فوز سيغورو بالرئاسة البرتغالية: هزيمة اليمين المتطرف وترسيخ خيار الوسط
9 فبراير 2026
فاز المرشّح الاشتراكي المعتدل أنطونيو خوسيه سيغورو برئاسة البرتغال، بعد تحقيقه انتصارًا واسعًا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، متفوّقًا على منافسه اليميني المتطرف أندريه فينتورا، في استحقاق وُصف بأنه محطة مفصلية في المشهد السياسي البرتغالي.
وجاء الفوز بنسبة 66.8% من الأصوات مقابل 33.2% لفينتورا، في انتخابات جرت رغم الاضطرابات المناخية والعواصف التي ضربت البلاد خلال الأسابيع الماضية، وفي سياق تعبئة سياسية عابرة للأحزاب لمنع وصول مرشّح حزب "شيغا" اليميني المتطرف إلى قصر الرئاسة، خلفًا للرئيس المنتهية ولايته مارسيلو ريبيلو دي سوزا.
قال سيغورو إن "ردّ الشعب البرتغالي اليوم، والتزامه بالحرية والديمقراطية ومستقبل البلاد، يجعلني فخورًا وممتنًّا لهذه الأمة
المشهد الانتخابي ونتائج الاقتراع
حصل سيغورو على أغلبية مريحة مكّنته من حسم السباق الرئاسي من الجولة الثانية، في وقت سجّل فيه فينتورا أعلى نسبة تصويت في تاريخ تياره السياسي، رغم خسارته النهائية.
وقال سيغورو، عقب إعلان النتائج، إن "ردّ الشعب البرتغالي اليوم، والتزامه بالحرية والديمقراطية ومستقبل البلاد، يجعلني فخورًا وممتنًّا لهذه الأمة"، معتبرًا أن النتائج تعكس دعمًا واضحًا لخيار الاعتدال والاستقرار السياسي.
في المقابل، رأى فينتورا، البالغ من العمر 43 عامًا، أن "النظام السياسي بأكمله، من اليمين واليسار، توحّد ضده"، مضيفًا: "ومع ذلك، أؤمن بأن قيادة اليمين قد تحدّدت وترسّخت اليوم، وأتوقّع أن أقود هذا الفضاء السياسي ابتداءً من الآن".
صعود "شيغا" وحدود التقدّم الشعبوي
وكان حزب "شيغا"، الذي تعني تسميته بالبرتغالية "كفى بعد الآن"، قد أصبح العام الماضي ثاني أكبر قوة برلمانية في البلاد، بعدما تجاوز الحزب الاشتراكي، ليحلّ خلف التحالف الحاكم من يمين الوسط، الذي حصد 31.2% من الأصوات.
ورغم خسارته في اقتراع أمس الأحد، بات فينتورا، المعلق الرياضي السابق ذو الحضور الإعلامي اللافت، قادرًا على التفاخر بتنامي قاعدته الشعبية، في مؤشر على تصاعد نفوذ اليمين المتطرف في البرتغال وأجزاء واسعة من أوروبا.
وركّز حزب "شيغا" خلال حملته على ملف الهجرة، عبر لوحات دعائية حملت عبارات مناهضة للمهاجرين، ضمن خطاب شعبوي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والمجتمعية.
سيغورو وخيار "اليسار المعتدل"
في المقابل، قدّم سيغورو نفسه بوصفه مرشّح "يسار حديث ومعتدل"، قادرًا على لعب دور الوسيط النشط لمنع الأزمات السياسية والدفاع عن القيم الديمقراطية.
كما حظي بدعم شخصيات محافظة بارزة بعد الجولة الأولى، في ظل مخاوف واسعة مما يصفه كثيرون بالنزعات الشعبوية والتسلّطية لدى فينتورا، ما ساهم في تشكيل جبهة سياسية واسعة خلف ترشيحه.
وأكد سيغورو، خلال حملته، تمسّكه بالتعاون مع الحكومة الحالية، ورفضه الخطاب المعادي للهجرة، مع التركيز على تعزيز الاستقرار المؤسسي.
العواصف وتأثيرها على سير الانتخابات
تأثّرت الحملة الانتخابية بعاصفتين كبيرتين أدّتا إلى إعلان حالة كارثة وطنية حتى منتصف شباط/فبراير، ما دفع فينتورا إلى المطالبة بتأجيل التصويت.
غير أن الهيئة الانتخابية رفضت ذلك، معتبرة أن الظروف الجوية لا تبرّر تعطيل الاستحقاق الدستوري، مع تأجيل محدود للتصويت في نحو 20 دائرة انتخابية متضررة لمدة أسبوع، شمل قرابة 37 ألف ناخب، وهي نسبة اعتُبرت غير مؤثرة في النتيجة النهائية.
صلاحيات الرئاسة وحدود الدور السياسي
تُعدّ رئاسة الجمهورية في البرتغال منصبًا بروتوكوليًا في معظمه، إلا أنه يتمتع بصلاحيات مهمّة، من بينها حلّ البرلمان وعرقلة التشريعات في ظروف استثنائية.
وكان فينتورا قد تعهّد، في حال فوزه، بتبنّي دور "تدخّلي" أوسع في الحياة السياسية، فيما شدّد سيغورو على التزامه بدور توافقي يحترم التوازن بين السلطات.
أصداء أوروبية وسياق إقليمي أوسع
وعلى الصعيد الأوروبي، تلقّى سيغورو تهاني واسعة، إذ أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تطلّعه للتعاون مع نظيره البرتغالي، فيما أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بـ"الصمود الديمقراطي" للمواطنين رغم آثار العواصف.
وفي سياق الأوروبي، سجّل اليمين المتطرف تقدّمًا لافتًا في إسبانيا، بعدما ضاعف حزب "فوكس" تمثيله في انتخابات إقليم أراغون، في مسار يعكس ظاهرة أوروبية متنامية، تبدأ من إيطاليا، حيث تقود الحكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، زعيمة حزب "إخوة إيطاليا" المنتمي إلى اليمين المتشدّد، وتمتدّ إلى فرنسا، حيث يتقدّم حزب "التجمع الوطني" في استطلاعات الرأي، وصولًا إلى ألمانيا، حيث يُنافس حزب "البديل من أجل ألمانيا" القوى التقليدية، فيما بات حزب "ريفورم" البريطاني منافسًا جدّيًا في المشهد السياسي.
ويعكس هذا المشهد مجتمِعًا استمرار التحدّي الذي تواجهه الديمقراطيات الأوروبية في موازنة مطالب الاستقرار مع تصاعد الخطاب الشعبوي، في مرحلة تتّسم باضطرابات اقتصادية واجتماعية متزايدة.