كوبا في العتمة.. أزمة طاقة تتقاطع مع تهديدات أميركية ودور صيني
23 مارس 2026
تشهد كوبا اليوم أزمة طاقة غير مسبوقة، تتجاوز كونها مجرد انقطاع للكهرباء لتتحوّل إلى مأزق متعدد الأبعاد، يشمل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. الأعطال المتكررة في الشبكة الوطنية، إضافة إلى الحصار النفطي الأميركي وغياب الإمدادات الخارجية، تركت عشرات الملايين من الكوبيين دون كهرباء، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الحياة اليومية عبر المدن والمناطق الريفية.
انهيار الشبكة الوطنية: تكرار يثير القلق
في 19 مارس/آذار الجاري، شهدت كوبا انهيارًا شاملاً لشبكتها الوطنية للمرة الثالثة خلال شهر، بعد توقف مفاجئ لإحدى وحدات التوليد في محطة "نويفيتاس" الحرارية بمقاطعة كاماغوي شرق البلاد. أدى ذلك إلى انقطاع الكهرباء عن نحو 10 ملايين شخص، أي ما يقارب سكان العاصمة هافانا وعدد من المدن المحيطة.
وفي خطوة عاجلة، أعلنت وزارة الطاقة والمناجم الكوبية في وقت مبكر من صباح الأحد أنها أنشأت دوائر كهربائية مصغرة في مختلف الأقاليم، بهدف تزويد الخدمات الحيوية بالكهرباء، بما في ذلك المستشفيات، محطات ضخ المياه، وتوزيع المواد الغذائية، لضمان استمرار الحد الأدنى من النشاط اليومي للسكان أثناء جهود إعادة تشغيل الشبكة الوطنية.
لكن استعادة التيار كانت جزئية، إذ شملت نحو نصف العاصمة و43 مستشفى فقط، فيما ظلّت مناطق واسعة بلا كهرباء لساعات طويلة، ما أثر على حياة السكان والخدمات الحيوية. وأكدت شركة الكهرباء الحكومية "يو.إن.إي" أن إعادة تشغيل أكبر محطة كهرباء تعمل بالنفط ستساهم لاحقًا في تحسين الإمدادات، لكنها شددت على أن هذه الإجراءات مؤقتة أمام بنية تحتية قديمة لم تتلقَ الاستثمار أو الصيانة اللازمة منذ سنوات.
شهدت كوبا انهيارًا شاملاً لشبكتها الوطنية للمرة الثالثة خلال شهر، بعد توقف مفاجئ لإحدى وحدات التوليد في محطة "نويفيتاس" الحرارية بمقاطعة كاماغوي شرق البلاد
أزمة الوقود… قلب المشكلة
تعقدت الأزمة بفعل استمرار الحصار النفطي الأميركي منذ مطلع العام، الذي أوقف واردات الوقود الحيوية من فنزويلا، الحليف التقليدي لهافانا، ما أدى إلى تقنين بيع الوقود للمركبات وتعطيل وسائل النقل وتخفيض ساعات العمل في المصانع والخدمات. الإنتاج المحلي من الوقود يغطي نحو 40% فقط من احتياجات البلاد، ما يجعل كوبا أمام مأزق مزدوج: بنية تحتية قديمة وإمدادات خارجية محدودة، الأمر الذي يضاعف الانقطاعات اليومية ويضغط على الاقتصاد، من العمل والتعليم إلى الخدمات الصحية.
المستشفيات والمرضى… أزمة إنسانية مباشرة
كان للأزمة أثر إنساني واضح، إذ توقفت بعض المستشفيات عن تقديم خدماتها، وتعطلت الأجهزة المنزلية، وفقد السكان القدرة على تخزين الطعام أو تأمين المياه.
وقالت سولييدي كريسبو، أم لطفلين، لوكالة "أسوشيتد برس": "بسبب انقطاع الكهرباء وانخفاض الجهد، تعطلت ثلاجتي اليوم. وإذا لم تتوفر الكهرباء غدًا، فلن نتمكن من الحصول على الماء".
وأضافت ماريا ريغلا كاردوسو، ربة منزل: "أترك كل شيء بيد الله. أيًا كان شكل الوضع، علينا فقط أن نواجهه".
وأدت الانقطاعات إلى اضطرار المستشفيات للعمل بمولدات احتياطية محدودة، ما أثر مباشرة على قدرة أقسام الطوارئ والعناية المركزة على تقديم الرعاية، وتعطّل تشغيل الأجهزة الطبية الحساسة، وتأجيل بعض العمليات الجراحية، ما رفع المخاطر على حياة المرضى. كما تواجه المستشفيات نقصًا حادًا في الوقود اللازم لتشغيل المولدات، مما يهدد تخزين الأدوية الحساسة للحرارة وتشغيل أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة مراقبة المرضى.
وحذرت منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان من أن استمرار انقطاع الكهرباء لفترات طويلة يعرض حياة المرضى للخطر، لا سيما أولئك في أقسام الرعاية الحرجة والمواليد الجدد الذين يعتمدون على أجهزة طبية مستمرة التشغيل.
تصعيد أميركي وكوبا تؤكد جاهزيتها الدفاعية
مع تفاقم أزمة الطاقة، صعّدت الإدارة الأميركية الضغط على كوبا، ليس فقط عبر الحصار النفطي ومنع وصول شحنات الوقود، بل أيضًا من خلال خطاب تصعيدي للرئيس دونالد ترامب، الذي أعلن عن توقعه "الاستيلاء على كوبا" قريبًا، مؤكدًا أنه يرى لنفسه الحق في اتخاذ أي إجراء تجاه الجزيرة الكاريبية.
وتفاقم التوتر بعد رفض هافانا طلب السفارة الأميركية لاستيراد الديزل لمولداتها الخاصة، ما دفع واشنطن للتلويح بتقليص طاقمها الدبلوماسي في هافانا، والمطالبة برد مماثل تجاه البعثة الكوبية في واشنطن، في خطوة تعكس تصاعد الأزمة السياسية إلى مستويات دبلوماسية غير مسبوقة.
وردت كوبا بالتأكيد على جاهزية قواتها المسلحة لمواجهة أي تهديد محتمل، مع التشديد على أن هدفها حماية السيادة وضمان استمرار حياة المواطنين دون الانزلاق إلى التصعيد العسكري. وقال نائب وزير الخارجية الكوبي، كارلوس فرنانديز دي كوسيو: "جيشنا على أهبة الاستعداد دائمًا، لكننا لا نرغب في نزاع مع الولايات المتحدة. لدينا الحق في حماية أنفسنا، ومستعدون للجلوس للحوار".
يشار إلى أن وسائل إعلام أميركية كشفت أن مسؤولين كوبيين وأميركيين يجرون مفاوضات حول مستقبل الجزيرة، إلا أن إدارة دونالد ترامب تدفع في اتجاه تخلي الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل عن الحكم.
الصين تدخل المشهد… دعم بالطاقة الشمسية
برزت الصين كلاعب أساسي في دعم كوبا، عبر مشاريع الطاقة المتجددة. فقد قدمت بكين آلاف أنظمة الطاقة الشمسية للمنازل، وشملت المستشفيات والعيادات ودور رعاية كبار السن، وفق وكالة "شينخوا". كما ساهمت في إنشاء 49 محطة طاقة شمسية على مستوى الجزيرة، مع خطط لإضافة المزيد حتى عام 2028، ما رفع مساهمة الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء إلى أكثر من 20% من إجمالي الطاقة الوطنية.
وأكد السفير الصيني في هافانا، هوا شين، أن الصين تعتبر أميركا اللاتينية والكاريبي "عائلة واحدة من الدول ذات السيادة"، ولن تسمح بأن تكون "ساحة خلفية لأي دولة"، في إشارة إلى رفض النفوذ الأحادي للولايات المتحدة. يمثل الدعم الصيني مخرجًا عمليًا لكوبا من الحصار، ويمنح بكين أدوات للتأثير الجيوسياسي في الكاريبي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية والطاقة المتجددة.
المساعدات الدولية… مواجهة الظلام اليومي
مع تزايد حاجة السكان للكهرباء والغذاء والدواء، وصلت قوافل مساعدات دولية إلى كوبا، حاملة أطنانًا من الإمدادات الطبية، والألواح الشمسية، والمواد الغذائية، إلى جانب وفود من 33 دولة. كما من المتوقع وصول ناقلة النفط الروسية "أناتولي كولودكين" الخاضعة للعقوبات الغربية، حاملة 730 ألف برميل من النفط الخام، رغم التحذيرات الأميركية الصارمة من استقبالها.
كان من المقرر أن تصل ناقلة تحمل حوالي 180 ألف برميل من وقود" الديزل الروسي" إلى كوبا خلال أيام، تكفي احتياجات البلاد لعشرة أيام فقط.
رغم هذه الجهود، تواجه كوبا صعوبة في مواجهة تدهور البنية التحتية، إذ عجزت الشبكة الكهربائية القديمة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك ضخ المياه للقرى وتشغيل الأجهزة المنزلية، فيما توقفت المستشفيات جزئيًا نتيجة انقطاع الكهرباء المتكرر.
وفي الوقت ذاته، شهدت البلاد احتجاجات محدودة، أبرزها حرق مكتب الحزب الشيوعي في بلدة مورون، بينما عبّر السكان في هافانا عن استيائهم من الانقطاعات، ما يعكس تصاعد الضغوط الاجتماعية وامتداد الأزمة إلى الحياة اليومية للمواطنين.
اختبار للتوازنات الإقليمية والدولية
لم تعد أزمة الطاقة في كوبا مسألة انقطاع للكهرباء فحسب، بل تحولت إلى اختبار مباشر للتوازنات الدولية والإقليمية في الكاريبي. ففي الوقت الذي يفرض فيه الحصار الأميركي ضغوطًا متصاعدة، توفر الصين والمساعدات الدولية متنفسًا عمليًا، لكنه يظل غير كافٍ لمعالجة المشاكل الهيكلية العميقة.
الأزمة في كوبا اليوم تمثل مزيجًا من التحديات الإنسانية والاقتصادية والسياسية، وتقف على مفترق طرق بين الضغط الأميركي المتصاعد والدور الصيني المتنامي في دعم الجزيرة. وفي قلب هذه المعادلة يبقى المواطن الكوبي متأثرًا بالمعاناة اليومية: انقطاع الكهرباء المتكرر، نقص الغذاء، صعوبة الحصول على الدواء، وأثر الحصار المستمر الذي يفاقم الضغوط الاجتماعية ويعرّض حياة السكان للخطر.