كيف أثر بيب غوارديولا على الدوري الإنجليزي؟
23 مايو 2026
هناك أكاذيب كُتب عليها أن تظل صامدة للأبد، لا لشيء إلا لشعبيتها الطاغية، مجرد انتقال الأكذوبة من فم إلى فم، ومن جيل إلى جيل يحولها إلى حقيقة لا تقبل الجدل، الجزر يقوي النظر، نابليون بونابرت كان له جسد امرأة، حلاقة الشعر تجعله ينمو بشكل أكثر كثافة، أما بيب غوارديولا فمدرب عنيد، لا يغير رأيه أيًا كانت الظروف، فيلسوف يبحث عن الشو والاستعراض، وغير واقعي، ينزل إلى الملعب لفرض أسلوبه، وهذا الأسلوب لا يتغير بتغير المنافس، سواءٌ كان مورينهو أو كلوب أو أرتيتا أو حتى ماوريسيو ساري.
الأكذوبة الأخيرة تحديدًا كانت هي الأكثر انتشارًا منذ صعود بيب الصاروخي رفقة برشلونة، وهي الوحيدة التي استطاع العالم تبيانها وفحصها ثم الإجهاز عليها تماما في السنوات الأخيرة، ببساطة لأن غوارديولا نفسه مازال حيًا، ومازال قادرًا على التعبير عن نفسه ودحض الأساطير المتواترة عنه، ومازالت لدى الجماهير القدرة على تأمله وتأمل مشواره والتفكير في خطواته خطوة بخطوة، ولكن كيف ذلك؟
إسدال الستار
للمفارقة، فربما كان ذلك هو أفضل ما حدث في تجربته مع مانشستر سيتي، أن الجمهور عايش واختبر بنفسه شخصية بيب، وكل الأساطير المعلقة بأستارها، واستطاع نزع الهالة الحالمة العجيبة عنه طبقة بعد طبقة، مدرب عظيم وتاريخي، ولكنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا، ليس عنيدًا، وليس فيلسوفًا يحوم برأسه في الأفق وكأنه ينهل العلم من مكان غامض.
أفضل ما حدث في تجربة غوارديولا مع مانشستر سيتي، أن الجمهور عايش واختبر بنفسه شخصيته، وكل الأساطير المعلقة بأستارها، واستطاع نزع الهالة الحالمة العجيبة عنه
مجرد شخص يحب عمله ويخلص له، يجتهد، وينجح ويفشل، يمر بأوقات عصيبة، ويمر بأوقات سعيدة، يُقدم على فكرته وكأنها أمله الوحيد في الحياة، ثم يراجع نفسه، ويقر بأخطائه، ويعدل عن رأيه، بل ويتبنى وجهات نظر لا تمت لأفكاره بصلة نظرًا لأن العالم يتغير من حوله، وتلك درجة من الوعي لا تتواجد عند الكثيرين، متى يراجع الإنسان أفكاره، ومتى يتخلى عنها جزئيًا من أجل الصالح العام؟
ومتى يقرر إسدال الستار عن المسرحية، وترك الجمل بما حمل، والرحيل نهائيًا، "قد آن يا كيخوت للقلب الجريح، أن يستريح، لا فرق من عامٍ ينامُ وألف عام، هذى العظام حصاد أيامى فرفقًا بالعظام"، هكذا كتب الشاعر نجيب سرور ملخصا رحلته الطويلة.
الفرعون العاشق لم يعد جاهزًا للاحتفال، يشعر بالإرهاق، ويريد الراحة بعد عقد من الزمن، خاض خلاله قرابة الـ 600 مباراة، حقق خلالها 20 بطولة، وصنع اسمًا عالميًا لمانشستر سيتي، فما هو تأثير بيب غوارديولا على الدوري الإنجليزي بعد إعلان رحيله؟
هوس التفاصيل
للمفاجأة، فأول أكذوبة عن بيب غوارديولا غذّاها بيب غوارديولا بنفسه، وفقًا لكتاب "أسرار بيب" للصحفي مارتي بيرارناو، يمتلك غوارديولا هوسًا لا مثيل له باللعبة، يقضي ساعات في غرف الفيديو لتفكيك دفاعات الخصم، ويعقد اجتماعات تكتيكية مع اللاعبين لا تتجاوز 15 دقيقة لضمان أقصى درجات التركيز، وهذا ليس كل ما في الأمر.
في كتابه "pep guardiola: another way of winning"، يقول الكاتب غيليم بالاجي، إن أقصى مدة زمنية يمكن أن يتحدث فيها غوارديولا عن شيء غير كرة القدم هي 32 دقيقة فقط لا غير، قبل أن يبدأ في التفكير في كرة القدم، وفي عمله بالتبعية، مرة أخرى بنفس الحماس"، "بعد 32 دقيقة على الأكثر، يبدأ في التحديق في السقف، وهز رأسه بطريقة عجيبة" كما يوضح صديقه ومساعده مانويل استيارتي.
هذه القصص قد تكون صحيحة، وقد تحتوي على بعض المبالغات، إلا أنها في الحالتين راقت للجماهير، باعتبار أن الهوس هو التفسير الأسهل، لماذا نجح؟ بسبب الهوس، لماذا فشل؟ بسبب الهوس أيضا.
وما زاد من تلك الحالة هي أن غوارديولا شكاك بطبعه، ولذلك عندما فشل في موسمه الأول مع السيتي، بدأت الجماهير في سن السكاكين، أهلًا بك في دوري لا يوجد به غرناطة أو فرانكفورت، رغم أن المقدمات ليست سببًا مباشرًا في النتيجة، ولا علاقة لها بما حدث من قريب أو من بعيد.
لم يتفلسف غوارديولا لأجل التفلسف، بل هو يفكر بعمق شديد جدًا، ثم يتخذ القرار، ويتحمل نتيجته، وتلك الطريقة في إدارة الأمور، هي التي جعلت منه الرقم الأصعب في الدوري الإنجليزي، وربما في العالم بأسره
وتلك مغالطة شائعة في التفكير تدعى "وهم السببية"، فمثلًا، هل هناك رابط بين استهلاك المجتمع للآيس كريم، وزيادة عدد الوفيات نتيجة الغرق؟ الرسوم البيانية تدلل على ذلك، لكنها دلالة لا تعبر عن الواقع، والدليل هو أن بيب اكتسح الدوري بعد الموسم الأول، لذلك تحول النقد إلى دوري الأبطال، لن يستطيع الفوز بدوري الأبطال لأنه محنك، ماذا؟ فاز بدوري الأبطال فعلًا، لن يستطيع الفوز به ثانية، لأنه محنك.
بحسب ما ذكره يوهان كرويف، فأكبر معضلة في كرة القدم هي كيفية التعامل مع الصدفة كمنطقٍ له وجاهته، رمية نرد واحدةٍ قد تغير مسار اللعبة، وقرار واحد خاطئ وسط عشرات القرارات الصحيحة قد يمحو ذكر المدرب، ببساطة لأن كرة القدم بها العديد من المتغيرات التي لا تخضع لسلطة المدرب، ومن ثم فكل فشل في التأهل لا يعني أن المدرب فشل في إدارة المباراة، بل ربما يكون الحظ والتوفيق هما السبب، فهل هذا يعني أن بيب لم يخطئ خطأ واحدًا طوال فترته مع السيتي؟
بالطبع لا، ارتكب الرجل عشرات الأخطاء داخل الملعب وخارجه، وهناك الكثير من المباريات التي تدلل على ذلك، ولكنه في الحالتين لا يتفلسف لأجل التفلسف، بل يفكر بعمق شديد جدًا، ثم يتخذ القرار، ويتحمل نتيجته، وتلك الطريقة في إدارة الأمور، هي التي جعلت منه الرقم الأصعب في الدوري الإنجليزي، وربما في العالم بأسره.
فلسفة الفوضى
بحسب ما ذكره الكاتب جوناثان ويلسون في مقال بصحيفة "الجارديان" أن جوارديولا غير في كرة القدم الإنجليزية أكثر مما غيرته هي، طريقته وأسلوبه انتشرا كالعدوى بين أندية الدوري الإنجليزي، لنسخها منه كما هي تمامًا، أو لصدها واللعب على النقيض.
وبدأ السجال، واحدة من امتع فترات الدوري الإنجليزي في تاريخه الطويل، يبتكر بيب فكرة ما، فيصدها يورجن كلوب، ويبتكر فكرة جديدة، فيأخذها بيب ويطور عليها، ثم يأتي دي زيربي بفكرة أخرى تؤرق الجميع، فيستعملها بيب لهزيمة أرتيتا، ثم يصبح هو المرجعية الأولى التي يُبنى عليها شكل المنافسة.
ولم يتوقف تأثيره عند الأندية الكبرى فقط، حيث أكد الصحفي دانييل تايلور أن أفكار جوارديولا، تستنسخ كما هي من كل فئات الدوري الإنجليزي وصولًا إلى دوريات الهواة والناشئين، ببساطة لأن بيب، وأيًا ما كانت وجهته القادمة، سيظل كما هو، لن يتغير ولن تتغير طريقة تعبيره عن نفسه.
سيظل المدرب الذي يفكر كثيرًا لدرجة الهوس، والحجر الهام في تاريخ اللعبة بابتكاره الحلول وإضافته لقيم وأساليب لم تكن متواجدة من قبل، نعمته هي نقمته، وكلها إرهاصات صحفية لا تحدث في غالب الأمر، لأنه يعمل بأسلوب واحد فقط، يحاول السيطرة على مجريات اللقاء، ولا يُخضع شيئًا للصدفة، يمتلك صخرته ومصيره أيًا كانت النتائج، وبين تلك التناقضات تقع جاذبية يبدو أنها ستستمر للأبد.