طهران وواشنطن في المنطقة الرمادية.. لا اتفاق ولا حرب
16 مايو 2026
تبرز مجموعة من المؤشرات المتناقضة التي تخيم على الوضع الراهن بين أميركا وإيران، بين وجود بوادر لاتفاق محتمل، مقابل مؤشرات أخرى تدل على احتمالية العودة إلى القتال من جديد، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيش تداعيات الحرب الأخيرة بين الطرفين، وما رافقها من إغلاق لمضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة عالميًأ. وبينما تتحدث واشنطن وطهران عن إمكانية مواصلة المحادثات وإيجاد مخرج للأزمة، تتواصل في المقابل الاستعدادات العسكرية والتلويح بخيارات التصعيد.
مؤشرات التهدئة بين طهران وواشنطن
فيما يتعلق بدلالات التهدئة والاتفاق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه لا يمانع أن تعلّق إيران برنامجها النووي لمدة 20 عامًا، لكن يجب أن يكون هناك التزام "حقيقي" من طهران.
وأضاف، في تصريح آخر، أنه يدرس رفع العقوبات عن الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني، وأنه سيتخذ قرارًا في هذا الشأن قريبًا.
ومن شأن هذين الأمرين تخفيف عقدتين مهمتين في العلاقة بين الطرفين، ويمكن قراءة تصريح ترامب على أنه يشكل مدخلًا نحو تسوية للبرنامج النووي الإيراني، بعدما كان يؤكد في تصريحاته السابقة ضرورة منع إيران من التخصيب وتفكيك منشآتها النووية الرئيسية الثلاث: فوردو ونطنز وأصفهان.
وقد توافق إيران على تعليق التخصيب لمدة محددة، كونها وافقت سابقًا في اتفاق عام 2015 على تعليقه لمدة 15 عامًا.
يمكن قراءة تصريح ترامب على أنه يشكل مدخلًا نحو تسوية للبرنامج النووي الإيراني، بعدما كان يؤكد في تصريحاته السابقة ضرورة منع إيران من التخصيب وتفكيك منشآتها النووية الرئيسية الثلاث
أما النقطة الثانية، فإن السماح لإيران بتصدير النفط إلى الصين يعني عمليًا تخفيف الحصار الذي تفرضه القوات الأميركية على الموانئ الإيرانية، لأن إيران تصدر ما يقارب 90 بالمئة من نفطها إلى الصين، ما يعني أن طهران لن تبقى محاصرة في أهم منتج تصدّره.
وكان فك الحصار الأميركي عن إيران يُعد بالنسبة إلى طهران أحد الشروط الأساسية للعودة إلى طاولة المفاوضات.
ومن جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران تلقت رسائل من الولايات المتحدة تشير إلى أن واشنطن مستعدة لمواصلة المحادثات والتواصل.
لكنه أشار إلى أن طهران "لا تثق" في الولايات المتحدة، وأنها ليست مهتمة بالتفاوض إلا إذا كانت واشنطن جادة، في وقت وصلت فيه محادثات إنهاء الحرب إلى حالة من الجمود.
وكانت إيران قد أغلقت المضيق منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها في 28 شباط/فبراير، بعدما كان يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية.
وفي سياق مؤشرات تخفيف الضغوط، أعلنت وزارة الحرب الأميركية "البنتاغون" عودة حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد"، التي كانت تتمركز في المنطقة ضمن إطار الحرب مع إيران، بعد مهمة استمرت 11 شهرًا بمشاركة نحو 4500 بحار.
وتُعد مهمة الحاملة الأطول لحاملة طائرات أميركية خلال نصف قرن، إذ أمضت 326 يومًا في البحر، وشاركت في عمليات عدة، بينها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
مؤشرات التصعيد والعودة إلى الحرب
ومن جهة أخرى، قال ترامب إن صبره تجاه إيران أوشك على النفاد، وإنه "لن أصبر أكثر من ذلك... عليهم التوصل إلى اتفاق".
ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أن مساعدي الرئيس ترامب أعدّوا خططًا للعودة إلى الضربات العسكرية ضد إيران، في حال قرر الرئيس كسر حالة الجمود الحالية عبر تصعيد القصف.
وأضافت الصحيفة، نقلًا عن مساعدين لترامب، أن الرئيس لم يتخذ بعد قرارًا نهائيًا بشأن خطواته المقبلة تجاه إيران، فيما أكد مسؤولون أميركيون أن الخيارات المطروحة تشمل حملات قصف أكثر شدة تستهدف مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة مباشرة بعمليات الحرس الثوري الإيراني.
وتشمل الخطط المطروحة إمكانية استخدام قوات خاصة لمحاولة السيطرة على جزيرة خرج، أو تنفيذ عمليات داخل إيران لاستهداف مواد نووية مدفونة تحت الأرض.
وأشار المسؤولون إلى أن أي سيطرة على جزيرة خرج ستتطلب نشر قوات برية للاحتفاظ بها، في حين أقرّ مسؤولون عسكريون خلال جلسات خاصة بأن تحقيق نصر حاسم في إيران قد يكون مهمة صعبة.
ويتقاطع ذلك مع ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن مسؤولين إسرائيليين بشأن وجود حالة تأهب تحسبًا لاستئناف الحرب على إيران، في ظل عدم وضوح ما إذا كان ترامب سيأمر بالعودة إلى المواجهة أم مواصلة المحادثات.
وأشارت الصحيفة إلى أن الضربات المحتملة قد تستهدف البنية التحتية، مثل الجسور ومنشآت الطاقة الإيرانية، إضافة إلى احتمال تنفيذ عملية برية، مع تأكيدها أن هذا الخيار لا يزال الأقل ترجيحًا حتى الآن.
أما ترامب، ولدى سؤاله عن الاستحواذ على اليورانيوم المخصب من إيران، قلّل من أهمية ذلك، معتبرًا أنه "ليس ضروريًا إلا من وجهة نظر العلاقات العامة".
مضيق هرمز.. العقدة الأبرز
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، وهو أحد أبرز نقاط الخلاف بين إيران وأميركا ومختلف الدول، تسعى إيران إلى فرض سيطرة مباشرة عليه وفرض رسوم على الملاحة، فيما تدفع الأطراف الأخرى باتجاه إبقاء حرية الملاحة قائمة دون رسوم أو قيود.
وفي هذا الإطار، أعلن التلفزيون الإيراني أن بحرية الحرس الثوري سمحت لمزيد من السفن بالمرور عبر مضيق هرمز، بموجب بروتوكولات قانونية وضعتها طهران.
وشرح التلفزيون الإيراني أن مزيدًا من السفن بات بإمكانه المرور عبر المضيق بالتنسيق مع القوات البحرية التابعة للحرس الثوري.
من جهتها، قالت وكالة "فارس" الإيرانية، نقلًا عن وثيقة حصلت عليها، إن وزارة الاقتصاد الإيرانية تعمل على خطة تهدف إلى "إتاحة إدارة مضيق هرمز عبر نظام التأمين"، بما يمنح طهران القدرة على إدارة المضيق.
وبحسب الخطة، ستتمكن إيران من تحقيق إشراف معلوماتي وتمييز حركة عبور السفن التابعة للدول المختلفة.
وفي المقابل، يجري تداول مسودة مشروع تقدمه أميركا ودول خليجية ويحظى بدعم دولي داخل الأمم المتحدة بشأن حرية الملاحة في المضيق.
ويطالب مشروع القرار إيران بوقف الهجمات وعدم زرع ألغام في المضيق، فيما لم يتضح بعد موعد التصويت عليه، وسط احتمال استخدام روسيا والصين حق النقض "الفيتو" ضد المشروع، كما حدث مع مشروع سابق قدمته البحرين.
ويعزز احتمال استخدام الفيتو ما أعلنه سفير الصين لدى الأمم المتحدة فو كونغ، اليوم الجمعة، إذ انتقد مشروع القرار، قائلًا إن فحواه وتوقيته "غير مناسبين"، وإن إقراره "لن يكون مفيدًا".