ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

فيلم "عودة الرجل الميّت": هل يمكننا تفنيد الإيمان؟

30 ديسمبر 2025
p30372531_v_h10_aa.jpg
مُلصق فيلم "عودة الرجل الميّت" (شبكات تواصل)
مصطفى هشام مصطفى هشام

في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي؛ عُرض في السينمات العالمية فيلم "عودة الرجل الميّت"، من كتابة وإخراج ريان جونسون ومن بطولة دانيال كريج. ينتمي الفيلم الي ثلاثية "أخرجوا السكاكين" وهي سلسلة أفلام منفصلة تقدم عدد من التحقيقات البوليسية، وتتناول قضايا غامضة على طريقة روايات الكاتبة الأمريكي أغاثا كريستي.

يحكي الفيلم عن جاد دابلنتسي، وهو ملاكم سابق تسبب في وفاة منافس له في واحدة من بطولات الملاكمة، ليتجه بعدها الي الكنيسة الكاثوليكية بحثًا عن الخلاص وليصبح قِسًا، في محاولة منه لتعويض إحساسه بالذنب الداخلي العميق الذي جاوره لسنوات طويلة.

مع بداية الأحداث يتم نقل القِس جاد الي كنيسة في منطقة نائية شمال ولاية نيويورك، كي يقوم على خدمة رعيتها ولمساعدة المونسنيور جيفرسون ويك، ويعتبر ويك هو وريث هذه الأبرشية بكل ممتلكاتها، فجده الأكبر برينتس ويك كان مؤسسها الأول وهو من أجبر ابنته جريس على البقاء في الكنيسة وعدم الخروج منها كي تستحق ثروته الذي تركها لها.

تدور الأحداث ونكتشف أن جريس لم تستطع الوصول إلى ورثها فتقوم بتحطيم الكنيسة وتدنيسها، لتتحول بذلك وتصبح رمزًا للفسوق والخطيئة والدنس، ما سيدفع المونسنيور جيفرسون ويك لإعادة تأسيس كنيسته على تلك الخطيئة المجسدة في والدته، كنيسة بلا صليب وإنما مجرد أثر قديم تبقى فوق المذبح.

كنيسة الكراهية

بمجرد وصول القِس جاد الي أبرشيته الجديدة، ويحضر أولى عظات المونسنيور يلاحظ شيئًا عجيبًا، فعِظات الأب ويك لا يُقصد منها المحبة وإنما توجيه الإهانة والكراهية صوب أفراد رعيته المنضمين حديثًا إلى كنيسته، فيوّجه كراهيته صوب أم تبنت طفلة، أو صوب زوجين مثليين وهكذا، ما يجعل من بقية أعضاء الأبرشية القُدامى وكأنهم صفوة مختارة، فهم أعمدة الكنيسة نفسها في مواجهة الآخرين الدخلاء.

ينزعج الأب جاد لذلك، ويحاول مواجهة المونسنيور ويطلب منه بأن يتوقف عن التحريض ضدّ الرعية ووصمهم، فيعتدي عليه المونسنيور ويخبره، بأن الأيمان يواجه اليوم واحد من أسوء أوقاته، حيث توجد الكنيسة في مواجهة مع الحداثة، في حرب مع الماركسيين والنسويات والملحدين، إنها حرب ولا بُدّ من خوضها وعدم التعامل معها بتهاون كما يفعل القسِ جاد.

يصنع ريان جونسن هنا رمزًا عن شكل "الدين" في زمن المد الشعبوي وصعود دونالد ترامب، فالكنائس أصبحت أبواقًا سياسية لبث الكراهية ضد فئات مختلفة من الشعب، حيث يعتبر جمهور واسمع من مؤيدين ترامب في حركة MAGA بأن الانخفاض الحادث في أعداد المؤمنين يرجع الي إيديولوجيات التنوع الثقافي والجندري التي يدعمها اليسار المتطرف والجماعات المعولمة في الحزب الديموقراطي، ما يجعلهم في مواجهة عقدية مباشرة ضدّ قضايا الإجهاض والتنوع والتطعيم، ويحاولون التشنيع على المخالفين لهم بأشد الاوصاف والنظريات المؤامراتية لإلغائهم.

وتعتبر الفترة الثانية لترامب التي بدأت هذا العام هي أكبر تمثيل ممكن لفكرة "كنيسة الكراهية" ففي أيار/مايو من العام الجاري؛ أصدر قرار ينادي بتأسيس لجنة الحريات الدينية، وفي مفارقة على ما يبدو من اسمها فهي أشبه ما تكون بلجنة دينية رسمية تمارس مهامًا حكومية، هدفها تنفيذ أجندة اليمين المسيحي الشعبوي وخصوصًا في إيمانه البروتستانتي الأكثر تشددًا ضد الحريات المدنية والاجتماعية بطول الولايات المتحدة وعرضها.

يصنع ريان جونسن هنا رمزًا عن شكل "الدين" في زمن المد الشعبوي وصعود دونالد ترامب

نجد في المونسنيور ويكس نموذجًا من رجال الدين الشعبويين، الذين أسسوا كنيستهم على كل ما هو سوى حب المسيح ونور رسالته، فالرجل مع محاربته لكل من هو "آخر" على كنيسته، يقوم بتدمير أعضاء أبرشيته نفسها، حيث يحفزَ الطبيب "نات" ضد زوجته المتيم بها ما يدفعها لتركه وعدم الاكتراث بمحاولات استعادتها، واستغلال العازفة سيمون والتي أقعدها مرض عضال عن الحركة ما يجعلها أسيرة في كرسي متحرك، وكل ذلك بوعدٍ منه أن الرب سيشفيها إذا تبرعت للكنيسة، وحتى المحامية فيرا التي قامت بتربية ابن والدها لتكتشف في النهاية أنه ابن المونسنيور نفسه، وقد ضاع تعبها سدى لمحاولة خدمة رجل دين هو النقيض الكامل للمسيح.

التجربة الدينية ومعنى الإيمان

تدور قصة الفيلم حول جريمة مقتل المونسنيور ويكس، ولهذا يأتي المحقق بنوا بلون، وهو محقق مخضرم يتبع عقلية منطقية وتحليلية في التعامل مع قضاياه ويحللها كلها بناءً على منهجية ومعطيات لا تسمح بأي قفزات إيمانية أو إعجازية في الموضوع.

في المقابلة الأولى بينه وبين القس جاد الذي أصبح المتهم الأول في مقتل المونسنيور، يدافع بلون عن أن الدين هو مجرد مجموعة من القصص والأساطير التي تخفي وراءها باطل إن لم يكن شرًا أصيلًا، وبينما يتحدث بنوا بلون نجد التلاعب بالإضاءة حاضرًا، حيث تعتم السماء لوقع تلك الكلمات عليها، ثم يتناول الأب جاد طرف الحوار فينعكس نور الايمان ويضئ المكان؛ ويقول بأنها على الأغلب قصص لكنها ربما كانت طريقة الرب كي يصل بنوره إلى جميع المحتاجين، كي يسكن خوفهم ويواسيهم في مصابهم.

نجد هُنا حوارًا بين معنيين للإيمان، الأول معنى إلحادي لدى المحقق بلون، والذي يعتبر أن الدين مجرد خرافة لابد أن تكشف للعلن ولجميع الرعية، والثاني إيمان غيبي نقيّ للقس جاد، والذي يعتبر أن المسيح لم يأتِ للصراع مع أحد وأن وظيفة القِس ليست البحث عن الحقيقة أو تحقيق العدالة وإنما أن يواسي رعيته، وينير حياتهم برسالة المسيح المليئة بالحُب والتسامح والعطف والصبر في مواجهة الشدائد.

يحقق بنوا بلون في القضية، وبمساعدة القس جاد والذي استثناه من قائمة المتهمين بعد محاولتهم الأولى مباشرًا، لتأتي اللحظة النهائية في الفيلم ويبدأ المحقق في كشف حقيقة القاتل، لكنّه في اللحظة الأخيرة يمتنع عن ذلك، وهُنا تساءل الجميع حتى القس جاد، ترى لماذا سكت ولم يفصح عن القاتل؟

فيقول المحقق بنوا بلون بأن كلمة السر كانت "الطريق إلى دمشق"، لقد تذكر بولس والذي كان عدوًا حقيقيًا للإيمان المسيحي ومطاردًا لتلاميذ المسيح، حتى تحققت له رؤية المسيح وهو في طريقه إلى دمشق، فأصبح أحد أهم الشخصيات التي أعادت صياغة المسيحية ونشرها، لقد أدرك المحقق بأن الحقيقة أبعد من مجرد مجموعة الوقائع المنطقية التي تراتبت كلها فصنعت الحدث مجرى القضية.

أدرك بلون أن التجربة الدينية هي اختبار نفسي لحالات شعورية متعارضة، سواء انبساطية أو منقبضة، وفي الحالتين فللدين قدرته على تحقيق هذه الحالات والإيحاء بها، حتى لو تعارض مع الوقائع والظروف الموضوعية، ففي تلك اللحظة التي يفترض فيها أن يعلن عن المؤامرة الكنيسة التي اشترك فيها بعض رعايا الأبرشية، ويهدم سقف إيمانهم المزيف والأسطوري على رؤوس الأشهاد (كما صرح في بداية الفيلم) فإذا به يمسك عن ذلك، كي يترك فرصة أخيرة للإيمان.

نجد هنا استدعاء لمفهوم الفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس عن التجربة الدينية، والاعتراف بحضورها من موقف براجماتي، لا يرتبط بحقائق الإيمان أو العقيدة مباشرةً لكنه في التحليل الأخير، يجد تحقق لهذا الإيمان في شعور ووجدان وحتى أخلاق المؤمن، ما يجعل للتجربة واقعية منفصلة عن صدق العقائد أم بطلانها.

الفُرصة الأخيرة، هي للمخطط والمرتكب الحقيقي للجريمة كي يأتي ويعترف للقس جاد، وفرصة أخيرة للقس الشاب كي يعيد فتح كنيسته والقيام على شئون الرعية الروحي والنفسية، كي يساعد من هُم في حاجة للمساعدة بعيدًا عن أي رغبان شخصية أو أنانية وبعيدًا عن إغراء التفاحة المحرّمة، والتي كانت جوهرة تقدّر قيمتها بملايين الدولارات، هي ثروة القس الجد والتي أغرت الجميع كي يرتكبوا جرائمهما، متى حادوا عن طريق المسيح القويم.

كلمات مفتاحية
الأوديسة

الفيديو الترويجي بين "أوديسة" نولان و"ديغر" إيناريتو

في حربٍ مُعلَنة أكثر من اللازم، بدأ الاستقبال لفيلمي "الأوديسة" لكريستوفر نولان و"ديغر" لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو، قبل أن يشاهد أحدٌ من الفيلمين لقطةً واحدة مكتملة

حدث ذات مرة في السينما

"حدث ذات مرة في السينما".. عن عتمة مضاءة بالحكايات

عبر العصور، لم تكن للفنون وظيفة واضحة غير قهر الواقع، تخريبه، تفكيكه، وبالتالي عدم قبوله؛ فمن يريد الامتثال لواقع لم يرتقِ مرة إلى مصاف الرغبات، فما بالك بالأحلام؟

"دعوة للعشاء"

"دعوة للعشاء".. عن غرباء يدخلون بيتًا من وهم

منذ اللحظة الأولى، يرمينا فيلم (The Invite)، وسأسميه اصطلاحيًا "دعوة للعشاء"، في قلب دوامة عاصفة من كتلة مشاعر معقدة

كأس العالم 2026
رياضة

"ميركاتو ما بعد المونديال".. لماذا زادت أسعار اللاعبين بشكل جنوني؟

ضخ الأموال الطائلة على اللاعبين بشكل مستمر يعطي إحساسًا خادعًا للجميع بأن هذه الأسعار صلبة وطبيعية، بينما هي في الحقيقة مجرد مضاربات

كأس العالم 2026
رياضة

أكثر 4 منتخبات خيبت الآمال في كأس العالم 2026

الكثير من المنتخبات ظنّت أن كأس اللعالم 2026 ستكون أسهل بحكم تواجد 48 منتخبًا، لكنها خيّبت آمال مشجعيها

المسرح المدرسي الفلسطيني
فنون

عن المسرح المدرسي الفلسطيني

لم أقرأ لمسرحي فلسطيني اعترافًا بدور المدرسة في تفجير موهبته المسرحية

كأس العالم 2026
قول

أساءت إلى نفسها أولًا.. عن الأرجنتين التي خسرت كل شيء في "نهائي العار"

كانت الهوية القتالية مصدر قوة المنتخب الأرجنتيني، لكنها تحولت إلى عبء عندما وصلت إلى فقدان السيطرة، لم تخسر الأرجنتين لأنها قاتلت، بل لأنها لم تعرف متى تتوقف عن القتال