ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

فيلفان سار: أفريقيا تحتاج إلى اقتصاد يضع الكرامة قبل النمو

7 أغسطس 2026
صناعة الحاضر: من أجل يوتوبيات فاعلة
كتاب "صناعة الحاضر: من أجل يوتوبيات فاعلة" (منصة إكس)
الترا صوت الترا صوت

بعد عشر سنوات من صدور كتابه "أفروتوبيا" (Afrotopia)، يعود المفكر والاقتصادي السنغالي فيلفان سار إلى السؤال نفسه من زاوية مختلفة: كيف يمكن للأفارقة أن يستعيدوا القدرة على تخيّل مستقبلهم، ثم تحويل هذا الخيال إلى واقع؟

في كتابه الجديد "صناعة الحاضر: من أجل يوتوبيات فاعلة"، الصادر عن دار نشر "فيليب ري" (Éditions Philippe Rey) الفرنسية بالتعاون مع دار نشر "جيمسان" (Éditions Jimsaan) السنغالية، ينتقل سار من التفكير في البدائل إلى البحث في شروط تحقيقها. فالمشكلة، في نظره، لا تكمن فقط في غياب الأفكار، بل في عجز المؤسسات والاقتصادات والتعليم عن تحويلها إلى سياسات وممارسات يومية.

وفي حوار مع صحيفة "لوموند"، يشرح فيلفان سار، أستاذ العلوم الإنسانية الأفريقية في جامعة ديوك الأميركية، مفهومه لـ"صناعة الحاضر"، ويضع التعليم والاقتصاد والخدمات الاجتماعية والمساواة بين النساء والرجال في صلب مشروعه لإعادة تشكيل المجتمعات الأفريقية. 

كما يدافع سار عن مفهوم عابر للحدود للضيافة والانتماء، في مواجهة تصاعد الخطابات القومية والعنصرية، وينتقد النماذج الجاهزة التي قُدّمت طويلًا باعتبارها الطريق الوحيد إلى التنمية، داعيًا بدلًا من ذلك إلى إعادة تعريف الأولويات انطلاقًا من احتياجات المجتمعات الأفريقية نفسها، ووضع مفهوم «اقتصاد سياسي للكرامة» في قلب هذه الرؤية

من "أفروتوبيا" إلى صناعة الحاضر

في "أفروتوبيا"، الصادر عام 2016، ركز سار على ضرورة تحرير المخيال الأفريقي من الصور التي كرستها التجربة الاستعمارية وما بعدها، واقترح التفكير في إمكانات أخرى للحياة والتنمية والسياسة.

لكن هذا الطرح ترك سؤالًا عمليًا مفتوحًا: كيف تنتقل "اليوتوبيا" من فضاء الأفكار إلى الواقع؟

يواصل فيلفان سار نقد نماذج التنمية الجاهزة، داعيًا إلى إعادة تحديد الأولويات وفق احتياجات المجتمعات الأفريقية، ووضع "اقتصاد سياسي للكرامة" في قلب رؤيته

يجيب سار في كتابه الجديد بالبحث عن مساحات يمكن من خلالها صناعة الحاضر، بينها التعليم والاقتصاد والسياسة والخيال الجماعي والعلاقة بالبيئة.

ويضع التعليم في مقدمة هذه المساحات، معتبرًا أن أي تغيير عميق سيظل محدودًا من دون إعادة النظر في المناهج والمضامين التعليمية. فالتحرر، بالنسبة إليه، يبدأ من القدرة على إنتاج معرفة لا تعيد فقط تكرار التصورات الموروثة عن العالم وأفريقيا وموقعها فيه.

اقتصاد من أجل الكرامة

ينطلق سار من اعتراض أساسي على اختزال التنمية في مؤشرات النمو الاقتصادي. فالاقتصاد، في تصوره، ليس آلة تتحرك من دون غاية، وإنما أداة ينبغي أن تخدم أهدافًا تحددها المجتمعات.

ومن هنا يأتي مفهوم "الاقتصاد السياسي للكرامة"؛ أي توجيه السياسات العامة نحو رعاية الإنسان، جسدًا وعقلًا، فردًا وجماعة.

ويشمل ذلك إعطاء الأولوية للتعليم والصحة والغذاء والبنية التحتية، إلى جانب كل ما يقلل هشاشة الأفراد والمجتمعات ويمنحهم شروط حياة تحفظ كرامتهم الجسدية والثقافية والنفسية.

ويطرح سار بذلك سؤالًا يتجاوز حجم الميزانيات: كيف تنفق الدول الأفريقية مواردها؟

فحتى في ظل محدودية الموارد، يرى أن إعادة ترتيب الأولويات يمكن أن تفتح مجالًا لتمويل الخدمات الأساسية بدل أن تذهب الموارد إلى قطاعات لا تعود بالنفع المباشر على غالبية السكان.

الفساد ليس قدرًا أفريقيًا

لا يتجاهل سار العقبات السياسية التي تقف أمام هذه الرؤية، وفي مقدمتها الفساد وسوء الإدارة وتحول الدولة في بعض الحالات إلى أداة للسيطرة على الموارد بدل أن تكون مؤسسة لخدمة المصلحة العامة.

لكنه يرفض التعامل مع الوضع باعتباره قدرًا مشتركًا للقارة.

ويستشهد بتجارب أفريقية مختلفة، من بوتسوانا إلى رواندا وإثيوبيا، باعتبارها أمثلة على قدرة بعض الدول على توجيه جزء من مواردها نحو الخدمات العامة وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، رغم اختلاف السياقات السياسية والتحديات التي تواجهها.

ولا يعني ذلك، في رؤيته، أن هذه التجارب خالية من المشكلات، وإنما أنها تؤكد أن الخيارات الاقتصادية والسياسية ليست واحدة بالضرورة.

هل يمكن لأفريقيا أن تتحرر من الاعتماد الخارجي؟

يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل تراجع المساعدات الخارجية التي اعتمدت عليها دول أفريقية لعقود في تمويل قطاعات أساسية.

يرى سار أن الصدمة التي أحدثها تراجع هذه التمويلات يمكن أن تتحول، رغم كلفتها، إلى فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة ومواردها.

فبدل الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي لتمويل التعليم والصحة والخدمات الأساسية، يدعو إلى استعادة المبادرة في تحديد الأولويات وتخصيص الموارد المحلية لها.

المسألة هنا ليست امتلاك موارد ضخمة بقدر ما هي إعادة النظر في كيفية توزيع الموارد المتاحة.

تحرير المرأة جزء من إعادة بناء المجتمع

يمنح سار في كتابه الجديد مساحة أكبر لقضية المرأة مقارنة بكتابه السابق، ويرى أن تحقيق المساواة لا يتوقف على سنّ القوانين، بل يتطلب أيضًا تغيير التصورات الاجتماعية العميقة التي تحدد أدوار النساء وتقيّد إمكاناتهن.

ويشير إلى التقدم الذي حققه السنغال في مجال التمثيل السياسي وحقوق المرأة، لكنه يرى أن الإصلاح القانوني يظل غير كافٍ ما لم ترافقه تحولات في المخيلة الاجتماعية. فبناء مجتمع أكثر عدالة يقتضي، إلى جانب تغيير القوانين، إعادة توزيع الموارد والفرص الاقتصادية والتعليمية، وفتح مساحات أوسع للنساء لتحقيق ذواتهن.

وبحسب سار، لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق تحولًا حقيقيًا إذا ظلت نصف قوته البشرية تواجه عوائق بنيوية تحول دون حصولها على حقوقها وفرصها كاملة.

الضيافة في مواجهة الخوف من الآخر

من الاقتصاد إلى الهجرة، يوسّع سار مفهوم الكرامة ليشمل علاقة المجتمعات بالمهاجرين والأجانب.

ويستعيد مفهوم "الضيافة" الذي يرى أنه كان جزءًا أصيلًا من الثقافات الأفريقية، قبل أن يتراجع أمام تصاعد الخطابات القومية والعنصرية.

لكن سار لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية إلى استقبال الآخر، بل يقترح الانتقال من الضيافة باعتبارها ممارسة اجتماعية إلى حق قانوني في الاستقبال.

فالمهاجر، في نظره، لا ينبغي أن يكون مجرد شخص يحصل على المساعدة بقدر ما ينبغي أن يتمتع بحقوق تضمن له الأمن والرعاية والتعليم، باعتباره جزءًا من الجماعة الإنسانية.

ويكتسب هذا الطرح أهمية في قارة تشهد بدورها تصاعدًا في الخطابات المعادية للمهاجرين، سواء في بعض دول شمال أفريقيا أو جنوب الصحراء، وفي وقت أصبحت فيه الهجرة واحدة من أكثر القضايا إثارة للتوتر السياسي والاجتماعي.

كيف نوسّع معنى الانتماء؟

يربط سار مواجهة كراهية الأجانب بطريقة أعمق في تعريف الجماعة.

فالانتماء، كما يرى، لا ينبغي أن يقوم فقط على اللغة أو لون البشرة أو الأصل العائلي والجغرافي. وإذا بقيت هذه المحددات هي الأساس، فإن كل من يأتي من خارجها سيظل معرضًا لأن يتحول إلى "آخر".

لهذا يعطي التعليم دورًا مركزيًا مرة أخرى. فبدل أن يتعلم الطفل تاريخ بلده باعتباره قصة مغلقة، يمكن أن يتعلم تاريخ المنطقة والعالم بوصفه جزءًا من تاريخ مشترك.

طفل سنغالي، في هذا التصور، يمكن أن يتعرف منذ الصغر إلى تاريخ غينيا ومالي وبوركينا فاسو، كما يتعرف إلى تاريخ اليابان وإندونيسيا وأيرلندا. والغاية ليست إلغاء الانتماءات المحلية، بل توسيع دوائرها.

ويستند سار هنا إلى مفاهيم أفريقية مثل "التيرانغا"، أي الضيافة السنغالية، و"أوبونتو"، الفكرة القادمة من جنوب أفريقيا والتي تختصرها عبارة: "أنا موجود لأننا موجودون".

يضع سار مشروعه في مواجهة فكرة راسخة عن أفريقيا بوصفها قارة تنتظر الحلول القادمة من الخارج

هل تحتاج أفريقيا إلى إعادة التفكير في الديمقراطية؟

لا يرى سار أن الديمقراطية الغربية هي الصيغة النهائية للحكم. لكنه في الوقت نفسه لا يطرح التخلي عنها أو اعتبارها غير مناسبة للمجتمعات الأفريقية.

بل يدعو إلى العودة إلى تعدد أشكال التنظيم السياسي التي عرفتها المجتمعات الأفريقية قبل الاستعمار، والاستفادة منها إلى جانب التجارب السياسية المعاصرة حول العالم.

السؤال بالنسبة إليه ليس: هل نختار الديمقراطية أم نظامًا آخر؟

بل: كيف نبني مؤسسات تضمن تقاسم السلطة والثروة، وتحمي العدالة، وتتيح للناس المشاركة في اتخاذ القرار وحل النزاعات؟

وهنا تصبح الديمقراطية وسيلة لتحقيق هذه الغايات أكثر من كونها نموذجًا مغلقًا لا يقبل التطوير.

أفريقيا التي تصنع حاضرها

في النهاية، يضع سار مشروعه في مواجهة فكرة راسخة عن أفريقيا بوصفها قارة تنتظر الحلول القادمة من الخارج.

لا ينكر أثر الاستعمار أو الاختلالات الاقتصادية العالمية، لكنه يركز على مساحة الفعل المتاحة للدول والمجتمعات الأفريقية نفسها: التعليم، توزيع الموارد، بناء المؤسسات، توسيع مفهوم المواطنة، وإعادة تعريف العلاقة مع الآخر.

من "أفروتوبيا" إلى "صناعة الحاضر"، يبدو أن السؤال الذي يلاحق سار تغيّر قليلًا. لم يعد فقط: أي أفريقيا نريد؟ بل أصبح: كيف ننتقل من تخيّل أفريقيا المنشودة إلى بناء ملامحها في الحاضر؟

وفي قلب الإجابة، يضع مفهومًا بسيطًا في صياغته، لكنه واسع في تبعاته: أن تصبح التنمية وسيلة لتحقيق الكرامة، لا أن تصبح الكرامة نتيجة مؤجلة لنمو اقتصادي قد لا يصل إلى الجميع.

كلمات مفتاحية
الدكتور عزمي بشارة

عزمي بشارة يقدم "أرابيكا".. مشروع عربي لتأسيس مرجع معرفي شامل

يطرح مشروع "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا" نفسه بوصفه محاولة لإعادة بناء المرجعية المعرفية باللغة العربية، لا خارج العصر الرقمي، بل من داخله

المكتبات المستقلة في هونغ كونغ

فضاءات مساءلة للقراء الصينيين: لماذا تخسر هونغ كونغ مكتباتها المستقلة؟

في خضم التحولات السياسية التي تشهدها هونغ كونغ منذ سنوات، لم تعد المكتبات المستقلة مجرد مؤسسات ثقافية صغيرة تعمل على الهامش

القوة الناعمة

العقل السياسي الأميركي.. في نقد القوة الناعمة والهيمنة المعاصرة

في كتاب "القوة الناعمة" لجوزيف صموئيل ناي، طُرح مفهوم القوة الناعمة كوسيلة استراتيجية ناجحة في السياسة الدولية للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في حروبها

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة