علاج السودانيات في مصر يشعل الجدل.. ماذا وراء حملة الهجوم على مستشفى "بهية"؟
11 أغسطس 2026
في الوقت الذي تعاني فيه الدولة المصرية من أزمات متلاحقة، كفيلة باحتكار حديث المصريين واهتمامهم، طفت على السطح معركة جدلية جديدة سرعان ما سحبت البساط من تحت أقدام الجميع، عقب الكشف عن علاج بعض النساء السودانيات المصابات بسرطان الثدي داخل مستشفى "بهية" الخيري، الذي يعتمد في الأساس على التبرعات.
وتعرض مستشفى "بهية" لعلاج سرطان الثدي بالمجان لهجوم حاد، تحت شعار "علاج غير المصريات من أموال التبرعات"، ما دفع إدارة المستشفى إلى إصدار بيان أكدت فيه أن أموال التبرعات مخصصة فقط لعلاج المصريات، وأن علاج غير المصريات يتم وفق بروتوكولات خاصة، بعيدًا عن أموال التبرعات، وهو ما زاد من حدة الجدل وفجّر حالة من الانقسام المجتمعي.
وجددت الواقعة الجدل في الشارع المصري مرة أخرى حول أحقية مؤسسات المجتمع المدني في إنفاق ما يرد إليها من تبرعات لدعم المحتاجين وعلاج المرضى من اللاجئين والوافدين، لتنقسم الآراء بين داعم لحق هذه الفئات في الحصول على الرعاية الصحية المجانية، وبين رافض لذلك، على أساس أن تقديم تلك الخدمات قد يحرم منها بعض المصريين الذين هم في أمسّ الحاجة إليها.
وبحسب التقديرات الرسمية، تستضيف مصر نحو 10 ملايين وافد أجنبي، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، تُقدَّر تكلفة استضافتهم على الدولة بأكثر من 10 مليارات دولار سنويًا، وبين الحين والآخر، تثار حول وجودهم حملات هجوم واسعة تخلق حالة من الجدل المجتمعي، قبل أن تهدأ سريعًا وينتهي الأمر بالإبقاء على الوضع كما هو عليه.
حملة إلكترونية ممنهجة
شهدت منصات التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الماضيين، نشاطًا إلكترونيًا منسقًا استهدف مستشفى "بهية"، عقب الإعلان عن شراكة بين المستشفى والسفارة السودانية في القاهرة، بهدف تسهيل حصول السودانيات المقيمات في مصر على خدمات الكشف المبكر والعلاج.
ورصدت منصة "صحيح مصر" هذا النشاط بصورة مكثفة خلال الساعات الماضية، إذ تصدرت الحملة المنسقة على منصة "إكس" وسوم تحمل دعوات إلى وقف التبرعات المقدمة للمستشفى، من بينها: #لا_تبرعات_لبهية_السودانية و#أوقفوا_التبرع_لبهية، كما أعادت الحملة تداول وسوم قديمة تتضمن خطابًا معاديًا للاجئين وللمؤسسات المصرية التي تقدم لهم الخدمات، من بينها مؤسسة "حياة كريمة"، مثل: #مقاطعة_حياة_كريمة و#ترحيل_اللاجئين_مطلب_شعبي.
شهدت منصات التواصل نشاطًا منسقًا استهدف مستشفى "بهية" عقب إعلان شراكتها مع السفارة السودانية لتسهيل خدمات الكشف المبكر والعلاج للسودانيات في مصر
وينسب عدد من الحسابات المشاركة في هذه الحملات نفسها إلى ما يُعرف بتيار "الكمايتة"، وهو مصطلح ظهر حديثًا على منصات التواصل الاجتماعي في مصر لوصف تيار أو مجموعة من الأشخاص الذين يركزون بصورة لافتة على الهوية المصرية القديمة، ويرفض بعضهم ربط الهوية المصرية بالانتماء العربي. ويُشتق الاسم من كلمة "كيميت" (Kemet)، التي تعني "الأرض السوداء"، وهو أحد الأسماء التاريخية التي أطلقت على مصر القديمة.
"بهية" ترد
وردًا على الحملة الممنهجة، أصدرت مؤسسة "بهية" بيانًا تفصيليًا أوضحت فيه أن "التبرعات المقدمة من الأفراد والمؤسسات المصرية يتم توجيهها لعلاج السيدات المصريات، وفقًا للأغراض المخصصة لها والضوابط المنظمة لعمل المؤسسة".
وأضافت المؤسسة أن خبرتها الممتدة في علاج سرطان الثدي أسهمت في إنشاء قسم "العلاج الاقتصادي"، الذي يقدم خدمات علاجية لمريضات سرطان الثدي من المصريات القادرات على تحمل تكلفة العلاج، وكذلك لغير المصريات اللاتي يفضلن تلقي العلاج داخل مستشفيات "بهية"، لما تتمتع به من خبرات طبية، فضلًا عن تطبيق أحدث البروتوكولات العلاجية المعتمدة في علاج سرطان الثدي.
وأوضحت أن خدمات العلاج الاقتصادي تُقدم من خلال بروتوكولات تعاون مع عدد من الجهات والسفارات، تتولى بموجبها تلك الجهات تحمل تكاليف علاج الحالات المستفيدة، مشددة على وجود فصل كامل ومستقل بين هذا القسم وبين الخدمات التي تقدمها المؤسسة في إطار نشاطها الخيري، وكذلك بينه وبين أموال التبرعات المخصصة لعلاج السيدات المصريات غير القادرات.
خدمة صحية مميزة
تُعد مستشفى «بهية» واحدة من أبرز المستشفيات الخيرية في مصر المتخصصة في تقديم الخدمات العلاجية لمصابات سرطان الثدي، وتحظى بإقبال واسع نظرًا إلى جودة الخدمات الطبية التي تقدمها، وهو ما جعلها وجهة موثوقة للمصابات بالمرض، من المصريات وغير المصريات.
من جانبه، قال الدكتور ماهر حسن، رئيس قسم جراحة الثدي بمستشفى "بهية"، إن متوسط عدد العمليات التي تُجرى يوميًا في المستشفى يتراوح بين 12 و16 عملية، تنفذها ثلاثة فرق طبية، وأضاف أن الفريق الطبي يضم 13 استشاريًا، و21 أخصائيًا، و17 نائبًا، فيما تعمل الفرق الثلاثة على مدار اليوم، وتابع: "نجري من 60 إلى 80 جراحة أسبوعيًا، بما يعادل نحو 290 إلى 300 جراحة شهريًا"، مشيرًا إلى أن التدخل الجراحي يمثل أحد المحاور المهمة في التعامل مع مرض السرطان.
وكانت "بهية" قد أشارت، في بيانها، إلى أنها نجحت على مدار 11 عامًا في علاج أكثر من 284 ألف سيدة، إلى جانب استقبال وخدمة أكثر من 314 ألف سيدة من خلال وحدات الكشف المبكر، فضلًا عن المساهمة في رفع الوعي بأهمية الكشف المبكر لدى أكثر من مليوني سيدة في مختلف محافظات مصر.
ليست المرة الأولى
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتجدد فيها الجدل حول أحقية مؤسسات المجتمع المدني المصرية في تقديم خدماتها للوافدين المقيمين في مصر، لا سيما المؤسسات التي تعتمد في جانب كبير من عملها على تبرعات المصريين، إذ شهد هذا الملف تجارب سابقة عديدة حولته إلى ظاهرة تستحق الدراسة والنقاش.
وكانت أحدث تلك التجارب ما تعرضت له مؤسسة "حياة كريمة"، وهي مؤسسة خيرية غير هادفة للربح، بعدما واجهت حملات مشابهة على خلفية تقديم الدعم لبعض أسر اللاجئين والوافدين، واضطرت المؤسسة حينها إلى إصدار بيان، في نيسان/أبريل الماضي، أوضحت فيه أن تمويل البرامج الموجهة للاجئين يعتمد على منح مخصصة لهذا الغرض، وليس على أموال التبرعات، مؤكدة أن "أموال تبرعات المصريين بالكامل موجهة حصرًا لدعم الأسر المصرية".
العلاج حق مكفول للجميع
من جانبه، انتقد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أحمد بدوي، تلك الحملات الممنهجة، مؤكدًا أن العلاج "حق أصيل مكفول للجميع دون تمييز، بحكم الاتفاقات الدولية"، مضيفًا أن "الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي لا تعبّر دائمًا عن الواقع، فبعضها قد يكون موجهًا، فيما قد يكون بعضها الآخر انعكاسًا للأعباء والضغوط الاقتصادية، وشعور بعض المواطنين بأن اللاجئين ينافسونهم على الخدمات والموارد".
فجّرت الحملة التي تعرضت لها مستشفى "بهية" موجة غضب واسعة في الشارع المصري، إذ انتفض كثيرون دفاعًا عن حق الوافدين، بمختلف جنسياتهم، في تلقي العلاج داخل مصر، وبالمجان متى توافرت الإمكانات لذلك
ويتفق معه في هذا الرأي المحامي والحقوقي عامر سعد الدين، الذي يرى أن القانون الدولي يقر بالحق في الحصول على الرعاية الصحية للجميع دون تمييز، لافتًا إلى أن منظمة الصحة العالمية تتبنى المبدأ ذاته، إذ تؤكد أن اللاجئين والمهاجرين يتمتعون بالحق في الصحة بغض النظر عن وضعهم المتعلق بالهجرة، وأنه ينبغي إتاحة الخدمات الصحية لهم بصورة عادلة، ودون تمييز على أساس الجنسية أو العرق أو الدين أو غيرها من الاعتبارات.
ويضيف سعد الدين، في حديثه لـ"الترا صوت"، أنه رغم وجود فارق قانوني مهم بين الحق في الوصول إلى الرعاية الصحية دون تمييز، وبين القول إن لكل شخص حقًا مطلقًا في الحصول على جميع أنواع العلاج مجانًا أو على نفقة مؤسسة خيرية بعينها، فإن الوضع في حالة مستشفى "بهية"، ومن قبلها مؤسسة "حياة كريمة"، يختلف من وجهة نظره.
ويوضح أن الاستفادة من الخدمات تظل متاحة للجميع ما لم يضع المتبرع شرطًا أو ضابطًا يقضي بتخصيص تبرعه لفئة أو جنسية بعينها، فضلًا عن وجود أقسام وبرامج أخرى تعتمد على التمويلات الخارجية وبرامج الدعم المؤسسي الدولي، وتكون موجهة في الأساس إلى الوافدين والمهاجرين واللاجئين.
ضد الابتزاز.. غضب شعبي
فجّرت الحملة التي تعرضت لها مستشفى "بهية" موجة غضب واسعة في الشارع المصري، إذ انتفض كثيرون دفاعًا عن حق الوافدين، بمختلف جنسياتهم، في تلقي العلاج داخل مصر، وبالمجان متى توافرت الإمكانات لذلك، متهمين القائمين على تلك الحملة بتبني خطاب عنصري وإقصائي.
ويستند المدافعون عن هذا الموقف إلى شقين رئيسيين؛ أولهما قيمة الدولة المصرية ومكانتها التاريخية، باعتبارها، على مدار مئات السنين، واحدة من أبرز الحواضن لمختلف الشعوب والأعراق، ولطالما مدت يد العون والمساعدة إلى كثير من الشعوب في أوقات الأزمات والمحن.
أما الشق الثاني، فيرتبط بالبعد الإنساني ومعاناة الوافدين أنفسهم، وما واجهوه من أزمات وصراعات وحروب اندلعت في بلدانهم ودفعت كثيرًا منهم إلى مغادرتها قسرًا، ومن ثم يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه ليس من الإنسانية تحميل هؤلاء أعباء إضافية، أو استهدافهم بحملات تتضمن خطابًا عنصريًا أو تحريضيًا، بعدما تحملوا بالفعل تداعيات قاسية أجبرتهم على ترك أوطانهم.
ومن بين المواقف التي لاقت زخمًا واسعًا، موقف رائد الأعمال أحمد صقر، الذي روى، في مقال مطول نشره عبر حسابه على "فيسبوك"، تجربة علاج والدته داخل مستشفى "بهية"، مشيرًا إلى أن المستشفى لا يفرق في بروتوكولات العلاج بين مصرية وغير مصرية، أو بين من تتلقى العلاج على نفقتها الخاصة ومن تحصل عليه مجانًا، معربًا عن تقديره لهذه السياسة.
وردًا على ما وصفه بـ"محاولات ابتزاز المستشفى عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشعارات الوطنية وأموال المتبرعين للمصريين"، أعلن صقر تخصيص جزء من أرباح شركاته لعلاج المصابات غير المصريات المقيمات في مصر مجانًا، إلى جانب تخصيص مبلغ محدد لهذا الغرض، حتى لا تتحول هؤلاء المريضات، بحسب تعبيره، إلى ضحايا لمثل هذه الحملات.