عبد المطلب القيسي.. رسالة فردية تعبّر عن الغضب الجماعي
19 سبتمبر 2025
تحوّل اسم عبد المطلب القيسي، ابن منطقة الظهير في مرج الحمام غرب عمّان، إلى عنوان بارز في الأخبار بعد أن نفذ عملية إطلاق نار على معبر الكرامة أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين، قبل أن يلقى حتفه برصاص الاحتلال.
لم يكن الرجل المولود عام 1968 ناشطًا سياسيًا ولا عضوًا في أي تنظيم، بل كان سائق شاحنات عاديًا، عُرف بين زملائه في قطاع الشحن بكنية "أبو عيسى". لكن مساره في الأشهر الأخيرة حمل إشارات إلى تحوّل داخلي، فقد ترك عمله التجاري قبل ثلاثة أشهر وتفرغ لنقل المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر الكرامة، في خطوة رأى فيها أقرباؤه انعكاسًا لحس وطني وإنساني متأصل.
تحدثت عائلته بحزن ممزوج بالفخر، مؤكدة أنه لم يُظهر أي نية مسبقة لتنفيذ العملية، ولم يبح بما كان يخطط له. وصفوه بالرجل المتدين، الملتزم، الطيب الذي لا يبحث عن بطولة شخصية، لكنه كان يعتبر أن السكوت على ما يجري في غزة خيانة للأمة.
قال أحد أقاربه إن عبد المطلب حمل هم فلسطين في قلبه، وكان يرى أن الصمت العربي أمام المجازر المتواصلة شراكة في الجريمة.
حين تغيب العدالة وتستمر الإبادة في غزة بلا رادع، يجد الأفراد العاديون أنفسهم مضطرين لتوجيه رسالة واضحة، هي أن الغضب لم يعد قابلًا للاحتواء
الوصية التي تركها بخط يده كشفت عن وعي يتجاوز اللحظة؛ إذ كتب أن الجرائم في غزة "ستكون يومًا في بلداننا ضد نسائنا وأطفالنا"، محذرًا من أن الصمت سيجعل الأمة شريكًا في مشروع "إسرائيل الكبرى". سجّل موقفه "أمام الله والتاريخ"، معلنًا التحاقه بوصية الشهيد الأردني ماهر الجازي الذي نفذ عملية مماثلة قبل عام على المعبر نفسه. هذه الكلمات أكدت أن فعله لم يكن اندفاعًا عابرًا بل خلاصة قناعة تبلورت على مدى سنوات، وقرار شخصي رأى فيه معنى الوفاء لدماء الشهداء.
جاءت ردود الفعل على العملية متباينة. الاحتلال الإسرائيلي سارع إلى تعليق إدخال المساعدات عبر الأردن، وأوصى رئيس أركانه بوقف الشاحنات القادمة من عمّان حتى استكمال التحقيق وتشديد إجراءات فحص السائقين.
فيما أعلنت وزارة الخارجية الأردنية اسمه رسميًا، وأكدت أن الحادث "يمثل خرقًا للقانون ويعرض مصالح المملكة وعمليات إدخال المساعدات للخطر"، في محاولة للفصل بين موقف الدولة وخطوة أحد أبنائها.
في المقابل، زفت قبيلة بني قيس ابنها "شهيدًا بطلًا"، ورأت في ما قام به ردًا طبيعيًا على ما وصفته بالغطرسة الإسرائيلية ومجازر غزة.
في الخلفية، كانت غزة تنزف. أكثر من 65 ألف شهيد و165 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، فيما يعيش أكثر من مليوني إنسان في نزوح ودمار ومجاعة.
لم يكن ما فعله عبد المطلب القيسي عند معبر الكرامة مجرد قرار لرجلٍ أردني عادي، بل حمل إشارات واضحة إلى حجم الغضب الذي يتراكم في المنطقة مع استمرار الحرب على غزة، لا سيما أن العالم يرى المجازر ويصمت، ومجلس الأمن يشلّه الفيتو الأميركي، ومع تعرض القطاع لاجتياح واسع ونزوح جماعيً، تصبح المبادرات الفردية لغة بديلة للتعبير السياسي.
ما قام به عبد المطلب القيسي ليس مجرد فعل فردي، بل نتيجة طبيعية لانسداد الأفق السياسي وصمت المجتمع الدولي. وحين تغيب العدالة وتستمر الإبادة في غزة بلا رادع، يجد الأفراد العاديون أنفسهم مضطرين لتوجيه رسالة واضحة، هي أن الغضب لم يعد قابلًا للاحتواء.







