"قلب سانت باولي": عندما تحولت أغنية شعبية من رمز جماهيري إلى عبء تاريخي
6 نوفمبر 2025
منذ شباط/فبراير الماضي، ساد صمت غير مألوف مدرجات ملعب ميلرنتور، مع غياب نشيد "قلب سانت باولي" الذي لطالما رافق مباريات النادي الألماني اليساري الشهير.
الأغنية التي كانت تُبثّ منذ أكثر من عشرين عامًا، تم تعليقها بعد تحقيق أجراه متحف النادي كشف أن مؤلفيها، الكاتب والملحن والمغني، كانوا جميعًا على صلة بالدعاية النازية، بل مدرجين ضمن قائمة "الموهوبين من الله" التي أعدّها جوزيف غوبلز لحماية رموز الثقافة الموالين للنظام.
من رمزية جماهيرية إلى عبء تاريخي
حسب تقرير نشرته صحيفة "ذا أثلتيك"، فالأغنية التي تحمل اسم الحيّ الشهير في هامبورغ، كانت تُعتبر جزءًا من هوية النادي، خاصة بنسختها البانك التي أدّتها فرقة محلية. لكن أصلها يعود إلى فيلم من بطولة هانز ألبيرز، نجم المسرح والسينما الألماني، الذي أدّى النسخة الأصلية في خمسينيات القرن الماضي. ألبيرز، رغم تصريحاته السلبية عن النازيين، شارك في أفلام دعائية وواصل مسيرته داخل ألمانيا حتى بعد اضطرار حبيبته اليهودية للفرار إثر "ليلة الزجاج المكسور" عام 1938.
الأغنية التي كانت تُبثّ منذ أكثر من عشرين عامًا، تم تعليقها بعد تحقيق أجراه متحف نادي سانت باولي، كشف أن مؤلفيها، الكاتب والملحن والمغني، كانوا جميعًا على صلة بالدعاية النازية
أما الملحن مايكل جاري، فقد غيّر اسمه من "ماكسيميليان يارتشيك" لتفادي التنمّر المعادي لليهود، وكان ضمن قائمة غوبلز. شريكه في الكتابة، برونو بالس، اعتُقل بسبب ميوله الجنسية، ثم أُفرج عنه بعد تدخل جاري لدى وزارة الدعاية.
الباحثة في العلوم السياسية والإعلامية، سيلينا ألبرتز، كانت وراء التحقيق الذي كشف هذه الروابط. بدأت رحلتها من بودكاست المتحف، بعد اقتراح من أحد المستمعين للبحث في علاقة النادي بميناء المدينة، وهو ما ورد في أحد أبيات الأغنية. تقول ألبرتز: "بدأت بألبيرز، ثم اكتشفت أن الكاتب جوزيف أوليغ كان مراسلًا حربيًا في سلاح الجو، يكتب تقارير دعائية تُوزّع عبر وزارة الدعاية".
ورغم أن أوليغ لم يكن ضمن قائمة غوبلز، إلا أن تقاريره كانت من النوع "المشحون بالدعاية"، بحسب ألبرتز، التي تشير إلى وجود دراسات تقارن بين مستويات الاختراق الدعائي في تقارير المراسلين الحربيين، وتضع أوليغ في الطرف الأكثر تطرفًا.
بين الانقسام الجماهيري والوعي المؤسسي
في شباط/فبراير الماضي، أعلن النادي تعليق الأغنية مؤقتًا. رئيس النادي أوكي غوتليش قال: "نعلم أن للأغنية قيمة عاطفية كبيرة، لكن النشيد في الملعب يجب أن يوحّد، لا أن يقسّم". ورغم أن غوتليش قوبل بصيحات استهجان من بعض الجماهير في أول مباراة بعد القرار، فإن مسؤول الأمن في النادي، سفين بروكس، ردّ قائلاً: "النشيد لا يعمل إذا كان 30 أو 40 في المئة من الجمهور ضده. علينا أن نناقش الأمر".
وفي حزيران/يونيو، نُشر التقرير الكامل الذي أعدّته ألبرتز بالتعاون مع المؤرخ بيتر رومر، دون توصيات مباشرة. وفي تموز/يوليو، عُقدت جلسة نقاش مفتوحة لأعضاء النادي، حضرها جمهور متنوع، وطرحت خلالها اقتراحات مثل الإبقاء على اللحن وتغيير الكلمات. لكن القرار النهائي كان واضحًا: لا خطط لإعادة تشغيل الأغنية.
المتحدث باسم النادي، باتريك غينسينغ، قال: "أجرينا مراجعة علمية دقيقة، وناقشنا النتائج، وقررنا التوقف عن استخدام الأغنية كنشيد رسمي. من المهم ألا ننجرّ وراء العواطف، بل أن نتحلى بالاتزان".
نقاش لم ينتهِ بعد
رغم الدعم الواسع لألبرتز، لم يكن الإجماع كاملاً، خاصة على وسائل التواصل. زميلها في المتحف، كريستوفر رادكه، علّق: "البعض يتحدث عن النازية وكأنها غزو فضائي نزل على ألمانيا، متجاهلين أن كثيرًا من الأجداد كانوا جزءًا من النظام". ألبرتز تضيف: "حتى السبعينيات، لم يكن هناك نقاش مجتمعي حقيقي. كثيرون قالوا: نحن أيضًا ضحايا، فقدنا أهلًا ومدنًا. لكن قلة فقط واجهت مسؤوليتها".
وتتابع: "عندما بحثت في تاريخ عائلتي، كانت تجربة مؤلمة. تمنّيت أن أجد شيئًا مختلفًا، لكنني واجهت حقائق صعبة. ومع ذلك، أنصح الجميع بالقيام بذلك. كثيرون يعتقدون أن أجدادهم كانوا مقاومين أو ساعدوا اليهود، لكن الأبحاث تشير إلى أن أقل من 0.3% فقط فعلوا ذلك".
بالنسبة لكثيرين، كانت الأغنية جزءًا من حياتهم. ألبرتز تروي قصة قريبتها التي ورثت تذكرة زوجها بعد وفاته، وظلّت تحضر المباريات وتربط الأغنية بذكراه. تقول: "عندما أخبرتها بنتائج بحثي، قالت لي: أوه، أحب تلك الأغنية. لكنها دعمتني، لأن ثقافة التذكّر الحقيقية تتطلب مواجهة الحقائق، حتى لو كانت مؤلمة".
في الموسم الحالي، قرر النادي النشط في البوندسليغا تجربة أغانٍ جديدة كل أسبوع، على أمل أن تنشأ علاقة عضوية مع نشيد بديل. لكن الجدل لم ينتهِ، والنقاش حول الذاكرة، الهوية، والمسؤولية التاريخية لا يزال مفتوحًا، سواء كان ذلك في سانت باولي، أو في ألمانيا كلها.






