عن المسرح المدرسي الفلسطيني
20 يوليو 2026
أعرف جيدًا، وقد قرأت في شهاداتهم عن أنفسهم وبداياتهم، أن الفنانين المسرحيين في العالم الغربي، والعربي جزئيًا، حين يُسألون عن تجربتهم في المسرح، يُسهبون في ذكر دور المسرح المدرسي في دعم موهبتهم وحفزهم على مواصلة التقدم باتجاه الاحتراف. لم أقرأ لمسرحي فلسطيني اعترافًا بدور المدرسة في تفجير موهبته المسرحية، حتى المسرح الجامعي لم أسمع أنه ساعد مسرحيًا فلسطينيًا أو وضعه على عتبة نهوض وقفز. أين يتعلم المسرحيون الفلسطينيون المسرح؟ أين يتعرفون عليه؟
يقول الفنان المسرحي المقدسي الشهير حسام أبو عيشة: "لم يكن هناك مسرح مدرسي ولا مُدرّس متخصص بالمسرح. كان عندنا معلم رياضيات، وكان عازفًا للكمان في فرقة مدرسية. كان المعلم يُحضر أحيانًا الفرقة إلى المدرسة، وعلى هامش العرض الموسيقي كنت أقلد الفنانين المصريين، ومن هناك بدأت مسيرتي المسرحية. وأتذكر أنني، من دون أستاذ أو منهاج أو حصة، كنت في الصف السادس حين كتبت مسرحية اسمها (قلب أم)، ودربت الطلاب عليها وأخرجتها ومثلناها في المدرسة. كان معي أربعة تلاميذ أحسست أن لديهم ميولًا مسرحية. تخيل لو كان هناك معلم دراما ومسرح، كان نقلنا بسرعة إلى مراحل متقدمة. لكن رب ضارة نافعة؛ أن نكتشف أنفسنا ونطورها بعيدًا عن محددات تربوية باهتة. في المرحلة الثانوية بالقدس، وقد كنت طالبًا في كلية الأمة، أخرجت مسرحية (طلاب اليوم) دون معلم أيضًا، وكان لها صدى كبير في المدارس الأخرى التي طلبت عرضها، وكانت من تأليفي وإخراجي وتمثيلي".
بالصدفة نجت موهبة حسام من مقصلة المدارس بفضل ذكائه وحساسيته وعصاميته وإصراره على التقدم، وبعض التأثيرات من محيطه في المدينة والحارة، وهو الآن من ألمع الفنانين المسرحيين الفلسطينيين، حاز على جوائز عربية وعالمية كثيرة، وفي رصيده الجمالي العشرات من المسرحيات التي مثّل فيها أو أخرجها أو كتبها. تخيلوا معي كم من المواهب المسرحية دُفنت في مدارسنا، لأن لا مُدرّس دراما متخصص، وإن حدثت بعض النشاطات المسرحية فهي تأتي بشكل عشوائي في المناسبات، ويشرف عليها معلمو المواد الأخرى كالعلوم والدين وغيرهما.
لماذا لا تهتم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بالمسرح المدرسي؟ هل يعود ذلك إلى غياب ثقافة المسرح، أم إلى ضعف تقدير أهميته في تنمية الوعي الوطني والإنساني، بوصفه أداة مقاومة تكشف سياسات الاحتلال وتحارب الفساد وتبقي الأمل حيًا؟
الفنان المسرحي حسين نخلة، الذي ينحدر أصله من قرية بيت نبالا المهجرة قضاء الرملة، درس مرحلته الإعدادية في مدارس مخيم الجلزون قضاء رام الله، يقول: "للأسف، ليس هناك مسرح مدرسي ولا أحد يهتم بغيابه، سواء في فترات زمنية سابقة أو حتى هذه الأيام، والمسرح المدرسي أساسي في الدول الأخرى لتوعية الطلاب ودعم الفن المسرحي واكتشاف المواهب. في العالم العربي بدأ البعض، كالشارقة، بالاهتمام بهذا النوع من المسرح، حيث بدأت الهيئة العربية للمسرح، التي يديرها الفنان غنام غنام، بالاتصال ببعض الدول العربية لدعم وجود مُدرّسي دراما في المدارس. بالنسبة لي شخصيًا، كان المسرح هواية قديمة، ليس للمدارس علاقة بها، وكانت هذه الهواية من دعم نادي مخيم الجلزون في السبعينيات من القرن الماضي، وكنت مهووسًا بحضور مسرحيات محلية. تربى شغفي المسرحي في النادي ولاحقًا في رام الله".
أما الفنان المقدسي المعروف أحمد أبو سلعوم فيقول: "لا تماسّ أبدًا بين المسرح الفلسطيني والمدارس. درست في مدرسة أحمد سامح الخالدي، لكني أتذكر أستاذًا ساحرًا من بيت ساحور، رشيقًا ورياضيًا، وكان غير تقليدي في لباسه. كنت في الصف الرابع، وكان يستلطفني أكثر من الآخرين بشكل لافت، وكان يطلب مني أن أغني في الصف، وكنت أردد خلفه أغنية كان يرددها، وظل هذا اللحن في رأسي حتى اليوم. وحين أحضروا في المدرسة سماعة، كنت أنا الأبرز في التكليف بقراءة نصوص شعرية في مناسبات وطنية. لكن أول ارتباط لي بالمسرح كان رؤيتي لعمل مسرحي للفنان مصطفى الكرد، رحمه الله، وكان معه فنانون آخرون، ثم رأيت عملًا لفرانسوا أبو سالم، رحمه الله، في أوائل السبعينيات.
وأتذكر أنني كتبت عنه على ورقة دفتر مدرسي، وكان عمري 17 عامًا، وقد سعد فرانسوا بما كتبته، وطلب مني أن أحضر إلى بيت الفنان ماجد الماني، وكانت جلسة نقاش رائعة حول المسرح. وهكذا، من خلال فرانسوا وماجد، بدأت حياتي المسرحية تتضح وتنمو، حيث تعرفت على عديد من كتاب المسرح والمخرجين والشعراء. ونسيت أن أخبرك أن أبي كان صوته شجيًا وجميلًا، ويقرأ القرآن بطريقة جميلة، ويعزف على الربابة ويغني، ولن أنسى عزفه الرهيب على الربابة حين توافد عليه المئات من أهل بلدي (الدوايمة) المهجرة، وأصدقاؤه ومعارفه من القدس، ليهنئوه بسلامة التحرر من السجن الصهيوني. هذه الأجواء أيضًا ساعدت على الفنون والمسرح بشكل خاص.
لماذا لا تهتم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بالمسرح المدرسي؟ هل السبب هو غياب ثقافة المسرح في حياتنا؟ أم هو عدم تقدير مديري النشاط الثقافي في الوزارة لمكانة هذا الفن العملاق؟ لأنهم هم أصلًا لم يتربوا في مدارسهم على أهميته وخطورته في تفتيح وعي الناس وطنيًا وإنسانيًا وتاريخيًا، وفي أهمية وجوده كأسلوب مقاومة مارسته شعوب العالم المضطهدة، يفضح سياسات المحتل ويحارب الفساد والتواطؤ ويجدد الأمل في مستقبل حر للشعب؟ هل المسرح المدرسي يربي الطلاب على النقد والمساءلة وطرح الأسئلة الصعبة، ولذلك خافت منه السلطة؟ وهل عدم وجود نقابة للمسرح في فلسطين تضغط باتجاه وجود مسرح مدرسي كان سببًا من أسباب غيابه؟ أظن أن كل ما قلت صحيح.