على الرغم من حربها على إيران.. واشنطن تخفف العقوبات على النفط الروسي والإيراني
21 مارس 2026
في خطوة وُصفت بأنها "إطلاق النار على القدم"، قرّرت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تعليق بعض العقوبات المفروضة على النفط الإيراني لمدة 30 يومًا، وذلك بعد إجراء مماثل شمل النفط الروسي، في محاولة للحد من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن هذا الإجراء سيسمح بضخ نحو 140 مليون برميل من النفط إلى الأسواق العالمية، مبرّرًا ذلك بأنه قد يساهم في تخفيف الضغوط على إمدادات الطاقة.
ضغوط اقتصادية وانتخابية تدفع القرار
ويأتي هذا القرار في ظل ارتفاع أسعار النفط بنحو 50%، لتتجاوز 110 دولارات للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، ما يثير مخاوف من تداعيات سلبية على الاقتصاد الأميركي، خصوصًا مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني/نوفمبر، حيث يسعى الجمهوريون للحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس.
غير أن هذا التوجّه أثار مخاوف من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى دعم المجهود الحربي الإيراني.
ويُعدّ هذا ثالث تعليق مؤقت للعقوبات خلال نحو أسبوعين، بعد خطوات مماثلة شملت النفط الروسي، إذ أصدرت الولايات المتحدة، الخميس، ترخيصًا عامًا جديدًا ليحلّ محل إعفاء سابق من العقوبات المفروضة على بيع النفط الخام والمنتجات البترولية الروسية المنشأ، والمحملة على ناقلات النفط اعتبارًا من 12 من آذار/مارس، وذلك وفقًا لوزارة الخزانة الأميركية.
وينتهي سريان الترخيص الجديد في 11 من نيسان/أبريل، ليحلّ محل إعفاء مماثل لمدة 30 يومًا صدر في 12 من آذار/مارس.
قرارات تخدم إيران وروسيا
أثار إعفاء موسكو قلقًا أوروبيًا متزايدًا، في وقت تسعى فيه دول الاتحاد الأوروبي إلى تشديد العقوبات على موسكو لإضعاف قدرتها على مواصلة الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ أربع سنوات.
وبحسب تقديرات محللين، فإن ارتفاع أسعار النفط يمنح موسكو عائدات إضافية تُقدّر بنحو 150 مليون دولار يوميًا.
وحذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن خطوة الإعفاء قد توفّر لروسيا نحو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب.
وفي السياق، يأتي الإجراء الثالث عبر ترخيص منفصل يسمح ببيع النفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية المحمّلة على السفن.
ومع تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، فإن هذا الإعفاء قد يمنح إيران عائدات تُقدّر بنحو 14 مليار دولار، استنادًا إلى إمكانية ضخ نحو 140 مليون برميل في الأسواق.
السوق يفرض شروطه
لكن ما يبدو تناقضًا في هذا القرار لا يمكن فهمه فقط من زاوية الحسابات السياسية الصرفة، إذ إن السماح بدخول النفط الإيراني إلى السوق، في ذروة المواجهة العسكرية معه، لا يعكس تراجعًا في الموقف الأميركي بقدر ما يكشف حدود القدرة على الجمع بين الحرب وضبط السوق في آنٍ واحد.
فمع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وتعطّل جزء من الإمدادات العالمية، لم يعد خيار الاستمرار في تشديد العقوبات من دون ضخ بدائل واقعيًا، إذ باتت السوق نفسها تفرض إيقاعها على القرار السياسي.
وهنا، ضمن هذا السياق الجديد، تتحوّل العقوبات من كونها أداة ضغط استراتيجية على إيران إلى أداة لامتصاص الضغط عن الولايات المتحدة.
الهند والنفط الإيراني
وأشارت تقديرات شركة "إنرجي أسبكتس" في 19 من آذار/مارس إلى وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، وهو ما يعادل أقل من 14 يومًا من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.
وقال متعاملون لوكالة "رويترز"، اليوم السبت، إن المصافي الهندية تخطّط لاستئناف شراء النفط الإيراني، في حين تدرس شركات تكرير في مناطق أخرى من آسيا اتخاذ خطوة مماثلة، بعد أن خفّفت واشنطن العقوبات مؤقتًا لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وأضافت ثلاثة مصادر في قطاع التكرير الهندي أن المصافي تعتزم شراء النفط الإيراني، بانتظار توجيهات حكومية وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.
مع تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، فإن هذا الإعفاء قد يمنح إيران عائدات تُقدّر بنحو 14 مليار دولار، استنادًا إلى إمكانية ضخ نحو 140 مليون برميل في الأسواق.
واشنطن: استخدام النفط الإيراني لخفض الأسعار
وبرّر بيسنت أن الترخيص مؤقّت وقصير الأجل، ويقتصر على النفط الموجود بالفعل قيد النقل، ولا يسمح بأي عمليات شراء أو إنتاج جديدة. وأضاف أن إيران ستواجه صعوبة في الوصول إلى أي عائدات ناتجة عن هذه المبيعات، في حين ستواصل الولايات المتحدة سياسة "الضغط الأقصى" على طهران، بما يشمل تقييد قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الدولي.
وبحسب الترخيص، يمكن استيراد النفط الإيراني إلى الولايات المتحدة عند الحاجة لإتمام عمليات البيع أو التسليم، علمًا أن واشنطن لم تستورد فعليًا النفط الإيراني منذ فرض العقوبات عقب الثورة الإيرانية عام 1979.
ورغم ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان النفط الإيراني سيدخل فعليًا إلى السوق الأميركية، في ظل استثناء دول ومناطق مثل كوبا وكوريا الشمالية وشبه جزيرة القرم من هذا الإجراء.
مصداقية العقوبات
في المقابل، يطرح القرار الأميركي تساؤلات واسعة حول كلفته الاستراتيجية، إذ يرى مراقبون أنه يُضعف مصداقية منظومة العقوبات التي لطالما استخدمتها واشنطن كأداة ضغط رئيسية، عبر تحويلها إلى أداة ظرفية مرتبطة بتقلبات السوق والاعتبارات السياسية الداخلية.
وبحسب تقديرات محللين، فإن الإعفاء المؤقت، رغم تقديمه كإجراء محدود، قد يتيح لإيران تحقيق عائدات مالية إضافية في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع استمرار الحرب، وهو ما يتناقض مع الخطاب الأميركي المعلن بشأن السعي إلى إضعاف طهران وتقليص قدرتها على التمويل.
وفي السياق نفسه، قد تفتح هذه الخطوة الباب أمام إعادة إدماج النفط الإيراني تدريجيًا في السوق العالمية، بما يمنح طهران هامشًا أوسع للمناورة الاقتصادية. كما يرى مراقبون أن القرار يبعث بإشارات متضاربة إلى الحلفاء، خصوصًا الأوروبيين، في ظل مساعيهم لتشديد العقوبات على موسكو، ما قد ينعكس سلبًا على تماسك جبهة الضغط الغربية، ويعزّز الانطباع بأن السياسة الأميركية تُدار بردود فعل قصيرة المدى، أكثر من كونها جزءًا من استراتيجية متماسكة طويلة الأجل.
الصين المستفيد الأكبر
ويأتي القرار في ظل تصاعد التوترات في قطاع الطاقة، حيث تعرّضت منشآت حيوية في إيران وفلسطين المحتلة ودول الخليج لهجمات، في حين أغلقت إيران فعليًا مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.
ومن المتوقع أن تستفيد الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني، من هذا القرار، إذ قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الإمدادات قد تصل إلى آسيا خلال ثلاثة أو أربعة أيام، على أن تدخل السوق بعد تكريرها خلال فترة تتراوح بين شهر وشهر ونصف.
في المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران بدأت محادثات مع اليابان بشأن احتمال فتح مضيق هرمز أمام السفن المرتبطة بطوكيو.
وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط لتأمين نحو 95% من احتياجاتها النفطية، ويصل نحو 90% من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما دفعها إلى السحب من احتياطاتها النفطية في ظل ارتفاع الأسعار.
في المحصلة، لا تكشف هذه الخطوة عن ضعف في القرار الأميركي بقدر ما تكشف عن تحوّل أعمق، يتمثّل في انتقال مركز التأثير من السياسة إلى السوق، حيث لم يعد ممكنًا خوض حرب، وفرض عقوبات، والحفاظ على استقرار الأسعار في الوقت نفسه.