ultracheck
  1. قول

فلسفة التعاطف: من الإنساني إلى الجيوسياسي

10 ديسمبر 2025
لاجئات سودانيات
لاجئات سودانيات هربن من الحرب (AFP)
أحمد عبد الحليمأحمد عبد الحليم

في عصر السواد الإعلامي وإفراط المعلوماتية، حيث تُغرقنا القنوات الإخبارية بتدفق لا يتوقف من الصور والمقاطع، لا تعكس الأخبار العالمية الواقع كما هو، بل تعكس انتقائية صارخة، إذ تبرز مآسٍ محسوبة وتُطمس أخرى بقرار سُلطوي، خفي غالبًا. إن الموت والحزن لا يُوزعان بعدل على الأرض والناس؛ إذ ينتقي الإعلام الضحايا الذين تتوافق روايتهم مع مصالح النخب، الأنظمة، والقوى الكبرى التي ترسم خرائط النفوذ، بينما تُترك معاناة الفئات المهمّشة والمهمَلة في الظل المعتم.

لقد أشارت الناقدة والمخرجة سوزان سونتاغ ذات مرة إلى أن وعي الناس بمعاناة الحروب البعيدة "مصطنعٌ"، فهو ينبعث فجأة عبر صور أو فيديو محدودة ومكثفة ثم يتلاشى سريعًا عندما ينقضي مفعول الصدمة أو يتغير جدول الأعمال السياسي. باختصار، التعاطف الذي نشعر به ليس بريئًا تمامًا، بل صُيغ ليخدم أجندة اقتصادية وسياسية متداخلة؛ إذ أن "شخصيات بعينها" تتفوّق في استحقاق الاهتمام على غيرها بحكم موقعها الجغرافي أو قيمتها السوقية في لعبة التوازنات العالمية. من هنا، يُطرح سؤال أخلاقي وفلسفي حاد، ومؤلم، وهو، هل نعزي إنسانًا حقيقًيا بما هو كائن يعاني، وبغض النظر عن هويته، أم نعزي الرواية المصممة بعناية لتلك المعاناة، تلك الصورة المفلترة التي تخدم مصالح من يرويها؟

الإعلام والأسواق الجيوسياسية للألم

لم تعد وسائل الإعلام تتعامل مع المآسي بوصفها حقائق إنسانية تستوجب الإقرار بوجودها والمساعدة، بل كـعملات إعلامية تُسَعَّر وتُتَداوَل في بورصة المصالح الجيوسياسية. هناك آلام تُسلّط عليها الأضواء بكل طاقتها حتى آخر قطرة دم ومعلومة، وأخرى تُترك في العتمة وكأنها خارج نطاق الوجود الإنساني المعترف به. وهذا لا يعود إلى اختلاف في حجم الكارثة أو شدة المأساة، بل لأن السوق السياسي السُلطوي يفضّل قصة على أخرى، وضحية على أخرى، وصورة على أخرى تلائم التصورات المسبقة للمتلقي الغربي أو القريب من مركز القوة.

لم تعد وسائل الإعلام تتعامل مع المآسي بوصفها حقائق إنسانية تستوجب الإقرار بوجودها والمساعدة، بل كـعملات إعلامية تُسَعَّر وتُتَداوَل في بورصة المصالح الجيوسياسية

تتضح هذه الطبقية، والانتقائية، في مشاهد عالمية متناقضة ومتباينة. ففي السودان، حيث ملايين المشرّدين والنازحين يواجهون الصمت الدولي كـالخبر الوحيد الذي يتردد، ما يؤكد أن مأساتهم خارج دائرة الاهتمام الغربي المركزية، وأيضًا العربي، بنسب متباينة، وغير مهددة للتوازن السياسي في مراكز القوة الكبرى. وعلى النقيض، في أوكرانيا، تتدفق العناوين بلا انقطاع ويُستدعى الضمير العالمي إلى الشوارع والساحات. الأمر لا يتعلق بعدالة الألم، بل بـقربه من المخيال الغربي، وكونه يمس مباشرة المصالح الأوروبية والأميركية، ما يمنح القدرة على الدخول في "السردية المقبولة" للضحية التي تستحق الدعم غير المشروط.

كما يظهر التعقيد في الفجوة المركبة في فلسطين. فكما أشار محمود درويش، وهو يُعايش حالته الشعرية الوجودية، أن العالم يهتم بالقضية الفلسطينية ليس بالضرورة بسبب الفلسطينيين (الضحايا)، بل بسبب إسرائيل (الطرف الآخر في المعادلة الجيوسياسية، المُستعمر والقاتل). وبعد السابع من أكتوبر، تتجلى فجوة التعاطف بأشد صورها؛ تُعاد صياغة الكلمات في وسائل إعلام محددة لتخفيف وقع مقتل طفل أو طفلة، بينما تُسوَّق الرواية الرسمية كما لو أنها الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدل. وكذلك، تمر مآسي السوريين واليمنيين، التي استمرت سنوات طوال، مرورًا عابرًا؛ فتتحول سنوات من الدم والنزوح إلى "خبر قديم ومرهق إعلاميًا"، لا يُستعاد إلا عندما تجبر كارثة طبيعية (كالزلزال في سوريا عام 2023) الإعلام على الالتفات، وكأن الألم يحتاج صدمة خارجية ليُذكر العالم بوجوده.

هكذا يتشكل المشهد، وليست المُعضلة في حد ذاتها هي ما يصنع الاهتمام، بل من يملك حق روايتها ومن يملك تحويلها إلى قضية عالمية مُلحة. ولذلك، تتحرك بوصلتنا العاطفية كما تريدها مراكز القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية؛ فنحن نمنح التعاطف لحلفاء ما، ونسحبه عمّن لا يُناسب صورته المتخيلة أو موقعه في خريطة النفوذ العالمي.

التعاطف كـ"فلتر هوياتي" وعبء الرفاهية

إن التعاطف، الذي نتوهم أنه فضيلة إنسانية مطلقة، عبر التاريخ، ليس فيضًا إنسانيًا محايدًا يتدفق للجميع؛ بل هو فلتر هوياتي مُحكَم، يضخّم صدى الألم القريب/الأنا ويُخفت وجع الغريب/الآخر. فالعقل البشري لا يتحرك بنقاء أخلاقي مجرد، بل يخضع لتفضيلات نفسية واجتماعية متراكمة: مظهر الوجه، اللغة، القرب الجغرافي، الانتماء الطبقي أو العرقي أو الطائفي/الديني. لذلك، نجد أنفسنا نلين أمام معاناة شخص ما لمجرد أنّ ملامحه أقرب إلى صورتنا الذاتية (التحيز القبلي أو الجماعي)، بينما نقسو بلا قصد على آخر لأنه يقع "خارج إطار الهوية" الذي اعتدنا العيش فيه، حتى لو كان نفس الإنسان، وذات القضية.

أحد أكثر الجوانب إيلامًا هو العلاقة بين الطبقة والتعاطف. فالمفارقة أن الفقر، رغم أنه يضاعف هشاشة البشر، لكنه، وأحيانًا، لا يضاعف قدرتنا على رؤيتهم. بل، وربما، يحدث العكس: كلّما صعدت الفئات إلى طبقات أعلى وتمتعت برفاهية أكبر، كلّما انكمشت قدرتها على استشعار آلام الآخرين الأبعد عنها اجتماعيًا ووجدانيًا، كأنّ الرفاهية المادية تخلق مسافة عاطفية إضافية فوق المسافة الاقتصادية، وهي ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بـ"نقص الاكتراث" الناتج عن الشعور بالأمان المطلق. وفي المقابل، يعرف أبناء تجارب المعاناة معنى الخسارة جيدًا، ولذلك غالبًا ما يكونون أكثر قربًا من جروح الآخرين، ليس لأنهم "أفضل أخلاقًا"، بل لأن التجربة وحدها تُثقل الإحساس بالحاجة والضعف المشترك.

حتى الدماغ نفسه، بما فيه من آليات عصبية تُشبه محاكاة مشاعر الآخرين (الخلايا العصبية المرآتية)، لا يعمل في فراغ حيادي. فـالسُلطة، بجميع أشكالها المؤثرة، هي التي تُعلِّم هذه الآليات متى تتحرك ومتى تنطفئ: أمام من نفتح قلوبنا؟ ولمن نغلقها؟ هكذا يصبح التعاطف مشروطًا بسياق اجتماعي وثقافي عميق، لا مجرد رد فعل بشري تلقائي. نحن لا نرى الألم كما هو، بل كما عُلّمنا أن نراه، ونضخّم ألمًا ونستخف بآخر، لأن خارطة الانتماءات التي نحملها داخلنا حددت نسبية الأخلاق قبل أن نعيها.

وهنا تكمن الأزمة الأخلاقية العميقة: كيف يمكن للإنسان أن يدّعي عالمية مشاعره وإنسانيته، بينما قلبه نفسه يخضع لاقتصاد خفي، يتأثر بالمال والسلطة والانتماء، ويوزّع العطف كما توزّع الثروات؟

أحد أكثر الجوانب إيلامًا هو العلاقة بين الطبقة والتعاطف. فالمفارقة أن الفقر، رغم أنه يضاعف هشاشة البشر، لكنه، وأحيانًا، لا يضاعف قدرتنا على رؤيتهم

نحو الموقف الأخلاقي الواعي ومقاومة التسليع

التعاطف ليس شعورًا فطريًا نقيًا يتدفق بلا شروط، بل هو حركة أخلاقية تتطلب وعيًا وفلسفة نقدية مستمرة. من منظور فلسفي، يطرح ديفيد هيوم وآدم سميث مفهوم "المراقب المحايد" كمعيار أخلاقي لتحرير أحكامنا من الانحيازات الضيقة. السؤال الكبير هنا: كيف ننتقل من التعاطف العفوي (الذي يخضع للمصلحة والطبقية والانتماء) إلى التعاطف المُنصف الذي يتخذ موقفاً ملتزما وأخلاقيا غير انتقائي؟

إن التعاطف وحده، حين يُترك بلا إطار عقلاني وأخلاقي مُحكم، قد يتحوّل إلى أداة غير عادلة، توسّع الفجوة وتكرس الظلم بين من يُعترف بألمهم ومن يُهمش. لهذا، توجد ضرورة للربط بين التعاطف ونظريات العدالة والإنصاف، ليصبح شعورنا ليس مجرد انفعال لحظي يزول، بل موقفًا أخلاقيًا شاملًا يتجاوز الصور النمطية والانتماءات الضيقة. هذه القوى الخفية تُنشئ "مراتب للألم" في وعينا الجمعي، وتفرض تصنيفات غير معلنة على من يستحق الاهتمام.

هنا، تمنحنا الفلسفة أداة لفهم ذلك، فإعادة النظر في ما يثير فينا التعاطف، والتساؤل عن الحدود التي وضعتها ثقافتنا وسياساتها واقتصادها، لنتمكن من استعادة الإحساس بالإنسانية الحقيقية، بعيدًا عن التصنيفات المسبقة. بهذا، يظهر أن التعاطف العفوي ليس دائمًا إنصافًا، بل هو أول محطات التحيُّز. ومسؤوليتنا الأخلاقية تتطلب وعيًا دائمًا بـتوزيع الانتباه، وإدراكًا لـطبقية الألم التي تفرضها علينا القوى الخفية.

ختامًا، يتضح أننا كثيرًا ما "نحزن على الصورة" قبل أن نحزن على الإنسان نفسه. وأكثر المآسي إيلامًا قد تمرّ بلا أثر، ليس لجمود القلوب، بل لأن "خرائط التعاطف" مشحونة بالتحيزات والانتماءات المسبقة. لذا، يصبح التحدي الأخلاقي هو: مقاومة تحويل التعاطف إلى سلعة تُباع وتُشترى وتُسوّق وتوزع. حين نفعل ذلك، يتحرر التعاطف من قيوده، ويصبح فعلًا إنسانيًا حقيقيًا، وكونيًا، قادرًا على تجاوز الطبقات والصور النمطية.

كلمات مفتاحية
دمشق

الملفات الأمنية الخارجية الجديدة لدمشق.. من الفوضى الموروثة إلى السيادة المتفاوض عليها

دخلت دمشق مرحلة ما بعد نظام الأسد وهي تواجه سؤالًا جوهريًا يتمحور حول كيفية إعادة بناء الأمن القومي في دولة خرجت من مسارات التفكك

طهران

بين الضربة المحدودة والحرب الشاملة: سيناريوهات المواجهة الأميركية–الإيرانية على وقع الاحتجاجات

مع انخفاض رقعة الاحتجاجات الإيرانية التي انطلقت في بازار طهران الكبير في 28 من الشهر الماضي، تتصاعد في المقابل التهديدات العسكرية الأميركية تجاه إيران

مخيمات

واحدة مؤقتة وأخرى مستمرة.. العالم بين جائحتين

العالم يعيش بين جائحتين: واحدة مؤقتة وانتهت، وأخرى مستمرة. وما عاشه أطفال سوريا ليس مجرد تجربة قاسية، بل جريمة طويلة الأمد

عدن
سياق متصل

عدن المخنوقة بالمعسكرات تبحث عن حياة مدنية

على مساحة لا تتجاوز 750 كيلومترًا مربعًا، أي كامل الرقعة الجغرافية للعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تتوزع معسكرات وتشكيلات عسكرية عدة داخل أحياء مكتظة بالسكان

دوري أبطال أوروبا
رياضة

دوري أبطال أوروبا.. الجولة قبل الأخيرة تشعل المنافسة على البطاقات المتبقية

ستتجه الأنظار إلى المواجهة المرتقبة التي تجمع أرسنال الإنجليزي بضيفه إنتر ميلانو الإيطالي، في واحدة من أقوى قمم هذه الجولة

 جياني إنفانتينو
رياضة

إنفانتينو يهاجم "الفوضى" في نهائي أمم أفريقيا وعقوبات تنتظر السنغال

تحوّل نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 في الرباط من عرس كروي منتظر إلى واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ البطولة

ترامب في الأمم المتحدة
سياق متصل

مشروع ترامب لتجاوز الأمم المتحدة: "مجلس السلام" في غزة يفتح باب الصدام الدولي

مجلس السلام يحمل في طياته بياناً سياسياً خطيراً؛ مفاده أن العالم لم يعد يُحكم بالقانون، بل بالقوة التي تمتلك السلاح والنفوذ