قافلة "الصمود 2" تتراجع عند سرت: المساعدات لغزة تصطدم بالواقع الأمني والسياسي في ليبيا
26 مايو 2026
قررت قافلة "الصمود 2" المغاربية إنهاء مسارها والعودة إلى بلدانها، بعد سلسلة من التطورات الأمنية التي عطّلت وصولها إلى قطاع غزة.
القافلة التي انطلقت محمّلة بمساعدات إنسانية وطبية، وصلت إلى مشارف مدينة سرت الليبية قبل أن تتوقف عند نقطة تُعدّ من أكثر مناطق التماس حساسية في البلاد، المنقسمة سياسيًا وأمنيًا.
القرار جاء بعد تصعيد ميداني تمثل في احتجاز عدد من المشاركين وقطع التواصل معهم، ما دفع قيادة القافلة إلى التمركز ثم الانسحاب التدريجي "تجنبًا لتصعيد أكبر".
اعتقالات على بوابة سرت: لحظة قلبت مسار القافلة
بحسب هيئة القافلة، فقد جرى توقيف عشرة مشاركين من قبل قوات موالية للواء المتقاعد خليفة حفتر عند بوابة سرت الغربية أثناء عبورهم نحو الشرق ضمن الرحلة البرية المتجهة إلى الحدود المصرية.
الموقوفون، وبينهم أطباء ومتطوعون من جنسيات متعددة (الأرجنتين، الأوروغواي، إسبانيا، إيطاليا، البرتغال، بولندا، تونس، والولايات المتحدة)، كانوا ضمن قافلة تضم سيارات إسعاف وشاحنات مساعدات إنسانية.
تعاطي سلطات الشرق مع القوافل الإنسانية لا ينفصل، وفق محللين، عن شبكة علاقات إقليمية أوسع، خصوصًا مع مصر، التي تنسق معها بنغازي بشكل وثيق في ملفات الحدود والهجرة والأمن الإقليمي
انقطاع الاتصال بالموقوفين، وعدم صدور توضيحات مفصلة حول وضعهم، ساهم في رفع منسوب التوتر داخل القافلة وأضعف هامش الاستمرار شرقًا.
إيطاليا على خط الأزمة
سرعان ما اكتسبت القضية بعدًا دوليًا، بعد تأكيد وسائل إعلام إيطالية نقل اثنين من النشطاء الإيطاليين إلى مدينة بنغازي، حيث وُضعا قيد الإجراءات القانونية باعتبارهما "مهاجرين غير شرعيين". وزارة الخارجية الإيطالية أعلنت متابعتها للملف عبر وحدة الأزمات، فيما تحدث وزير الخارجية عن اتصالات مع الجانب الليبي، وأمل في تسريع الإجراءات لإعادتهما إلى بلادهما.
رواية سلطات شرق ليبيا: "السيادة قبل العبور"!
في المقابل، قدّمت السلطات التابعة لحكومة مجلس النواب في شرق ليبيا رواية مختلفة، مؤكدة أن دخول القافلة تم دون استكمال الإجراءات القانونية والتصاريح المنظمة، مدعية أن ما جرى يندرج ضمن "تطبيق السيادة الوطنية".
وشددت هذه السلطات على أن التعامل مع الملف يتم في إطار قانوني وإنساني في آن واحد، مع التأكيد على أن جميع الموقوفين "يحظون بالرعاية الصحية والمتابعة"، إلى حين استكمال الإجراءات.
كما أشارت إلى أن المعبر الحدودي مع مصر يخضع لترتيبات ثنائية محددة تقتصر على مواطني البلدين، ما يجعل أي عبور خارجي خاضعًا لقيود تنظيمية صارمة.
لكن هذه المقاربة، وفق مراقبين، تعكس نمطًا أوسع في إدارة القوى الحاكمة في شرق ليبيا، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع حسابات سياسية مرتبطة ببنية السلطة في بنغازي، وبسعيها لترسيخ موقعها كفاعل يفرض سيطرته شرق البلاد، رغم استمرار حالة الانقسام المؤسسي في ليبيا.
أبعاد إقليمية
تعاطي سلطات الشرق مع القوافل الإنسانية لا ينفصل، وفق محللين، عن شبكة علاقات إقليمية أوسع، خصوصًا مع مصر، التي تنسق معها بنغازي بشكل وثيق في ملفات الحدود والهجرة والأمن الإقليمي.
هذا التنسيق، الذي يُقدَّم رسميًا باعتباره "تعاونًا أمنيًا"، ينعكس عمليًا على تشديد حركة العبور عبر الأراضي الليبية الشرقية، بما في ذلك القوافل ذات الطابع الإنساني.
كما يرى مراقبون أن هذا النهج ينسجم مع مقاربة إقليمية أوسع تعتمدها أطراف داعمة لمعسكر شرق ليبيا، تقوم على تغليب الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية، ما يضع المبادرات الإنسانية أمام قيود سياسية غير معلنة.
القافلة بين الهدف والواقع: من غزة إلى سرت
ضمت "قافلة الصمود 2" أكثر من 200 مشارك، إلى جانب شاحنات مساعدات وسيارات إسعاف، ضمن مبادرة إنسانية تهدف إلى الوصول إلى قطاع غزة عبر المسار البري.
لكن الواقع الميداني فرض معادلة مختلفة، قوامها مسار طويل يمر عبر دول متعددة، ونقاط تفتيش أمنية شديدة الحساسية، إضافة إلى اشتراطات سياسية لا تقل تأثيرًا عن الاعتبارات اللوجستية. وبهذا، تحوّل المسار الإنساني إلى اختبار سياسي معقد، لا يمكن فصله عن طبيعة الانقسام الليبي وارتباطاته الخارجية .
وبدل أن تكون سرت مجرد ممر نحو الشرق، أصبحت نقطة توقف قسري يُعاد عندها تقييد الحركة الإنسانية، وتحديد ما هو مسموح به سياسيًا وأمنيًا، ما يجعل حتى المبادرات الإغاثية رهينة لتوازنات وحسابات معقدة.
من "الصمود 1" إلى "الصمود 2"
ما يحدث اليوم يعيد إلى الذاكرة تجربة قافلة "الصمود 1" العام الماضي، حين توقفت مجموعات تضامنية قرب سرت قبل أن تنتهي المحاولة بانسحاب تدريجي بعد توقيف عدد من المشاركين.
ويأتي هذا التكرار في سياق أوسع يرتبط بنمط تعامل سلطات الشرق مع القوافل المتجهة نحو غزة، حيث يُنظر إليها ضمن منظومة اعتبارات أمنية وسيادية صارمة، لكنها تثير في المقابل أسئلة حول حدود هذا التشدد، ومدى ارتباطه بحسابات سياسية داخلية وإقليمية تتجاوز ما هو معلن.
غزة ليست النهاية بل اختبار الطريق إليها
في السنوات الأخيرة، لم تعد القوافل الإنسانية مجرد مبادرات إغاثية، بل أصبحت جزءًا من مشهد سياسي إقليمي متشابك، حيث تتحول غزة بوصفها وجهة رمزية إلى اختبار لمواقف الدول وشبكات التحالفات الإقليمية. وبينما تحمل هذه القوافل رسالة إنسانية واضحة، فإنها تتحرك داخل بيئة تتداخل فيها السياسة بالأمن، ويصبح فيها المرور نفسه قضية سيادية حساسة.
ففي هذا السياق، لم يعد الطريق إلى غزة يُقاس بالمسافة الجغرافية، بل بطبقات من القرار السياسي والتوازنات الأمنية والاصطفافات الإقليمية، ما يجعل مثل هذه المبادرات أقرب إلى اختبارات سياسية معقدة منها إلى رحلات إغاثية تقليدية.