فيزياء في الملعب وبلاغة في الإليزيه.. ما لا تعرفه عن نجم المغرب أيوب بوعدي؟
17 يونيو 2026
أحد أهم أسباب نجاح مشروع المغرب، هو الاهتمام الشديد بكافة التفاصيل الممكنة، ولهذا الأمر وجاهته فعلًا، فكرة القدم ليست خيالات وأماني في أدمغة الشعراء، بل لعبة تقوم على أساس علمي رصين، وفهم دقيق لكل المتغيرات، قطع من الشطرنج تصطف كأنها بنيان مرصوص، لتكون في النهاية منتخبًا قادرًا على المنافسة.
ولذلك كان أحد أهم الأسئلة التي سألها المنتخب المغربي لنفسه: كيف يمكن الاستفادة من ملف مزدوجي الجنسية؟ وكيف يمكن بناء مشروع جيد لاستقطاب أبناء المهجر، دون الحاجة إلى اللعب على وتر وحيد، ألا وهو الحنين للوطن الأم فقط لا غير؟
وقد نجحوا في الإجابة على هذا السؤال فعلًا، وأحدث دليل على ذلك هو ما رآه العالم من اللاعب الشاب أيوب بوعدي في مباراة المغرب والبرازيل في أول اختبار لأسود الأطلس في المونديال، وأول ظهور لأيوب شخصيا بقميص المنتخب المغربي، فكيف تحول اللاعب صاحب الـ 18 عاما إلى ظاهرة عالمية؟
حجر الزاوية
يمتلك أيوب خصائص فنية فريدة تجعله قادرًا على اللعب كصانع ألعاب متأخر، مستفيدًا من شيئين قد يكونان للوهلة الأولى متضادين بعض الشيء، الأول طول قامته البالغ 1.86 متر تقريبًا، وثانيا ليونة جسده، وقدرته على تغيير اتجاهاته بسلاسة شديدة، الأمر الذي يسمح له بالتمويه بالكرة، وتجاوز الضغط لبناء اللعب من الخلف.
يدرس أيوب بوعدي الرياضيات والفيزياء، الأمر الذي يساعده، حسب تصريحاته، على التمركز وقراءة اللعب، كما استطاع الفوز بمسابقة البلاغة في قصر الإليزيه
والدليل على ذلك هو إحصائياته في مواجهة البرازيل، حيث لمس الكرة 88 مرة، وفاز بـ 11 صراعًا ثنائيًا، وأكمل 30 تمريرة في نصف ملعب الخصم بدقة إجمالية بلغت 93%، كما امتلك معدل دقة تمرير بلغ 88%، وصلت دقة تمريراته الطويلة الكاسرة للخطوط إلى 76%، وأكمل 16 تمريرة من أصل 16 في الثلث الأخير من الملعب، بنسبة نجاح مبهرة بلغت 100%، مما يعكس قدرته على توسيع رقعة اللعب متى لزم الأمر.
والسر، كما أوضح الكاتب والمحلل الرياضي ليو رذرفورد في تقرير نشرته مجلة "total football analysis"، يكمن في سيقانه الطويلة، التي تعطيه برجل واسع بعض الشيء، وتمكنه من السيطرة على الكرة، حيث حقق متوسط اعتراضات يقترب من اعتراض واحد لكل 90 دقيقة في دوري أبطال أوروبا، وهو ما أكده جورج تورناي، أحد مدربي بوعدي، حيث صرح قائلًا: "أيوب كان خيارًا بديهيا، طويل القامة، يلعب بارتياح، ويمتلك تقنية رائعة ورؤية ثاقبة لما يحدث حوله، لقد كان مقدرًا له النجاح منذ البداية".
ولكن، هل تلك الإحصائيات هي نتيجة لموهبته فقط؟ الإجابة لا، موهبته نفسها واضحة وموجودة بالفعل، ولا شك فيها، بل وقابلة للتطوير، إلا أن السر في توهجه حاليًا هو ذكاؤه الأكاديمي والمهني والفني أيضًا، كيف ذلك؟
يدرس أيوب الرياضيات والفيزياء، الأمر الذي يساعده، حسب تصريحاته، على التمركز وقراءة اللعب، كما استطاع الفوز بمسابقة البلاغة في قصر الإليزيه بحضور بريجيت ماكرون، وهنا يجب السؤال: كيف استطاع منتخب المغرب ضم تلك الموهبة اليه؟
يوم العملية
مبدأيًا، يبلغ متوسط أعمار لاعبي وسط منتخب المغرب 20.6 عامًا، ما يعني أن بوعدي كان خيارًا ناجعًا، ولذلك اعتمد الاتحاد المغربي لكرة القدم على استراتيجية طويلة الأمد لاستقطابه، وراقب تطوره مع نادي ليل والمنتخبات الفرنسية للشباب لسنوات طويلة، ثم حسم قراره بضرورة ضمه استعدادًا لكأس العالم الحالي.
وقد سافر رئيس الاتحاد فوزي لقجع، برفقة مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي، شخصيًا إلى مدينة ليل الفرنسية في آذار/مارس 2026 لمحاولة إقناع اللاعب، وخلال اللقاء قدم الوفد المغربي مشروعًا متكاملًا يوضح دوره المستقبلي وتأثيره المنتظر مع أسود الأطلس كلاعب أساسي، فخبرته الكبيرة والمبكرة في دوري أبطال أوروبا والدوري الفرنسي تجعله جاهزًا للعب في التشكيل الأساسي دون أي مخاطرة.
لكن الأمور لم تكن سهلة، وقد كشف الصحفي نبيل جليط عن خوض الاتحاد الفرنسي لكرة القدم معركة شرسة في الكواليس لمنعه من تمثيل المغرب، ومارس عليه ضغوطًا شديدة وصلت حد تدخل الأسطورة زين الدين زيدان، الذي حاول إقناع نجم نادي ليل الشاب بالبقاء ضمن صفوف فرنسا.
إلا أن ارتباط بوعدي الوجداني بأصوله كان أقوى من كافة الإغراءات، حيث أكد الصحفي إد آرونز في مقاله بصحيفة "الغارديان" أن اختيار بوعدي لتمثيل أسود الأطلس لم يكن قرارًا انتهازيًا لضمان المشاركة في المونديال، بل هو نتاج تربية والده، حسن بوعدي، النائب السابق لعمدة مدينة كريل الفرنسية، الذي زرع فيه الانتماء إلى بلده الأم، والدليل هو صورة انتشرت كالنار في الهشيم لبوعدي وهو في العاشرة من عمره، أثناء تشجيعه للمنتخب المغربي في كأس العالم 2018 من داخل المدرجات.
وفي 15 أيار/مايو 2026 وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم رسميًا على طلب تغيير الجنسية الرياضية لبوعدي من الفرنسية إلى المغربية، ليصبح متاحًا بشكل فوري للمشاركة في المونديال الحالي، ما يعنيه هذا؟
المعنى بسيط، قدرة المشروع المغربي على إقناع وجذب المواهب، مهما كانت جنسيتها، والاهتمام الشديد بكل التفاصيل، لا شيء يخضع للصدفة، والأهم ليس النتيجة، بل العملية التي أدت إلى تلك النتيجة، فالنتيجة المرضية هي عرض من أعراض العملية الناجحة، بالمناسبة، تلك هي ذات الاستراتيجية التي أثمرت عن وجود لاعبين مثل المدافع عيسى ديوب وريان بونيدا.