عدن المخنوقة بالمعسكرات تبحث عن حياة مدنية
20 يناير 2026
على مساحة لا تتجاوز 750 كيلومترًا مربعًا، أي كامل الرقعة الجغرافية للعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تتوزع معسكرات وتشكيلات عسكرية عدة داخل أحياء مكتظة بالسكان. تحولت عدن، التي تُعد من أكثر محافظات اليمن مدنية وتنوعًا، إلى فضاء مثقل بالسلاح والتوتر، حيث يدفع المواطنون ثمن عسكرة يومية تصل إلى تفاصيل حياتهم البسيطة.
مواطنون تحت الخوف
في هذا السياق، تشكو المواطنة أم ليلى المقيمة في مديرية خور مكسر من حالة القلق الأمني بسبب وجود أحد المعسكرات. وتقول لموقع "الترا صوت" إن "هذا المعسكر في حيها أصبح مصدر قلق دائم لا أمان".
وتضيف: "خلال السنوات الأخيرة، أصبحت أرافق أطفالي إلى المدرسة ذهابًا وإيابًا، وحتى شراء حاجيات البيت صرت أتحمله وحدي خوفًا على سلامتهم في ظل غياب الأمن واتساع دائرة القلق".
تستعيد أم ليلى ذكريات الحرب التي شهدتها مدينة عدن جنوب اليمن عام 2015، حين دارت مواجهات عسكرية أثناء اقتحام قوات الحوثي للمدينة. وتشير إلى أنها لم تتمكن من النزوح من حيها إلى حي أسرتها في قلب مدينة كريتر، الذي يضم معسكرًا آخر، وترى أن الوضع اليوم لا يقل خطورة في ظل تواجد المعسكرات داخل الأحياء وسط توتر أمني وعسكري مستمر.
لا يختلف حال أم ليلى كثيرًا عن سمير، مالك ورشة صغيرة في مدينة عدن، الذي يشكو من أن أي توتر أمني ينعكس مباشرة على لقمة عيشه. ويقول في حديثه لـ"الترا صوت" إن "التوترات الأمنية منذ سنوات عادة ما تعطل أعمالهم وتعيق تحركات المواطنين".
وأبدى سمير تفاؤله بالحديث الآن عن إخراج المعسكرات من مدينة عدن مع الإبقاء على الأجهزة الأمنية، معتبرًا أن هذه الخطوة ستعيد الاستقرار والحياة للمدينة.
معسكرات في قلب الأحياء
تتقاسم مدينة عدن، رغم صغر مساحتها، عددًا من المعسكرات والمواقع العسكرية التابعة لتشكيلات متعددة الولاءات والمهام. ففي مديرية خور مكسر، يتواجد معسكران؛ الأول هو معسكر "بدر" بالقرب من مطار عدن، والثاني معسكر "صولبان" شمال المطار.
وفي مديرية التواهي يتمركز معسكر القوات البحرية والدفاع الساحلي، فيما يقع معسكر "عشرين" في قلب مديرية كريتر، ويُعد من أكثر المعسكرات التصاقًا بالأحياء السكنية.
كما تضم المدينة مواقع عسكرية إضافية، بينها اللواء 31 مدرع، وجبل حديد الذي يحتوي على مخازن أسلحة وذخائر، إلى جانب معسكر داخل مصنع الغزل والنسيج. وتشمل هذه المواقع أيضًا معسكرات استُحدثت بعد عام 2015، مثل معسكر "الحزام الأمني" التابع للمجلس الانتقالي في مدينة الشعب، ومعسكر قوات التحالف على خط مديرية البريقة.
عسكرة المدن أرهقت المواطنين
يرى الناشط المجتمعي من عدن أحمد حميدان أن مطلب إخراج المعسكرات من المدينة يُعد مطلبًا شعبيًا قديمًا، رفعه أبناء العاصمة المؤقتة خلال السنوات الماضية في العديد من البيانات والاحتجاجات، بهدف إنهاء عسكرة المدينة وإعادتها إلى طبيعتها المفتوحة أمام الحياة المدنية.
ويقول حميدان لموقع "الترا صوت" إن هذه المطالب قوبلت خلال الأعوام الماضية بالرفض من قبل القوات المسيطرة على الأرض، بل وواجهت المطالبين بإخلاء المدينة من المعسكرات باتهامات مباشرة، وصلت في بعض الحالات إلى اعتقال عدد من الناشطين. ويؤكد أن مدينة عدن كانت تُدار بالقوة العسكرية، ولم يكن مسموحًا بخروجها عن تلك القبضة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المدنيين.
ويشير حميدان إلى أن التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة التي شهدتها محافظات جنوب وشرق اليمن أدت إلى انهيار المنظومة العسكرية التي كانت تفرض واقعًا قاسيًا على المواطنين، موضحًا أن بعض المعسكرات بدأت بالفعل بالانسحاب، وسط تداول معلومات عن تحويل مواقعها إلى متنفسات عامة ومرافق خدمية.
ويطرح حميدان تساؤلات حول طبيعة القوات الأمنية التي ستتولى تأمين مدينة عدن بعد خروج المعسكرات، محذرًا من إعادة إنتاج النفوذ لقوى جديدة تحت مسمى فرض الأمن. ويطالب بإنشاء أجهزة أمنية من أبناء عدن، ومعالجة الشروخ الاجتماعية التي خلفتها سنوات الصراع، بما يعيد الأمن والقانون والعدالة، بعيدًا عن العنصرية والعسكرة والتجاذبات السياسية التي عمّقت الانقسام داخل المجتمع.
الوحدات القتالية على حساب الأمن المدني
بدوره، يرى الصحفي والمراقب السياسي من عدن صلاح السقلدي أن عسكرة العاصمة المؤقتة عدن لم تكن حدثًا استثنائيًا، بل امتدادًا لواقع تعيشه العديد من عواصم المحافظات اليمنية. ويشير في حديثه لـ "الترا صوت" إلى أن انتشار الوحدات القتالية العسكرية داخل المدن جاء على حساب الدور الطبيعي للأجهزة الأمنية والمدنية.
قرار قديم بوجه جديد
يؤكد المراقب السياسي صلاح السقلدي أن قرار إخراج المعسكرات من مدينة عدن ليس جديدًا، وإن كان قد طفا على السطح بقوة في الآونة الأخيرة، بل سبقته قرارات مماثلة، أبرزها في عام 2006 حين صدر قرار قضائي بإخلاء المدن من المعسكرات، ومدنية عدن تحديدًا، ونقلها إلى خارج النطاق الحضري، إلا أن تلك القرارات بقيت حتى اليوم حبرًا على ورق.
ويطالب السقلدي بمساعٍ جادة لإخراج المعسكرات، على أن تشمل جميع الوحدات القتالية دون انتقائية أو استهداف لطرف بعينه، وأن تتحول مواقعها إلى منشآت ومتنفسات عامة تخدم المواطنين، لا إلى مناطق نفوذ جديدة. ويبيّن أن إخراج المعسكرات من قلب المدن يُعد مطلبًا شعبيًا قبل أن يكون رغبة رسمية.
ويستحضر السقلدي مأساة هذه المعسكرات من خلال حادثة انفجار مخازن الذخيرة في جبل حديد بعد حرب صيف عام 1994، قائلًا إنها كانت "لحظات رعب ومآسٍ، حيث تطايرت القذائف إلى داخل الأحياء السكنية، مخلفة قتلى وجرحى وحالة هلع واسعة بين السكان".
عدن أمام إعادة ترتيب المشهد الأمني
في هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية العميد عبدالرحمن الربيعي إن ما يجري في العاصمة المؤقتة عدن كان متوقعًا، عقب الأحداث التي شهدتها محافظة حضرموت، وهو ما جعل من عدن الهدف التالي ضمن مسار إعادة ترتيب المشهد الأمني.
ويقول الربيعي في حديثه لموقع "الترا صوت": "لا يمكن أن تستقر العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أو أن تعود الحكومة لممارسة عملها منها، في ظل وجود قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، كانت جزءًا من مسار انقلابي قاده عيدروس الزبيدي، ولا ترتبط بالشرعية، وتشكل تهديدًا مباشرًا لعمل الحكومة".
ويضيف أن الترتيبات الأمنية الجارية تقوم على أساس خروج القوات التابعة للمجلس الانتقالي من عدن باتجاه مسارات عملياتية أخرى، مرجحًا أن تكون نحو الضالع ويافع، مقابل إحلال قوات بديلة تتمثل في ألوية مختارة من قوات "درع الوطن" وقوات "الحماية الرئاسية"، وربما جزء من قوات" العمالقة"، بحيث تظل العاصمة المؤقتة خاضعة لتشكيلات نظامية محددة وغير مهددة للاستقرار، فيما سيتم احتواء قوات الانتقالي خارج العاصمة لا داخلها.
ويؤكد الربيعي أن عملية تأمين مدينة عدن وإخراج القوات غير النظامية تتطلب وقتًا وبصيرة سياسية، وتُدار بحذر لتجنب أي احتكاك أو مواجهة، لافتًا إلى وجود مؤشرات على بدء مغادرة بعض الوحدات، ضمن إجراءات تقودها الشرعية والتحالف العربي لإخراجها بسلاسة وتأمين المدينة.
مساعٍ رسمية لإخراج المعسكرات
أعلن تحالف دعم الشرعية اليمنية عن تنسيق مشترك بين التحالف الذي تقوده السعودية والجهات المعنية في اليمن، لإخراج كافة المعسكرات والتشكيلات العسكرية من داخل العاصمة المؤقتة عدن. وأكد مستشار قائد القوات المشتركة لتحالف "دعم الشرعية" ، اللواء فلاح الشهراني، أن "عملية إخراج المعسكرات من مدينة عدن تأتي ضمن خطة زمنية محددة تُنفذ على ثلاث مراحل، وبالتنسيق مع القيادات المحلية والعسكرية، بهدف إعادة تموضع القوات خارج المدن".
وأوضح الشهراني، خلال لقائه عددًا من الصحفيين، الأحد، في عدن، أن "مهمة تأمين المدينة ستُوكل إلى جهاز أمني محلي بطابع مدني، سيتم دعمه بآليات ومعدات تتناسب مع طبيعة المدينة، على أن تُحوَّل مواقع المعسكرات الحالية إلى منشآت مدنية تخضع لإدارة السلطة المحلية".
وفي ظل هذا الواقع، ومع الحديث عن استكمال الترتيبات الأمنية وتشكيل حكومة جديدة تزاول مهامها من داخل اليمن، تتجدد آمال السكان بعودة الحياة المدنية المسلوبة، وانتهاء زمن عسكرة العاصمة المؤقتة عدن وبقية المدن الرئيسية، على أمل أن تتحول هذه الوعود، هذه المرة، إلى واقع ملموس.