في مديح امرأة فلسطينية قوية
28 أكتوبر 2025
اسمها ساذج نصّار (1900-1970)، وُلدت في الناصرة وماتت في دمشق، من أصول إيرانية، والدها بديع الدين بهائي كان مقيمًا في عكا.
ساذج أبعدُ ما تكون عن السذاجة، وأقرب إلى الحكمة والشجاعة.
قيل عنها إنها أول إعلامية فلسطينية، بدأت الكتابة عام 1923 في جريدة "الكرمل" التي أسسها زوجها نجيب نصّار.
داخل الصحيفة نفسها أسست صفحة خاصة سمتها "صحيفة النساء"، استقطبت فيها عددًا من الكاتبات والكتاب دافعوا عن حقوق المرأة وواجباتها وهمومها.
كانت ساذج تؤمن بأن قضايا المرأة الفلسطينية مرتبطة بقضية الوطن، الذي كان يتعرض آنذاك لهجمة استيلاء الغزاة على أراضي الفلسطينيين ومائهم وسمائهم وتراثهم وسيادتهم.
شعارها كان: "لا حرية للمرأة دون حرية فلسطين وسيادتها، الحريتان متجادلتان، لا انفصام بينهما."
كانت تؤمن بحق المرأة في السفور، وفي مشاركة الرجل النضال والعمل والحركة والسفر والإبداع، لكنها أيضًا كانت ضد تغريب روح وثقافة المرأة الفلسطينية، وضد ترك شؤون البيت وإهمال الأطفال بحجة الحاجة إلى الحرية.
تكتب كاتبة مجهولة في جريدة "الكرمل"، توقّع باسم "قارئة" وأحيانًا "الباحثة في الصحراء".
وفي أحد مقالاتها المؤثرة عن ساذج نقرأ هذه الفقرة: "سأذكر اسميّ المستعارين اللذين أوقّع بهما كتاباتي في صحف فلسطين. أنا الطالبة المقدسية الباحثة في الصحراء، المجنونة التي جلست مع الرجال في محاضرة الكاتب الحيفاوي (أمين ريانا) بقاعة جمعية الشبان المسيحية. أنا المعجبة الأبدية بالكاتبة التي وصفها المحتلون الإنجليز بالمرأة الخطرة، ساذج نصّار. في أحد مقالاتي سميتها شمس فلسطين. هذه السيدة العظيمة صاغت دون أن تعرف شخصيتي.
التقيتها أول مرة في تظاهرة بيافا ضد الهجرة اليهودية، كانت ترفع قبضتها في الهواء وتصرخ: (لا للهجرة اليهودية)، وكنت أنا مع النساء نردد وراءها صرختها ونرفع قبضاتنا مثلها.
سحرني مشهد الشمس وهي تهتف، وحين فتحت للكاتبات الفلسطينيات مساحة الكتابة في قسم من مجلة الكرمل أطلقت عليه (صحيفة النساء)، صارت هذه الشمس مرجعية قلبي.
لكن الحدث الذي جعل من ساذج نصّار أيقونة النضال الفلسطيني كله كان قيام البريطانيين باعتقالها وحبسها مدة عام في سجن ببيت لحم بتهمة التحريض ضد الانتداب والصهيونية. زرتها في السجن أنا ورفيقاتي الكاتبات".
وتواصل الباحثة عن الصحراء: "كانت ساذج ملهمة جيلي. أتذكر ميليا وفاطمة وجميلة، صديقاتي الصحافيات المناضلات، وهن يقلن لي منفردات: أريد أن أصير مثل ساذج، أصدم النسق وأخلخل الأفكار، أدخل السجن مثل الرجال، دفاعًا عن الوطن.
سمّتني الصحافة الفلسطينية الفتاة الليبرالية. لم أحب الاسم، ولم أتأثر به، لكني أحببت اسميّ التنكريين، فقد كتبت نصوصي الأدبية في صحيفتي فلسطين والكرمل تحت اسمين مستعارين هما القارئة والباحثة في الصحراء، وهما اسمان من اقتراح رفيقة دربي نمرة طنوس.
كان طعم مجهوليتي في فمي لطيفًا جدًا، وإن كنت في داخلي أطمح إلى أن أكتب باسمي الصريح.
كانت قدوتنا في ذلك ساذج العزيزة، قالت لنا مرة: "صدمة المجتمع دفعة واحدة مغامرة لن تنجح، كل هذه الطبقات من الجهل لن تسقط منها ذرة دون ذكائنا وحكمتنا نحن النساء القويات، نبدأ بصدمات صغيرة ثم نتوسع، حتى نطيح بالصخرة الكبيرة التي اسمها الجهل".
شاركت ساذج نصّار في تأسيس جمعية الاتحاد النسائي العربي مع عدد من المناضلات والكاتبات، وحاولت تنظيم ودعم حقوق المرأة الريفية، خصوصًا نساء ريف بيسان.
وشاركت في العديد من المؤتمرات النسوية العربية لتوحيد جهود النساء العربيات في الدفاع عن حرية المرأة وحرية فلسطين.
ساذج ليست فقط أول إعلامية في فلسطين، بل هي أيضًا أول امرأة فلسطينية تُعتقل إداريًا عام 1938 من قبل سلطات الانتداب، وكانت تهمتها إمداد الثوار بالسلاح.
أمضت "المرأة الخطرة" ثلاثة عشر شهرًا في أحد معتقلات بيت لحم، وضجّت فلسطين كلها بمظاهرات حاشدة احتجاجًا على اعتقالها.
كيف تبدو صورة ساذج في مرآة زمننا هذا؟
سؤال صعب ومؤلم.
تتحرك صورة ساذج في دوائر البحث الجامعي الأكاديمي كامرأة إعلامية مناضلة، وتمر في ذهن الطلاب بهدوء دون انفعال أو افتخار أو فضول، لكن حتى هذا لم ينعكس على ممارسات فعلية لتكريمها أو التذكير بها.
فمثلًا كنت أحب أن تكون هناك قاعة باسمها في جامعاتنا، أو شارع في مدننا، أو جائزة تحمل اسمها.
تخيلوا جمال إيقاع هذه العبارة: "جائزة ساذج نصّار للمقال الصحفي".
الغريب أن زوجها المناضل نجيب نصّار له شارع باسمه في رام الله، وهناك عدد من الكتب عن حياته، ويتردد اسمه كمؤسس لجريدة "الكرمل"، وطلاب الإعلام في فلسطين ومدرسوه يعرفونه أكثر من ساذج.
حزين لأجلك يا ساذج، فكل مقالاتك التي كتبْتِها عن حرية ومكانة المرأة لم تؤثر على النظرة الذكورية الفلسطينية. شخص واحد أنصفك، وهو زوجك نجيب نصّار حين قال:"إن لم أدخل التاريخ بجريدة الكرمل، فسأدخله بساذج".







