عشرون عامًا لتكتمل النبوءة.. أميركا تخوض حروب إسرائيل
17 مارس 2026
ظهر شيخ مدرسة الواقعية السياسية جون ميرشايمر في حوار مع الصحفي ماكس بلومنتال، رئيس تحرير موقع "The Grayzone"، بمناسبة مرور عشرين عامًا على صدور كتابه التأسيسيّ "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، الذي كتبه بالاشتراك مع زميله ستيفن والت.
ما من مفاجأة في ظهور ميرشايمر، فالرجل كثير الظهور أصلًا، ويظلّ على الرغم من تقدمه في السنّ مصرًا على التعليق على الأحداث السياسية بعقل نقدي مسنود بموقف أخلاقي شديد الصلابة.
وحين يظهر ليتحدث عن كتاب قديم في خضّم حرب دائرة، لا يبدو الأمر مجرد استعادة لأطروحةٍ أكاديمية أثارت عاصفة فكرية بسبب مسّها لأكبر المحرّمات السياسية الأميركية، لكنّ الحروب التي تأتي لتكسر المحرمات تُرغمنا على أن نعيد النظر في أفكار نخالها قرّت واستقرت في صيغة نهائية، ولم يعد من الممكن مراجعتها.
وتقتضي الأمانة القول إن حرب الإبادة في غزة هي التي أعادت طرح السؤال الخطير حول نفوذ اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية. ودفعت عددًا متزايدًا للتفكير في قضية هذا اللوبي والكتابة فيها، حتى إن المؤرخ الإسرائيلي الشهير إيلان بابه انضم إلى هذا النقاش، وقدم مداخلة كبيرة في آخر كتبه "Lobbying for Zionism on Both Sides of the Atlantic".
وفي سياقنا الحالي، سياق الحرب التي يجد كثير من المراقبين صعوبة بالغة في تفسير دوافعها من زاوية المصلحة الأميركية، يعود سؤال قديم ليطرح نفسه من جديد وعلى نطاق واسع: "من فيهما يقود الآخر: إسرائيل أم الولايات المتحدة؟".
لن يجيب ميرشايمر عن هذا السؤال بالتبسيط الذي يتوقعه المؤمنون بنظريات المؤامرة من نوع "إسرائيل تقود أميركا"، ولا بالتفسير السائد في التيار السياسي المستقر في واشنطن، والمعروف بميله إلى التقليل من شأن نفوذ اللوبي الإسرائيلي، أو تجاهل تأثيره. ما يقوله في المقابلة معقد ومزعج، فالمسألة تتعلق بوجود بنية نفوذ سياسية تجعل أمن إسرائيل يتقدم كثيرًا على الحسابات التقليدية للمصلحة القومية الأميركية.
لئن أخطأ توماس كروكس جمجمة ترامب في بتلر، بولاية بنسلفانيا، فإن إسرائيل لم تخطئ طريقها إلى رأس الرئيس
تتجاوز أطروحة الكتاب الأساسية جميع التفسيرات التآمرية والعرقية السطحية، لتقدم فهمًا هيكليًا للوبي الإسرائيلي، ليس بوصفه تنظيمًا سريًا غامضًا على طريقة الروايات القوطية، أو حكرًا على فئة دينية محددة، لكن باعتباره ائتلافًا سياسيًا علنيًا وشرعيًا، يضم بين صفوفه فاعلين متعددي الخلفيات، من الجماعات اليهودية إلى المسيحيين الصهاينة والمحافظين الجدد، وكل ما يوحّدهم هو أجندة التأثير في توجهات السياسة الأميركية بما يخدم مصلحة وأمن ولقاء إسرائيل لا غير.
تكمن فاعلية اللوبي الإسرائيلية في قدرته على الضغط داخل الكونغرس والإدارة عبر أدوات تقليدية مثل التمويل السياسي وشبكات المصالح من جهة، ومن خلال القدرة على رسم حدود الخطاب العام في الإعلام والأوساط الأكاديمية، حيث يصبح نقد سياسات إسرائيل شديد الكلفة سياسيًا ومهنيًا من جهة ثانية.
وضمن هذا السياق، لا تُفرض السياسات بشكل مباشر، إنما تتشكل بشكل يبدو طبيعيًا داخل بيئة سياسية ميّالة إلى ترجيح الرؤية الإسرائيلية، بحكم هذا النفوذ، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تبني خيارات ليست على انسجام كامل مع الحسابات الاستراتيجية الأميركية.
ولتوضيح فكرته يستشهد ميرشايمر باعتراف السيناتور ليندسي غراهام بأنه كان يساعد نتنياهو في إقناع ترامب بشن حرب على إيران. تتجاوز أهمية الواقعة شخص غراهام إلى الكشف عن الدور الذي تلعبه شخصيات أميركية مرتبطة بهذا اللوبي في دفع دولتهم نحو سياسات لا تخدم مصلحتها.
ليست علاقة أميركا وإسرائيل مجرد تحالف تقليدي بين قوة عظمى وحليف صغير، إنما هي علاقة يمكن أن تؤثر الحليف الصغير في الحليف القوي، وبهذا الفهم ستبدو الحرب اختبارًا عمليًا لهذه الفكرة. فمن زاوية المصلحة الأميركية قرار الحرب غريب إلى أبعد الحدود، فهي تستنزف الموارد العسكرية الأميركية في الوقت الذي تعلن فيه أن خصمها الاستراتيجي الحقيقي هو الصين، كما أنها تنذر بأزمة طاقة عالمية قد تدفع الاقتصاد الدولي نحو كساد واسع إذا استمرت الحركة مُعطلةً في مضيق هرمز.
إجابة ميرشايمر اليوم هي إجابته المتشكلة أمس: من دفع نحو هذه الحرب الائتلاف المؤيد لإسرائيل داخل واشنطن.
لا تتعلق المسألة بالدفاع عن إسرائيل، بل بدفع الولايات المتحدة إلى تبني استراتيجيات صيغت وفق الحسابات الأمنية الإسرائيلية. والآن في حالة إيران، فإنه يرى أن الهدف الإسرائيلي في تحطيم قدرة إيران كقوة إقليمية قادرة على تحدي التفوق الإسرائيلي أكبر من قدرة إسرائيل وحدها، ولهذا جاء هذا السعي إلى إشراك القوة العسكرية الأميركية.
يضيف ماكس بلومنتال، الصحفي والمحاور في الطرف الآخر من المقابلة، عبر تحقيق نشره قبل أيام، تفصيلًا حول الآلية التي جرى فيها هذا التوريط.
ينشغل بلومنتال في فهم كيفية تحوّل بنية النفوذ هذه إلى أفعال مباشرة، قادت إلى توريط الولايات المتحدة في هذه الحرب. وتكمن فكرته هنا في أن التأثير لم يقتصر على أدوات الضغط والمصالح وغيرها، بل امتد للتفاعل مع أطراف داخل مؤسسات الأمن القومي الأميركي، وعلى رأسها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، الذي راح يستثمر في نقطة ضعف ترامب الكبرى: الاغتيال.
ويعرض التحقيق، بدقة ومنهجية، عملية تضخيم تقارير ربطت إيران بمحاولات الاغتيال التي تعرض لها ترامب، ولا سيما حادثة إطلاق النار في بتلر، بولاية بنسلفانيا، رغم أن المنفذ كان أميركيًا دوافعه هي إشعال حرب أهلية.
ومن بين الأمثلة التي يسوقها، قضية الباكستاني آصف ميرشنت، التي بدت عملية استدراج أدارها عملاء على صلة بمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، أكثر من كونها تهديدًا مرتبطًا بإيران.
وبتكرار هذه السرديات، جرى ترسيخ تصور لدى ترامب بأنه هدف دائم لعمليات اغتيال من قبل الحرس الثوري الإيراني، وهو ما انعكس حتى في سلوك حملته الأمنية، حين يراح يموّه في تنقلاته بالطائرة.
بهذا المعنى، لا يظهر الاندفاع نحو الحرب بوصفه قرارًا استراتيجيًا عقلانيًا بل استجابةً للخوف من التهديد الشخصي، وهو ما لخّصه ترامب نفسه بتصريحه عقب مقتل خامنئي: "نلتُ منه قبل أن ينال مني".
وهنا تتقاطع رواية بلومنتال مع أطروحة ميرشايمر ووالت، حيث يصبح السرد الصحفي تطبيقًا لفهم السياقات الفكرية.
إذا كانت النظرية السياسية هي الهيكل فالمقال سرد لما يحدث داخل الهيكل، لأنّ ما يكشفه التحقيق يأخذنا إلى نمط أكثر تركيبًا من الدسائس السياسية في الكونغرس ومكاتب أجهزة الأمن، حيث نعاين كيف تجري آلية تشكيل بيئة إدراكية لصانع القرار، تدفعه إلى رؤية العالم من زاوية واحدة، تختلط فيها الحسابات الاستراتيجية بالمخاوف الشخصية.
في المحصلة، ليست أطروحة كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية" سوى محاولة لفهم الحصيلة التي وصلت إليها هذه البنية من النفوذ من هيمنة على مركز القرار، ومع الحرب الجارية يتضح أن المؤلفَين اللذين فحصا الأرقام وقرآ البيانات والوثائق قد صارا يقرآن، مثلما نفعل جميعنا الآن، النتائج المأساوية لهذا الائتلاف على أرض الواقع.
فلنختم بالجملة المحورية التي ختم بها بلومنتال: "لئن أخطأ توماس كروكس جمجمة ترامب في بتلر، بولاية بنسلفانيا، فإن إسرائيل لم تخطئ طريقها إلى رأس الرئيس".