ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"قيمة عاطفية": السينما كذريعة أخيرة للاعتذار

15 ديسمبر 2025
قيمة عاطفية
الفيلم النرويجي "قيمة عاطفية" (منصة إكس)
عبير داغر اسبرعبير داغر اسبر

في الفيلم النرويجي "قيمة عاطفية" (Sentimental Value)، يعود يواكيم ترير إلى ثيمة العائلة، مقاربًا إياها كما لو كانت نسقًا سينمائيًا متكامل البنية والأركان. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان 2025 ونال "الجائزة الكبرى" (Grand Prix)، كُتب من داخل فجوة عميقة في تاريخ العائلات، من سوء الفهم التاريخي بين أب وابنته. فجوة لا يمكن ردمها بالكلام، بل بتحويل ذلك الكلام إلى حكاية، وشخصيات، ودوافع، وأمكنة جغرافية وزمانية، تُردم بمحاولة لصناعة فيلم. وليكن هذا الفيلم الأخير.

الأب، الذي يجسّده ستيلان سكارسغارد، هو أب بخطيئة أصلية: الغياب، والتنحي عن حياة ابنتيه. في الفيلم، لم ينسحب الأب لجني القوت، ولا للبحث عن المعنى، ولا لخوض حرب، ولا انتصارًا لقضية سامية. يغيب المخرج العظيم لتورطه بإغراء السينما وأجوائها وبهرجها حتى النخاع. أنجز البطل، "الأب"، أعمالًا عظيمة، وحصّل شهرةً، وفرصًا، ونساءً جذّابات بالطبع، لكن بعد سنوات طويلة، كلّ شيء هدأ وذبل. ها هو الأب يعود إلى أوسلو محاولًا، كما يحدث دومًا، إنقاذ ما تبقّى من حياته المهنية والعائلية عبر فيلم أخير.

في "قيمة عاطفية"، تمثّل السينما حالة اعتراف "تطهيري" بالمعنى الإغريقي: اعترافًا مثقلًا بالندم، ونزيفًا لجروح غير ملتئمة. يأتي الأب بمشروعه الختامي راغبًا في إسناد البطولة لابنته نورا، الممثلة المسرحية التي تؤديها ريناته راينسفه. ترفض بجملة حوارية مبرّرة: "لا أستطيع. لا أستطيع التحدث معه". دون حبكة صراع تقليدية، ودون انفجارات عنيفة، ينزلق التوتر في جيب الزمن إلى حين. يمنح الأب المخرج الدور لنجمة أميركية شابة تؤديها إيل فانينغ. تدخل هوليوود، وبريق الصناعة والإنتاجات الضخمة، بوصفها عنصرًا دخيلًا لكنه مرغوب، ليُعاد ترتيب توتر العلاقات العائلية من جديد.

في "قيمة عاطفية"، تمثّل السينما حالة اعتراف "تطهيري" بالمعنى الإغريقي: اعترافًا مثقلًا بالندم، ونزيفًا لجروح غير ملتئمة

يروي ترير، بإحكام وقصدية، حكاية صلح، مكرّسًا عبر تقنية "الفيلم داخل الفيلم" لمفهوم الغفران أو "الاعتذار المتأخر"، مستخدمًا السينما لإعادة كتابة علاقته بابنته. وهو ما جعل استقبال الفيلم يتجاوز الإعجاب الجمالي "الإستيتيكي" الخام إلى شعور بالرضى عن النضج العاطفي الذي غمر به المشاهدين. عمل لا ينفصل عن إرث ترير نفسه، من "استعادة" (Reprise) إلى "أسوأ رجل في العالم" (The Worst Person in the World)، مانحًا الأب سلطة، ولو محدودة، ليستعيد حكايته وحكاية اعتذاره المتأخر.

لا يسعى "قيمة عاطفية" إلى استدرار العواطف. ما يفعله بإتقان وأستاذية هو وضع كتلة المشاعر داخل ظرف ضاغط مهيّأ للانفجار، لكنه لا ينفجر ولا مرة. حالة اللانفجار هذه تنقذ موضع الفيلم المركزي من الابتذال. موسيقى جازية ممتعة، نينا سيمون على الأرجح، تسحب كل البارود من مشاهد المواجهات الكبرى. دون خطاب أخلاقي عالي النبرة، ودون انهيارات نفسية، ودون اعترافات سايكوباتية لنرجسي لا يتوب. يمضي الفيلم من ذروة إلى ذروة أبعد وأعلى. وربما كان هذا ما جعله يحظى باستقبال نقدي داعم، إذ اعتُبر أحد أهم أفلام العام.

التمثيل: جسد الحقيقة المقدّس

يتجاوز التمثيل في "قيمة عاطفية" دوره كعنصر أولي في فيلم جيّد. يغدو مشاغبًا على أي عنصر آخر، من تصوير، وحركة كاميرا، ومكان مدروس، وبيئة منقولة بعناية. ينهض التمثيل هنا بدور آخاذ، مدافعًا عن اللبنة الأولى في بناء الفيلم السينمائي. من دونه، يخسر الفيلم كثيرًا من بهائه. أداء ستيلان سكارسغارد يستند، دون خفر، إلى إرثه الطويل في تجسيد الأب الأوروبي المثقف، المتهالك من الداخل، المعذّب بالشك والعدمية. صوته منخفض، جمله مقتضبة، وحضوره الجسدي طاغٍ بجاذبية مخدّرة. كل ما فيه مرتكز إلى أرض يدّعي في كل حين أنها صلبة. عضلاته وحركة جسده مشدودتان إلى الخلف. يجسّد عجز أب لا يعرف لغة عاطفية خارج ما تقدّمه السينما من لغة.

في المقابل، تبني ريناته راينسفه أداءها المسرحي، الذي تهاوى مع كل دور، لتعود وتبني ذاتها معه عبر الرفض الصامت لمفهوم الضحية. تُبقي، على الدوام، مسافةً واقتصادًا صارمين في التعبير. تحاذر الغرق في سينتمنتالية رخيصة. نظرات قصيرة، توقيت دقيق، وأكثر ما يُفهم هو لحظة الصمت. أمّا إيل فانينغ، فتقدّم شخصية ممثلة محترفة ذات وعي خفيف الوقع، حيث نادرًا ما أتاحت هوليوود لممثلاتها غير ذلك.

من الصعب مشاهدة "قيمة عاطفية" دون أن تُستدعى تلقائيًا سينما الأب والابنة عند إنغمار بيرغمان وكوري-إيدا. يبدو يواكيم ترير ابنًا شرعيًا لتلك الروحية. يقف هناك، في المسافة التي ينسحب فيها الأب من دوره. تبقى الابنة شاهدةً شرسة الوعي. لا يقربها النسيان، ولا تتيح لها الذاكرة أن تغفر حتى.

يتجاوز التمثيل في "قيمة عاطفية" دوره كعنصر أولي في فيلم جيّد. يغدو مشاغبًا على أي عنصر آخر، من تصوير، وحركة كاميرا، ومكان مدروس، وبيئة منقولة بعناية

أوروبا الحكّاءة الفضائحية

بعد حربين عالميتين مزلزلتين، وانهيار فكري وأخلاقي خلّفته النازية والفاشية، لم يكن الاعتذار واردًا في السيكولوجيا الأوروبية، والعالمية أيضًا. الآباء والسلطات لا يعتذرون، يقرّرون فقط. إلى أن أتت سينما إنغمار بيرغمان، فظهر الاعتذار كثيمة أساسية، تشريحًا قصديًا للتصدّع وما قد يعنيه الشرخ الروحي. إن ذهبنا أعمق في تاريخ السينما في السبعينيات والثمانينيات، اتخذ الاعتذار شكل المواجهة. شخصيات تصرخ، تواجه، تضع جراحها على الطاولة. ومع سينما ميشائيل هانيكه وكريستيان مونجيو ونوري بيلغي جيلان، صار الاعتذار نفسه موضع مساءلة جمالية أكثر مما هو أخلاقية.

ينتمي "قيمة عاطفية" إلى لحظة مهزوزة البنيان، تقع بين الإفصاح وعدمه. هناك، حيث يغفر الفن المتقن كل الهفوات. الغياب، والنرجسية، والقسوة المنفلتة دون مبرر، تُحلّ عبر تفهّم دوافع شخصيات مختلقة. كل الأسئلة العالقة عبر سنوات من خيبة الأمل، ومن الانسحاب العاطفي والجسدي، يُصلح فيها حوار مكتوب ببراعة العلاقةَ المتهدّمة بين أب وابنة.

لكل هذا، يتيح لك فيلم "قيمة عاطفية" أن تتابع بتؤدة النظر إلى تاريخ الاعتذار في السينما الأوروبية بوصفه سيرة طويلة لتعلّم الإفصاح. سينما "الاعتذارات المتأخرة"، إن صحّ التعبير، هي سيرة شخصيات صمتت بالرغم من معرفتها بالحقيقة.

كلمات مفتاحية
فيلم "الخطأة"

"الخطأة": العنصرية كخطيئة أميركية أولى

طل فيلم "الخطأة" (Sinners) على عالمنا، من العالم الوحشي للعنصرية

صراط

"صراط": جغرافيا الضياع في وطن من تيه

لا يُدخلك فيلم صراط (Sirāt) إلى عالمه بسهولة، إذ يبدو منذ البداية كفقاعة زمنٍ وجغرافيا منسحبة من خرائط هذا الكون، مرسومة الحدود جغرافيًا ومعرفيًا وقانونيًا

غولدن غلوب Hamnet

جوائز الغولدن غلوب: هيمنة "One Battle After Another" و"Hamnet" يصنع المفاجأة

بدت جوائز الغولدن غلوب هذا العام وكأنها مرآة لمرحلة انتقالية تعيشها هوليوود

 جياني إنفانتينو
رياضة

إنفانتينو يهاجم "الفوضى" في نهائي أمم أفريقيا وعقوبات تنتظر السنغال

تحوّل نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 في الرباط من عرس كروي منتظر إلى واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ البطولة

ترامب في الأمم المتحدة
سياق متصل

مشروع ترامب لتجاوز الأمم المتحدة: "مجلس السلام" في غزة يفتح باب الصدام الدولي

مجلس السلام يحمل في طياته بياناً سياسياً خطيراً؛ مفاده أن العالم لم يعد يُحكم بالقانون، بل بالقوة التي تمتلك السلاح والنفوذ

طهران
مناقشات

عن الاعتبارات الإسرائيلية الكامنة خلف تأجيج مناخ الحرب على إيران

منذ عدة أسابيع، تشهد المنطقة تصعيدًا متصاعد الحدّة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تشهد فيه الأخيرة احتجاجات داخلية عنيفة

دونالد ترامب
سياق متصل

ترامب بعد عام من ولايته الثانية: إعادة رسم الشرق الأوسط بقوة النفوذ والصفقات

بعد انقضاء عام على بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بات جليًا أنه عاد إلى البيت الأبيض بنهج أكثر صدامية، وبجرأة أكبر في توظيف النفوذ الأميركي خارجيًا