عودة العلاقات بين الجزائر ومالي.. ما أسباب الأزمة وما الذي تغيّر؟
11 يوليو 2026
بعد أكثر من عام على قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق المجال الجوي بين الجزائر ومالي، قرر البلدان استئناف العلاقات، بعد أزمة اندلعت على خلفية ما وصفته الجزائر باختراق طائرة مسيّرة مالية مجالها الجوي وإسقاطها، بينما أكدت باماكو أن الطائرة كانت داخل أجوائها، واعتبرت إسقاطها "عملًا عدائيًا". ولم تكن تلك الأزمة الأولى التي تشهد توترًا بين الجانبين.
عودة العلاقات
أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أعاد تعيين السفير كمال رتيب سفيرًا فوق العادة ومفوضًا لدى مالي، اعتبارًا من يوم الجمعة، بعد أن كان قد استُدعي للتشاور في 7 نيسان/أبريل 2025.
وقالت الخارجية الجزائرية إن القرار "ينبع من الحرص الدائم على إعادة العلاقات الجزائرية-المالية إلى منحاها التاريخي والطبيعي، القائم على الاحترام المتبادل، وإقامة علاقات أخوة وتعاون تخدم مصلحة البلدين."
بدأت الأزمة الحالية في نيسان/أبريل 2025، عندما أعلنت الجزائر إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي، مؤكدة أنها اخترقت مجالها الجوي
من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية إعادة فتح المجال الجوي الجزائري بالكامل أمام حركة الطيران المالي، اعتبارًا من يوم الجمعة.
وأوضحت الوزارة أن القرار يشمل جميع الرحلات المتجهة إلى مالي والقادمة منها عبر مختلف الوجهات الدولية، في خطوة تتزامن مع استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وعودة السفير الجزائري إلى باماكو بعد أكثر من عام على استدعائه للتشاور.
في المقابل، أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي، في بيان، أنه "في إطار إعادة تنشيط علاقات التعاون والصداقة" مع الجزائر، تقرر إعادة السفير المالي إلى مقر عمله في الجزائر، وإعادة فتح المجال الجوي المالي أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها.
أسباب القطيعة
بدأت الأزمة الحالية في نيسان/أبريل 2025، عندما أعلنت الجزائر إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي، مؤكدة أنها اخترقت مجالها الجوي لمسافة تقارب كيلومترين قرب منطقة تين زاوتين الحدودية.
في المقابل، نفت مالي الرواية الجزائرية، وأكدت أن الطائرة كانت داخل أراضيها، ووصفت الحادث بأنه "عمل عدائي"، مشيرة إلى أنها عثرت على حطام الطائرة على بُعد 9.5 كيلومترات جنوب الحدود المشتركة، وأن المسافة بين نقطة فقدان الاتصال وموقع الحطام لا تتجاوز 441 مترًا، وتقع النقطتان داخل الأراضي المالية.
وعقب الحادث، أغلقت الجزائر مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من مالي أو المتجهة إليها، وردت باماكو بإجراء مماثل، وفق مبدأ المعاملة بالمثل، بحسب بيانها، ما عمّق القطيعة الدبلوماسية بين البلدين.
وسبق ذلك، في مطلع عام 2024، إعلان المجلس العسكري الحاكم في مالي إنهاء العمل باتفاق الجزائر للسلام الموقع عام 2015، مبررًا قراره بما اعتبره تحول بعض الحركات الطوارقية الموقعة على الاتفاق إلى كيانات "جهادية وإرهابية".
الخلاف حول اتفاق الجزائر
وكانت الجزائر الوسيط الرئيسي في جهود إحلال السلام في شمال مالي، ورعت اتفاق السلام الموقّع عام 2015 بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة التي يهيمن عليها الطوارق.
إلا أن الاتفاق انهار بعد تجدد القتال بين القوات الحكومية والانفصاليين، عقب ثماني سنوات من الهدوء، إذ سارع الطرفان إلى ملء الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام.
وتتمسك الجزائر بالحل السياسي والحوار مع الحركات الأزوادية، ولا سيما الطوارق، وترى أن اتفاق الجزائر لعام 2015 يمثل الإطار الأنسب لمنع تقسيم مالي وامتداد القتال إلى حدودها الجنوبية.
في المقابل، تبنت السلطات العسكرية في مالي الخيار العسكري لاستعادة السيطرة على شمال البلاد، وهو ما عمّق الخلاف مع الجزائر، خاصة منذ انقلاب عام 2021، ثم إعلان المجلس العسكري إنهاء اتفاق السلام.
المعارك في شمال مالي
تشهد مالي تصعيدًا عسكريًا واسعًا بين الجيش المالي، المدعوم بعناصر من الفيلق الإفريقي "الروسي"، وبين تحالف يضم جبهة تحرير أزواد، التي يقودها مقاتلون من الطوارق، التي تقول مالي إن الجزائر تدعمهم، يطالبون بالاستقلال أو الحكم الذاتي لشمال البلاد، إلى جانب جماعة "نصرة الإسلام والمسمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تسعى إلى توسيع نفوذها وفرض مشروعها الجهادي.
وتتركز المعارك بصورة رئيسية في شمال مالي، بالقرب من الحدود الجزائرية، التي تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر.
وتؤكد الجزائر أن علاقاتها مع الحركات الطوارقية تندرج ضمن جهودها السياسية والوساطات الرامية إلى إنهاء الأزمة في مالي، وترى أن باماكو تخلط بين الاتصالات السياسية والتدخل العسكري.
فيما تعتبر مالي أن الجزائر تدعم جماعات مسلحة تنشط في شمال البلاد، وترى أن ذلك يمثل تدخلًا في شؤونها الداخلية وانتهاكًا لسيادتها.
وتأتي عودة العلاقات بين الجزائر ومالي في ظل استمرار العمليات العسكرية في شمال مالي، في وقت تحتاج باماكو إلى تخفيف خلافها مع الجزائر في ظل اتساع هجمات الجماعات المسلحة، بينما تسعى الجزائر إلى حماية حدودها الجنوبية واستعادة دورها السياسي كوسيط، كون القطيعة بين البلدين لم تؤدِ إلى أي حلول أو تسهم في معالجة الخلافات القائمة.
تقرؤون المزيد في: العلاقات الجزائرية المالية في مفترق طرق بعد أزمة سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي