"شبح رأس المال يطارد واشنطن".. هل نعيش الطور الأخير من الرأسمالية الأميركية؟
11 مايو 2026
في عام 1867، نشر كارل ماركس المجلد الأول من كتابه "رأس المال"، مبشرًا خلاله بأن النظام الرأسمالي نظام مأزوم ويحمل في طياته جرثومة سقوطه وانهياره، ولذلك أسباب كثيرة أهمها أن الكتاب نفسه ولد من رحم العديد من الأزمات الاقتصادية الخانقة، فبينما كان ماركس يعيش منفيًا في لندن، راقب عن كثب الوجه القبيح والوحشي للثورة الصناعية، ورأى الثروات الهائلة وغير المعقولة تتراكم في أيدي قلة من أصحاب المصانع رؤوس الأموال، بينما يعيش ملايين العمال تحت خط الفقر.
إلا أن ما زاد من إلحاح ماركس لتفكيك هذا النظام هو الركود الاقتصادي الذي ضرب العالم عام 1857، أي في عز انتشاء العالم بالثورة الصناعية والآلات الحديثة وبداية ارتباط الاقتصاد العالمي ببعضه البعض، والذي جاء، كما هي العادة، بسبب انهيار شركة واحد فقط، شركة أوهايو الأميركية للتأمين، وانتشار البنوك غير القانونية، التي كانت تطبع النقود دون غطاء كاف من الذهب.
تؤكد المؤشرات الحالية أن النظام الرأسمالي دخل في دوامة الانحدار الجيوسياسي وتفكك الهيمنة، وتحديدًا فيما يخص سلاحه الأبرز، الدولار، ومنظومة البترودولار
ذلك الانهيار اعتبره ماركس دليلًا قاطعًا على هشاشة الرأسمالية وتناقضاتها، وبعيدًا عن التعقيدات الأكاديمية والمفاهيم الاقتصادية المعقدة، يمكن إيجاز ما قاله الفيلسوف الألماني في أن النظام الرأسمالي هو التطور الطبيعي لشخصية دراكولا، مصاص الدماء الشهير، بمعنى؟
أن دراكولا يعيش على امتصاص دماء الناس، والرأسمالي يعيش على امتصاص دماء العمال، ولكن كيف ذلك؟
من داخل النظرية
رأس المال جشع بالفطرة، يسرق جهد العمال لمراكمة الأرباح بشكل يفيض عن حاجة الرأسمالي نفسه، وبالتالي فالقوة المحركة للرأسمالية تكمن في استغلال العامل الذي يعتبر عمله غير المدفوع المصدر الأساسي لأرباح الرأسمالي الطائلة، أو ما سماه ماركس فائض القيمة، ما هو فائض القيمة؟
ببساطة شديدة، تخيل أن أرباح مصنع لإنتاج إطارات السيارات في ألمانيا هو 50 مليون دولار سنويًا، الإطارات تصنع من المطاط، والمطاط الطبيعي يستخرج من سيقان أشجار خاصة تنمو في البرازيل، والأشجار موجودة في الطبيعة دون تدخل بشري، ومن المفترض ألا يملكها أحد بعينه، أما أصحاب الأرض فهم المعنيون باستخدامها لما فيه الخير لهم كجماعة بشرية، ثم ماذا حدث؟
قرر هذا الرأسمالي الأوروبي الاستيلاء على هذه الأشجار عن طريق عمليات واسعة من النهب والغزو، ثم لم يكتفِ بذلك، فقرر استعباد أصحاب الأرض، وتشغيلهم في استخراج المطاط بالسخرة، وشحنه إلى مصانع ألمانيا، وذلك في ظروف عمل تقتل منهم الآلاف سنويًا، المطاط داخل الشجرة ليس له سعر، أما المطاط الخام فسعره 100 دولار، تلك الـ 100 دولار هي قيمة جهد العامل، وهي حقه بالكامل نتيجة عمله، أما الرأسمالي فيعطيه دولار واحد فقط، وباقي الـ 100 دولار؟ تذهب مباشرة لخزينة الرأسمالي.
وذلك هو ما سماه ماركس بفائض القيمة، أي الفرق بين ما ينتجه العامل فعليًا وبين الأجر الذي يتقاضاه، وهذا الأمر ليس حكرًا على العمال المطحونين في مزارع البرازيل فقط.
فحتى الموظف الأوروبي المحترم ذو البذلة النظيفة، والحذاء اللامع، والذي يعمل 8 ساعات يوميًا بتأمين صحي شامل، ويسكن في فيلا بحديقة صغيرة ومسبح في ضاحية من ضواحي برلين، لا يأخذ نظير عمله بالكامل أيضًا، وهناك فرق بين ما يتقاضاه وبين ما ينتجه، حيث أنه يحول المطاط الخام إلى إطار يباع بألف دولار مثلًا، ويصفي أرباح سنوية للمصنع تقدر بخمسين مليون دولار مثلًا، كلها نتيجة جهده وجهد باقي العمال والموظفين، ورغم ذلك لا يحصلون إلا على ربع مليون دولار فقط كرواتب سنوية، أما الباقي فيذهب مباشرة لحساب الرأسمالي، مالك المصنع، رغم أنه لم يشارك في العمل بشكل فعلي.
من وجهة نظر ماركس، فهذا الجشع الموجود لدى الطبقة الرأسمالية، والسعي المحموم لأصحاب المصانع لاستبدال البشر بالآلات لمضاعفة الأرباح، سيؤدي حتمًا إلى تراجع الأرباح بمرور الوقت، وخلق أزمات اقتصادية خانقة بسبب فيض الإنتاج من جهة، وعدم قدرة العمال، النسبة الأكبر من البشرية، على الشراء، وذلك لأن النظام نفسه مجبول على توسيع الهوة بين الطبقات، فالبرجوزاي يزداد غنى، والعامل يزداد فقرا كلما زاد الإنتاج.
وبناء على ذلك، فقد تنبأ بأن النظام، في أطواره المتأخرة، وللهروب من أزماته الداخلية، سيصل إلى مرحلة متناقضة تمامًا، تأكل الرأسمالية فيها نفسها بنفسها، وتدمر أسس بقائها لضمان نجاة المسيطرين على رأس المال ولو بشكل مؤقت، فهل وصل العالم إلى تلك النقطة فعلًا؟
سقوط اليد الخفية
ربما، خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية بدأت في التخلي عن نظرية السوق الحر، وتزامن ذلك مع دخولها، واسرائيل، رسميًا إلى مرحلة جديدة تعرف بـ "رأسمالية الإبادة"، حيث أصبحت إبادة البشر والطبيعة في غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريا، والشرق الأوسط السعيد، ضرورة اقتصادية للحفاظ على هوامش الربح المأزومة، لماذا مأزومة؟
لعدة أسباب أهمها النظام الاقتصادي نفسه، حيث إن النموذج النيوليبرالي يقوم بالأساس على فكرة أن السوق يصحح نفسه بنفسه، وهو الأمر الذي أطلق عليه الاقتصادي آدم سميث مصطلح "اليد الخفية"، ولذلك يقتصر دور الحكومات على المراقبة فقط، بينما تقوم الشركات بتصدير المصانع للخارج بحثًا عن العمالة الرخيصة، ويُترك السوق لتفاعلات رؤوس الأموال ودورانها حول بعضها البعض، القوي يأكل الضعيف، والضعيف لا يستطيع الفكاك من أنياب القوي، لأن القوي هو المسؤول عن رفاهية البشرية، والبقاء للأقوى.
إلا أن الأزمات المتتالية والتخبطات الاقتصادية وارتعاش يد الدول والحكومات أثبت خطأ هذه النظرية، يُقال في الأسطورة أن فراشة رفرفت بجناحيها في ألاسكا فصنعت إعصارا في الصين، وكذلك في النظام الرأسمالي، خطأ بسيط لشركة عقارات في نيويورك أدى لأزمة اقتصادية عالمية عام 2008، دفع ثمنها الضعفاء والفقراء والعمال، وليس التايكونات وأصحاب المليارات، فمن يملك 100 مليار دولار، لن يتغير نمط حياته إن خسر 10 مليار دولار، ولكن من راتبه 1000 دولار سيتأثر حتمًا إن خسر 100 دولار فقط.
ولذلك فالثقة العمياء في الأسواق هو بمثابة رمي للنفس في التهلكة، الغريب أن هذا ليس كلام ماركس، بل كلام مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، بنفسه، في خطابه أمام معهد بروكينغز، حيث قال إن أميركا بدأت في التخلي عن السوق الحر بالكامل، ليس خوفا على مصالح العمال بالطبع، ولكن لأن نقل سلاسل التوريد للخارج أفقد أميركا قدرتها الصناعية وجعلها تحت رحمة دول غير حليفة مثل الصين وروسيا على حد تعبيره.
وهو ما أكد عليه الاقتصادي داني رودريك في كتابه "مفارقة العولمة"، حيث قال إن العالم يواجه ثالوثًا يستحيل تطبيقه، فلا يمكن لأي دولة أن تجمع بين الديمقراطية، والسيادة الوطنية، والعولمة في آن واحد، ويجب التضحية بواحدة منها لضمان الحفاظ على الدولة، وقد أدركت واشنطن، بعد عقود من تفضيل العولمة والسوق الحر، أن الأسواق جردتها من سيادتها، مما دفع الحكومة إلى التدخل في الصناعة والتجارة باعتبارها ضرورة لحل إخفاقات السوق وحماية الأمن القومي، وذلك منذ عام 2008.
هذا التغير لم يحدث بشكل كامل، ولم يحدث إلا بعد أن عانت الولايات المتحدة من أزمات اقتصادية ليس لها مثيل، حيث أظهرت إحصائيات مكتب العمل الأميركي والبنك الاحتياطي الفيدرالي، أن العمالة في قطاع الصناعة تقلصت من حوالي 19.6 مليون عامل في عام 1979 إلى حوالي 12.6 مليون عامل بنهاية عام 2024، بانخفاض قدره 35%، وترافق ذلك مع انهيار مروع لحصة الصناعة الأميركية من الإنتاج العالمي، حيث أظهرت تقارير البنك المركزي الأوروبي في عام 2024، تقلص الدور الأميركي في الاقتصاد العالمي من 37% عام 1990 إلى 12% فقط بحلول عام 2020، فهل ينطبق الاستشراف الماركسي على الاقتصاد الأميركي في وقتنا الحالي؟
بحسب ما قاله الباحثان ديميتريس بايتاريديس وليفتيريس تسولفيديس في دراسة بعنوان "Revisiting the Estimations of the Rate of Profit for the US Economy: Does the Measure of Gross Capital Stock Matter؟"، فنبوءة ماركس دقيقة تمامًا، وتتحقق على أرض الواقع، حيث ينخفض معدل الربح في الولايات المتحدة بنسبة 0.32% سنويًا بين عامي 1950 و2022، كما وصل دين الأسر الأميركية إلى أكثر من 17 تريليون دولار، كما تخطت ديون الدولة ككل حاجز الـ 39 تريليون دولار في أوائل مايو 2026، بزيادة حوالي 20% عن الناتج المحلي الإجمالي.
ولكن ماذا عن استقرار الأرباح بعد عام 2008 وخلال جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية؟
لم يكن استقرارًا حقيقيًا ينم عن ثبات النظام الرأسمالي النيوليبرالي، بل استقرار يدل على فشل النظام الرأسمالي النيوليبرالي، وذلك لاعتماده على تدخل الدولة، حيث قفزت الإعانات الحكومية للشركات من 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019 إلى 3.3% في 2020، في محاولة من الدولة لإنقاذ النظام من السقوط.
وهو ما أكده الباحث ديفيد هارفي حيث قال إن الرأسمالية مأزومة لأن أكبر أزمة في الولايات المتحدة هي أزمة سكن العمال، فالرأسمالية تحتاج إلى عائلات مستقرة ماديًا لتوفير جيل جديد من العمال، ولكن لأنها نظام جشع وغير واعٍ، ولا ينظر إلى تحت قدميه، فهي بنفسها تدمر هذه القدرة عبر رفع أسعار السكن وتقليل الأجور لزيادة أرباح المضاربين، وعندما تنخفض معدلات الربح وتفشل الآليات السلمية لضبط الأسواق والأسعار، تبدأ رؤوس الأموال في زيادة الاستثمارات في أكثر شيء مربح لديها.
وبما أن أكثر شيء مربح هو المجمع الصناعي العسكري، كان من الطبيعي أن تبدأ أميركا في الانحدار لطورها الإبادي العنيف.
مصاصو الدماء
بحسب ما ذكره الباحث أوغنيان كاسابوف في ورقته المقدمة لمؤتمر "المادية التاريخية" في أثينا عام 2025، مستعيرًا مفهوم الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، إن إبادة غزة هي التعبير الأوضح عن الرأسمالية المارقة، التي تعامل البشر والطبيعة كأرقام يجب إبادتها لزيادة مبيعات السلاح وإنتاج فائض القيمة، ثم أضاف مستندًا إلى تحذير الفيلسوف إيمانويل كانط قبل 230 عامًا، أن التطبيع مع الإبادة في غزة يثبت نبوءة كانط بأن البشرية ستنتهي في مقبرة جماعية إذا ما تخلت عن كرامة الإنسان سعيًا وراء الثروة، خاصة مع تحول غزة إلى مختبر أميركي لتجريب السلاح وتقنيات القتل وتسويقها للعالم.
نفس الفكرة ذكرها الكاتب غلام محمد خان في مقال بعنوان "War’s Invisible Poor" حيث وصف المجمع الصناعي العسكري الأميركي بأنه رأس مال مصاص للدماء، يمتص دماء فقراء الجنوب العالمي لإشباع مساهميه، كما قال صراحة إن اليد الخفية لآدم سميث تحولت إلى قبضة محكمة، تقبض على صاروخ ذاهب لإذابة لحم الأطفال في غزة، لماذا؟ لأن أطفال غزة ولبنان وسوريا وسائر بلاد الشرق الأوسط، يُسعرون فعليًا بـ 0 دولار في ميزانيات شركات السلاح، بينما ترتفع قيمة الأسهم بفضل دماء نفس الأطفال.
والآن، مع هذا الكم من التناقضات والأزمات، هل ستنهار أميركا والرأسمالية كما تنبأ ماركس؟
المؤشرات الحالية تؤكد أن النظام دخل في دوامة الانحدار الجيوسياسي وتفكك الهيمنة، وتحديدًا فيما يخص سلاحه الأبرز، الدولار، ومنظومة البترودولار، كما ذكر الباحث ديفيد لوبين، من المعهد الملكي للشؤون الدولية، مستعيرًا مقولة الزعيم الصيني الماركسي ماو تسي تونغ إن "قوة العملة تنبع أيضًا من فوهة البندقية"، وبالتالي فهيمنة الدولار على العالم يرتبط عضويًا بالقوة العسكرية للولايات المتحدة.
وبما أن الولايات المتحدة أفرطت في سلاح العقوبات والتدمير والقتل، لدرجة أن رئيسها دونالد ترامب، أعلن صراحة عن نيته إبادة حضارة عمرها آلاف السنوات مثل الحضارة الإيرانية، إذن من الطبيعي أن تبدأ دول الجنوب العالمي في البحث الجدي عن بديل للدولار، للهروب من هذا الابتزاز الأميركي، الصهيوني، اليميني الإبادي.