديد من هؤلاء اللاجئين يجدون أنفسهم عالقين في دول مثل لبنان وتركيا وألمانيا، حيث يعانون من صعوبات اقتصادية واجتماعية هائلة في محاولة للاندماج في مجتمعات جديدة بينما يفقدون هويتهم الثقافية ويشعرون بعدم الأمان.
أما بالنسبة للنازحين داخليًا، فإن الوضع لا يقل سوءًا. من بين 6.8 مليون نازح داخليًا في البلاد، يحتاج 5.3 مليون شخص إلى الدعم الإنساني، فالكثير منهم يعيش في مخيمات مؤقتة في ظروف غير إنسانية، حيث يفتقرون إلى المياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية والتعليم. وبينما قد تستعيد بعض المدن السورية بعض الاستقرار، فإن البنية التحتية مدمرة، والاقتصاد في حالة انهيار، مما يجعل العودة إلى حياة طبيعية أمرًا صعبًا للغاية.
📌 جرت أول مباحثات بين الديبلوماسية الأوروبية والسلطة الجديدة في #سوريا، في الـ16 كانون الأول/ديسمبر. مباحثات "أولية بناءة مع القيادة السورية الجديدة ومجموعات أخرى مختلفة، وكذلك المجتمع المدني"، بحسب ما علّقت به مفوضة السياسات الخارجية "كايا كالاس" قبل أن تعلن قرار الاتحاد… pic.twitter.com/NpAWEyz7mo
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) January 4, 2025
وفي وسط هذه المعاناة، تبرز واحدة من أفظع ممارسات القمع الذي تعرض له السوريين على أيدي النظام البائد: الإخفاء القسري. لا يزال أكثر من 120.000 شخص في عداد المفقودين، اعتقلوا في ظروف غامضة وتعرضوا للتعذيب أو القتل في سجون النظام الوحشية. عشرات الآلاف من العائلات ما زالت تبحث عن إجابات حول مصير أحبائها، دون معرفة مؤكدة عما إذا كانوا أحياء أم أموات. هذا الفقدان المستمر يجعل من الصعب على المجتمع السوري الشفاء من جراحه، حيث يظل البحث عن الأجوبة و العدالة يؤرق الأسر والأفراد.
ومع مرور الوقت، يزداد تفكك المجتمع السوري بشكل أكبر، ذلك أن الصراع لم يتسبب بخسائر بشرية فقط، بل أدى إلى تفكيك الشعب السوري على الأصعدة الاجتماعية والسياسية. كما أن العوامل الطائفية والإقليمية أصبحت أكثر وضوحًا، حيث زادت التحولات التي حدثت على الأرض من استقطاب المجموعات المختلفة، مع تزايد مشاعر العداء والشك، الأمر الذي أدى إلى تضاءل الثقة بين السوريين لدرجة أن بعضهم يجد صعوبة في إعادة بناء الروابط التي كانت تربط بينهم قبل الحرب.
هذا التشرذم لا يقتصر على الشعب فقط، بل شمل أيضًا الهجرة الجماعية للمختصين. الآلاف من المهندسين والمهندسات, الأطباء والطبيبات، المعلمين والمعلمات، العلماء والعالمات، الذين كان لهم دور أساسي في بناء المجتمع السوري قبل الحرب؛ أصبحوا مشتتين في مختلف أنحاء العالم. فمثلًا، ترك ما يقدر بنحو 30 ألف طبيب سوري من البلاد منذ بداية الصراع في عام 2011، وهذا يشكل تحديًا كبيرًا لإعادة بناء البلاد، حيث إن فقدان هذه الخبرات أثر بشكل مباشر على القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة.
في هذا السياق، لا يمكننا أن نغفل عن التكلفة النفسية المدمرة التي لحقت بالشعب السوري. الحرب لم تترك آثارها على الأطفال والبالغين فحسب، بل أحدثت تأثيرات نفسية عميقة. حوالي 50% من الأطفال السوريين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، في حين يعاني 40% من حالات الاكتئاب والقلق. تقدم المنظمات الإنسانية بعض الدعم النفسي، ولكن الموارد ما تزال محدودة، وتحتاج إلى دعم دولي أكبر للوصول إلى جميع الذين يحتاجون إليها. من هنا، أصبح من الواضح أن إعادة بناء سوريا تبدأ بالشفاء النفسي، الذي يعد خطوة أساسية نحو التقدم.
لا يزال أكثر من 120.000 شخص في عداد المفقودين، اعتقلوا في ظروف غامضة وتعرضوا للتعذيب أو القتل في سجون النظام الوحشية
ورغم كل ما مرّ به الشعب السوري من صعوبات، إلا أن هناك بصيص من الأمل في الأفق. بعد إسقاط النظام الدكتاتوري في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأ السوريون يشعرون ببعض الأمل مع بدء عودة النازحين إلى ديارهم، إذ عاد 30.000 شخص إلى مناطقهم في غضون أيام قليلة وأكثر من مليون نازح متوقع أن يعود في غضون 6 أشهر.
ومع وجود منظمات محلية ودولية تعمل بلا كلل على تقديم الدعم الإنساني، هناك خطوات أولية نحو إعادة بناء النسيج الاجتماعي والتعليم. ومع ذلك، فإن المرور بمرحلة الحداد هو ما سيعدّ من الخطوات الضرورية لاستعادة الذات، ومحاولة نسيان أن الأذى الجسدي والنفسي كان موجودًا حتى في أكثر المناطق المحيطة ألفتًا.
يمكن القول إن الألم السوري يعد شهادة على الفشل الدولي في تقديم الدعم لشعب انتفض ضد نظام استبدادي. لكن، رغم كل الصعوبات والتخاذل الدولي، تمكن الشعب السوري من تحقيق الانتصار في النهاية. ومع فرحة التحرر، يواجه الشعب تحديًا جديدًا: إعادة بناء ما دمرته الحرب. إن إعادة إعمار سوريا تتطلب أكثر من مجرد بناء البنية التحتية، فهي تحتاج إلى تجديد التعليم، دعم الصحة النفسية وتعزيز المصالحة الاجتماعية.
هذا هو الوقت لدعم الشعب السوري في محنته، وإنهاء الأزمة الإنسانية التي طال أمدها، والتي تعطل العملية والعدالة الانتقالية. في النهاية، إن تحقيق العدالة في سوريا ليس مجرد مسألة قانونية، بل هو مسألة إنسانية بالدرجة الأولى، حيث يتعين على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته لدعم هذه المساعي في إعادة بناء سوريا، ومساندة الشعب السوري.







