صونيا.. عنقاء المسرح الجزائري
14 نوفمبر 2025
في ليلة قمرية بمدينة الميلية على ساحل ولاية جيجل شرق الجزائر، وتحديدًا في 31 تموز/يوليو 1953، وُلدت سكينة مكيو، المعروفة لاحقًا باسمها الفني "صونيا". نشأت في قسنطينة بعدما اصطحبها والدها لزيارة عمتها، التي طلبت منه أن تربيها، فترعرعت فعليًا في بيت عمتها هناك.
نشأت صونيا مكيو في بيئة طبيعية كبقية أبناء جيلها، ذلك الجيل الذي شهد تحولات تاريخية هامة، من حركات التحرر والاستقلال إلى مرحلة البناء والانفتاح على الريادة. ومع ذلك، ظل حلم المسرح – تمثيلًا وإخراجًا – يراودها، في وقت كانت تواجه فيه المرأة الجزائرية قيودًا اجتماعية وأخلاقية صارمة. ومن رحم تلك التحديات، بزغت صونيا متجاوزة كل العقبات، مصممة على الصمود وتحقيق حلمها، لتصبح رائدة المسرح النسوي في الجزائر وعميدة مهرجاناته، مقدمة نموذجًا للفن الملتزم والمرأة المثقفة المبدعة في مجتمع كان يبحث عن صوته وروحه الحرة.
هيمنة ذكورية على المسرح
إذا اعتُبر مطلع العشرينيات من القرن الماضي بداية انطلاق المسرح الجزائري الحديث، فإن هذه المرحلة وما تلاها تكشف عن واقع خاضع لهيمنة الرجل على جميع مفاصل الفن المسرحي، فقد سيطر الذكور على جميع عناصر الإنتاج المسرحي، مخرجين وممثلين ومساعدين، محافظين بذلك على صورة المجتمع وأدواره النمطية، في غياب شبه كامل للمرأة على تلك الساحة.
في تلك الفترة، وبينما كانت الجزائر تحت الاحتلال، فتحت البلاد أبوابها أمام العديد من الفرق المسرحية العربية، أبرزها فرقة المصري جورج أبيض، التي قدمت عروضًا في عدة مدن، شكّلت هذه الزيارة محطة مهمة في تاريخ المسرح الجزائري، لكنها لم تصحبها خطوة مقابلة تسمح بمشاركة المرأة بشكل فعلي على المسرح، وظلت الأعراف الاجتماعية تقيد دورها.
إذا اعتُبر مطلع العشرينيات من القرن الماضي بداية انطلاق المسرح الجزائري الحديث، فإن هذه المرحلة وما تلاها تكشف عن واقع خاضع لهيمنة الرجل على جميع مفاصل الفن المسرحي
طوال هذه العقود، لم يكن بإمكان المخرجين الجزائريين الاستعانة بالمرأة كمكمل أو كعنصر أساسي في العمل المسرحي، فكان الحل اللجوء إلى تأنيث أزياء وأصوات ممثلين رجال لأداء الأدوار النسائية، إذ لم يكن المجتمع المحافظ يسمح للمرأة بالظهور على الساحة إلا في حدود ضيقة تتوافق مع العادات والتقاليد، فأي ظهور لامرأة بزي عصري كان يُعدّ خرقًا للمعايير المقبولة، ويثير حفيظة الجمهور الذي ربط هذا الظهور بتقاليد الفرنسية، بما يعكس صراعًا بين التقاليد والحداثة في المجتمع الجزائري آنذاك.
بهذه الطريقة، سيطر الرجال على المشهد المسرحي لعقود، محافظين على الثوابت الاجتماعية والأدوار النمطية، واستمر هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين تقريبًا.
ومع مرور الوقت، بدأت المرأة الجزائرية تحبو تدريجيًا نحو اختراق هذا الجدار الذكوري الصلب، لتشق طريقها نحو المسرح كممثلة ومخرجة وكاتبة، مانحة بذلك المسرح الجزائري مرحلة جديدة أكثر انفتاحًا وشمولية، حيث صار للمرأة صوتها وإبداعها الخاص، وبدأت المساهمة الفعلية في تشكيل المشهد الفني والثقافي للجزائر الحديثة.
اختراق مبكر لعالم الفن
في تلك المرحلة بدأت المرأة الجزائرية تخترق مجال الفن المسرحي، رغم المعاناة والصعوبات التي واجهتها، فبدأ الرعيل الأول من الممثلات الجزائريات يفرض حضوره على الساحة الفنية. ومن أبرز هؤلاء المبدعات: عائشة عجّوري المعروفة باسم "كلثوم" (1916–2010)، وفريدة صابونجي (1930–2022)، ونورية قصدرلي (1921–2020)، اللواتي شكلن امتدادًا للفن الجزائري النسوي في مرحلة كانت الهيمنة الذكورية فيها طاغية.
ويُعد عام 1958 محطة فاصلة في مسار الثورة الفنية الجزائرية، حين تم تدشين الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، التي فتحت أبوابها لأول مرة أمام النابغات الجزائريات. فقد انضمت إلى الفريق الفنانتان رقية دري ومليكة إبراهيمي، في مقابل خمسة عشر عضوًا من الرجال. ورغم الفارق العددي الكبير بين الرجال والنساء، مثلت هذه الخطوة بداية عهد جديد للمسرح النسوي الجزائري، إذ فتحت المجال أمام مشاركة المرأة بشكل متزايد في الحياة الفنية بعد فترة طويلة من الإقصاء.
ثم جاء عام 1964 لتأسيس مدرسة الفن المسرحي، التي ستصبح لاحقًا معهدًا وطنيًا عاليًا للفن المسرحي، مما أتاح للمرأة الجزائرية الفرصة لدراسة التمثيل وممارسته بشكل أكاديمي ومنهجي. وفي هذا السياق، قررت صونيا مكيو أن تكسر القيود الأسرية والاجتماعية، وتضع أولى خطواتها على طريق حلمها الفني، وذلك عام 1973، حينها كان عمرها لا يتجاوز 17 عامًا.
يستشهد الشاعر والروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة بحديث صونيا، التي وجدت نفسها مضطرة للاختيار بين الانصياع لرغبات أسرتها أو المضي قدمًا في مسارها الفني، قائلة: "كان دوري جماليًا ونضاليًا في الوقت نفسه، فقد كنتُ مطالبة بأن أُكوِّن نفسي مسرحيًا من خلال الدراسة والممارسة والاحتكاك.، لم أشأ أن يستمدّ حضوري مصداقيته من أنوثتي فقط، بل أردت أن أُعطي انطباعًا للمحيط العام بأني امرأة سويّة ومحترمة وذات أصول، حتى تتشكّل حالة من التقبّل الاجتماعي لوجود المرأة في الفضاء الفني".
ويربط الروائي الجزائري هذا التقدم الجزئي في الحضور النسائي في الفضاء العام بسياسات التعليم الإلزامي للإناث التي تبنتها حكومة الاستقلال، إضافة إلى انتشار الثقافة التلفزيونية بين مختلف فئات المجتمع، بعد أن كانت محدودة خلال الحقبة الاستعمارية، ما ساهم في تعزيز مشاركة المرأة في الفنون والأداء المسرحي خلال العقدين التاليين للاستقلال عام 1962.
ولا يخفى أنه خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، شهد المسرح الجزائري إقبالًا متزايدًا للوجوه النسوية على العروض الفردية، خاصة في مجال المونودراما، ومن أبرز هؤلاء الفنانات: دليلة حليلو، صونيا مكيو، سعاد غجاتي، وهيبة باعلي، مفيدة عدّاس، وفتيحة طاهري، وقد أصبح هذا الخيار المسرحي حديثًا عالميًا، مع تنظيم تظاهرات دولية له في مدينة وادي سوف، مؤكدًا أن المرأة صارت قوة فاعلة لا غنى عنها في المسرح الجزائري الحديث.
مسيرة فنية حافلة
على مدار مسيرة فنية امتدت لما يقارب أربعة عقود، تركت صونيا مكيو بصمة واضحة في المشهد المسرحي الجزائري، من خلال مشاركتها في أكثر من خمسين مسرحية، إضافة إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية بارزة مثل "قالوا لعرب قالوا"، و"بابور غرق"، و«العيطة»، ومونودرام "فاطمة"، الذي مثل محطة مهمة في مسارها الفني.
عملت مكيو إلى جانب مجموعة من أعلام المسرح الجزائري، من بينهم عزالدين مجوبي، عبد القادر علولة، سيد أحمد أقومي، محمد بن قطاف، زياني الشريف عياد، والطيب صديقي، في عدد كبير من الأعمال المسرحية، ما جعلها جزءًا من نسيج المسرح الوطني الذي تجاوز حدود الأداء الفردي ليصبح تجربة جماعية.
خلال العشرية السوداء، رفضت مكيو الهجرة أو الابتعاد عن المشهد المحلي، مؤمنةً بدور المسرح كمرآة للمجتمع وفضاء للتعبير عن المأساة الوطنية، ومن أبرز أعمالها في هذه المرحلة، مسرحية "حضرية والحواس" لمصطفى عياد، التي تناولت الظروف القاسية التي عاشها الجزائريون خلال السنوات العصيبة، وقدمت شرحًا حيًا للوضع الاجتماعي والسياسي الذي ضرب البلاد، حيث فقد المسرح الكثير من عمالقته، لتظل هذه المسرحية إلى جانب "الصرخة" من العروض المرموقة التي سجلت الحدث الثقافي الوطني في تلك الفترة.
ولم يقتصر دور صونيا على التمثيل فقط، بل امتد إلى الإخراج المسرحي، حيث قدّمت أعمالًا بارزة مثل مسرحية "الجميلات"، من إنتاج المسرح المحلي عزالدين مجوبي في عنابة، والتي سلطت الضوء على حياة نضالية لأبرز الشخصيات النسائية المقاومات، مثل جميلة بوحيرد، فضيلة سعدان، وحسيبة بن بوعلي، اللواتي كرسن حياتهن للدفاع عن القضية الوطنية ومقاومة الاستعمار الفرنسي، مقدمات نموذجًا لفن ملتزم يجمع بين الجمالية والإيمان بالقيم الوطنية.
بهذه الأعمال، ترسخت مكانة صونيا مكيو كواحدة من أعمدة المسرح الجزائري، ليس فقط لموهبتها الفنية، بل أيضًا لتفانيها في الدفاع عن المسرح كفضاء للذاكرة الوطنية والوعي الاجتماعي، وحفاظها على حضور المرأة في قلب التجربة المسرحية الجزائرية، حتى في أصعب الظروف..
الفاجومي – مكيو.. عنوان للتلاحم المصري الجزائري
شكلت علاقة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم بالنجمة الجزائرية صونيا مكيو تجربة فريدة من نوعها، جسدت عمق التلاحم الاجتماعي والسياسي بين مصر والجزائر في فترة حساسة من تاريخ المنطقة.
فقد حط نجم في الجزائر خلال الثمانينيات، التي اعتبرها "قلعة للثوار"، ليصبح شعره ملتقى للكلمة الثائرة، حيث حوله رفيق نضاله، الملحن والمغني الشيخ إمام عيسى، إلى أغانٍ سياسية تجاوزت أحيانًا قوة السلاح في تأثيرها على الرأي العام.
احتضنت الجزائر الشاعر بعد خروجه من السجون المصرية، وفتحت له فضاءً واسعًا للتواصل مع المثقفين والأوساط الثقافية، ليصبح حضور نجم قويًا بين الشباب وطلاب الجامعات الذين عشقوا أشعاره ورددوا بأصواتهم الحماسية أغانيه الثورية، ما جعله رمزًا للكلمة الحرة في تلك المرحلة.
واحتفظ نجم، المعروف بلقب الفاجومي، بذكريات جميلة عن إقامته في الجزائر، حيث كوّن صداقات عديدة في الوسط الثقافي والفني، وساعده زواجه من صونيا على توثيق علاقة عميقة بين النضال الشخصي والفني، مبرزًا تلازم القضية الثقافية بالقضية الوطنية.
على مدار مسيرة فنية امتدت لما يقارب أربعة عقود، تركت صونيا مكيو بصمة واضحة في المشهد المسرحي الجزائري، من خلال مشاركتها في أكثر من خمسين مسرحية، إضافة إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية بارزة
وعبر نجم عن تعلقه بالجزائر في أكثر من مناسبة، حيث قال في إحداها إن: "للجزائر في وجداني وقع خاص، فهي قطعة من قلبي ولي فيها ذكريات رائعة لا تُنسى"، وعند عودته إليها عام 2009 بعد ربع قرن من الغياب، وصف اللقاء بأنه "ولادة جديدة"، مضيفًا: "كأنني خارج للتو من المعتقل، وأتوجه إلى حضن من أحب بشوق كبير"
وظلت علاقة الفاجومي بالجزائر قوية حتى بعد رحيله، حيث نعاه عدد كبير من المثقفين الجزائريين من أدباء وممثلين ومسرحيين، معبرين عن تأثرهم بفقدان "شخصية ملتزمة من هذا الحجم"، التي ناضلت طوال حياتها من أجل الكرامة والكلمة الحرة.
أيقونة المسرح الجزائري
على مدار مسيرتها الفنية الحافلة، تقلدت صونيا مناصب قيادية أكدت مكانتها كأيقونة في المسرح الجزائري، فقد شغلت من عام 2001 حتى 2003 منصب مديرة المعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن تتولى إدارة مسرح سكيكدة الجهوي ومسرح عنابة الجهوي، مؤكدة بذلك حضورها المؤثر في المؤسسات الثقافية والفنية الوطنية.
وفي عام 2012، أسّست المهرجان الوطني للمسرح النسوي، لتكون رئيسته لأربع دورات متتالية، ما مكّنها من ترسيخ حضور المرأة في المشهد المسرحي الجزائري، قبل أن تنهي مسيرتها العملية بتقاعدها عام 2016، تاركة خلفها إرثًا فنيًا وثقافيًا خالدًا.
وفي الثالث عشر من أيار/مايو 2018، ودّعت صونيا الحياة عن عمر ناهز 64 عامًا، بعد صراع طويل مع مرض عضال، وشيعت جنازتها في مقبرة دالي إبراهيم، وسط حزن كبير من الوسط الفني والثقافي الذي فقد إحدى أعمدته المضيئة.
ولتوثيق مسيرتها ودورها الريادي في تطوير المسرح النسوي الجزائري، بادرت الكاتبة جميلة مصطفى الزقاي إلى إصدار كتابها عام 2019 بعنوان "صونيا: عنقاء المسرح" عن دار الوطن اليوم، لتظل ذكراها خالدة، وتجسد إرثًا فنيًا وثقافيًا يرفع راية المسرح الجزائري ويخلد اسم فقيدته التي أضاءت خشبته لسنوات طويلة.






