ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

كيف تحفّز الألعاب الإلكترونية القتالية العنف لدى الأطفال والمراهقين؟

3 مايو 2026
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية (جيتي)
زاهر هاشم زاهر هاشم

قد يبدو طفلك هادئًا وسعيدًا وهو غارق في عالمه الرقمي، منشغلًا بلعبة يحقق فيها انتصارات سريعة ويعيش لحظات من الحماس والمتعة، هذا المشهد اليومي قد يبعث على الاطمئنان، ويعزز فكرة أن ما يجري لا يتجاوز حدود الترفيه البريء، لكن خلف هذا الهدوء الظاهري قد تتشكل أنماط أعمق في التفكير والسلوك، قد لا تظهر آثارها فورًا.

في هذا التداخل الصامت بين المتعة والتأثير، تكمن تساؤلات ملحّة حول ما الذي يكتسبه الأطفال فعلًا من هذه التجارب، وكيف يمكن أن تنعكس على سلوكهم في العالم الحقيقي.

تركيا في مرمى العنف الرقمي

شهدت تركيا مؤخرًا، وفي غضون ساعات فقط، حادثتين دمويتين داخل مدارس في ولايتي شانلي أورفا وكهرمان مرعش، نفذهما مراهقان باستخدام أسلحة نارية، في واحدة من أخطر موجات العنف المدرسي في تاريخ البلاد الحديث.

وتعد الحادثة الثانية، التي وقعت منتصف نيسان/أبريل الماضي، في ولاية كهرمان مرعش جنوب تركيا هي الأعنف، إذ أسفرت عن مقتل 10 طلاب ومعلم، على يد طالب يبلغ من العمر 14 عامًا استخدم فيها أسلحة تعود لوالده ضابط الشرطة المتقاعد.

وقبل أقل من 24 ساعة من الهجوم الأكثر دموية في كهرمان مرعش، وقعت حادثة إطلاق نار في ولاية شانلي أورفا، وتحديدًا داخل مدرسة ثانوية مهنية في قضاء سيفيرك، حيث اقتحم شاب في التاسعة عشرة من عمره، وهو طالب سابق، حرم المدرسة مستخدمًا بندقية صيد، ما أسفر عن إصابة 16 شخصًا بين طلاب ومعلمين، قبل أن يُنهي حياته في موقع الحادث.

خيط مشترك: إدمان الألعاب الإلكترونية القتالية

بينما لا تزال التحقيقات جارية حول الدوافع المباشرة، برز عنصر مشترك في الحادثتين أثار جدلًا واسعًا: الإدمان على الألعاب الإلكترونية ذات الطابع القتالي.

تشير المعطيات الأولية من وسائل إعلام محلية إلى أن منفذي الهجومين كانا يقضيان ساعات طويلة في لعب ألعاب قتالية شهيرة مثل PUBG، وأن هذا السلوك لم يكن عرضيًا بل وصل إلى حد الإدمان.

هذا التشابه دفع بعض التقارير إلى الحديث عن نمط سلوكي يتكرر، حيث يرتبط الاستخدام المكثف للألعاب العنيفة بميول عدوانية متزايدة لدى بعض المراهقين.

ورغم الحضور القوي لفرضية "الألعاب العنيفة"، يحذر خبراء من التبسيط المخل، فالدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن العنف لا ينشأ من عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل عدة عناصر تتعلق باضطرابات نفسية غير معالجة، والبيئة الأسرية وإتاحة السلاح، والعزلة الاجتماعية.

توضح الدكتور خولة حسن الحديد، الباحثة في العلوم النفسية والاجتماعية، في حديث لموقع "الترا صوت" التأثير الشديد للألعاب الإلكترونية وغيرها من مواد بصرية وسمعية التي يتعرض لها الأطفال والمراهقون، على سلوكهم وأفكارهم، ولكنها تبقى عاملًا واحدًا ضمن مجموعة من العوامل، إذ يختلف هذا التأثير بين طفل وآخر.

يخلط الطفل بين منطق اللعبة ومنطق الواقع، ففي الألعاب، الموت مؤقت، والخسارة قابلة للتعويض، والعنف بلا عواقب حقيقية، أما في الواقع فالعنف نهائي، غير قابل للتراجع، ويحمل تبعات أخلاقية وقانونية ثقيلة

وبحسب الباحثة فإن أهم العوامل التي توجه هذا التأثير سلبًا أو إيجابًا، هي البيئة المحيطة، والتربية الأسرية للطفل والناشئ منذ الطفولة المبكرة وطبيعة علاقته بالوالدين والأقران وغيرهم، من حيث تعرضه للعنف أو مشاهدته بشكل مستمر، وتبرير هذا العنف وقبوله كأحد أساليب حل المشكلات والتكيف مع المجتمع، بالإضافة إلى عوامل بنيوية في طبيعة الأفراد ذاتها من حيث طبيعة الشخصية، فبعض الشخصيات لها طبيعة عدوانية أكثر من غيرها، وبعضها انطوائي ويفضل العزلة، وتتفاعل غالبًا هذه العوامل مع غيرها لتنتج سلوكًا معينًا، كنمط ضمن سلسلة من السلوكيات الأخرى ذات الطبيعة ذاتها، مع تفاوت تأثيرها، وأشكالها.

العنف كخبرة متكررة لا كصدمة

يُنظر إلى العنف في التجربة الإنسانية التقليدية، بوصفه حدثًا صادمًا، استثنائيًا، يثير الخوف والرفض، لكن في بيئة الألعاب القتالية، يتحول العنف إلى فعل يومي متكرر، وإلى مهارة يتم تطويرها ومكافأتها.

تؤكد الباحثة خولة الحديد أن تكرار التعرض لمشاهد العنف في الألعاب القتالية يعمل على إضعاف الاستثارة الانفعالية السليمة، التي ترفض تلقائيًا السلوك العنيف، إذ مع التكرار تتعقلن آليات هذا السلوك وتخفّض من درجات الانفعال الإيجابي الذي يُنتج عادة سلوكًا إيجابيًا، من خلال التبرير والإنكار والخداع والكذب وغيره من آليات دفاعية، وتدريجيًا تميل ردود فعل الأطفال والمراهقين مع التكرار إلى التبلّد العاطفي وغياب الاستثارة الانفعالية المولّدة لمشاعر التعاطف والرحمة، فيُصبح التبرير آلية عقلية تحوّل السلوك العنيف إلى سلوك مقبول، مثل "إنهم يستحقون ذلك"، و"لاشك أنه لو لم نسبقهم لفعلوا هم ذلك بنا"،  وأهم ما في الألعاب القتالية أنها تحوّل مفهوم التنافسية الطبيعي بين الأفراد إلى معركة عدائية مُتاحة السُبل كلها للفوز بها.

ومع تكرار هذه التجربة، قد تتشكل لدى بعض المراهقين قناعة غير واعية بأن القوة والسيطرة تتحققان عبر السلاح والعنف، ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما يعاني المراهق أصلًا من ضعف في تقدير الذات أو شعور بالعجز، وفي هذه الحالة، تقدم له اللعبة نموذجًا بديلًا.

توضح الباحثة خولة الحديد أسباب انتقال الأطفال والمراهقين إلى تبني سلوك القوة، وهو سلوك تعويضي للشعور بالدونية، وفقدان القيمة الاجتماعية، أو الإهمال الطويل، أو كسلوك انتقامي على تعرض الطفل أو الناشئ للسخرية والتنمّر بشكل مستمر، والسعي إلى لفت الانتباه والحصول على الشهرة ولو عن طريق سلوك إجرامي، وتحقيق شعور نشوة الانتصار عند السيطرة على الأخرين وترهيبهم.

فجوة إدراكية بين الواقع والافتراضي

ومن أكثر الجوانب النفسية حساسية هنا، الخلط بين منطق اللعبة ومنطق الواقع، ففي الألعاب، الموت مؤقت، والخسارة قابلة للتعويض، والعنف بلا عواقب حقيقية، أما في الواقع فالعنف نهائي، غير قابل للتراجع، ويحمل تبعات أخلاقية وقانونية ثقيلة.

ولا يمتلك المراهق، خاصة في سن مبكرة، دائمًا النضج الكافي لإدراك هذه الفروق بعمق، وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ "الفجوة الإدراكية"، حيث يتم نقل منطق اللعبة إلى الواقع دون وعي كامل بالنتائج.

تؤكد الباحثة وجود هذه الفجوة نتيجة التعرض المكثف للعنف الافتراضي ومن خلال الألعاب الإلكترونية التي تُحدث خللًا جوهريًا في آليات التفكير، وفي أنماط الاستجابة العاطفية، وتتلاعب بمنظومة الوعي والإدراك الأخلاقي، فالسلوك العدواني يُصبح موضع مكافأة، ومع غياب التوجيه الأسري، ووجود العديد من العوامل الشخصية والبيئية، تضيع لدى بعضهم الحدود بين الخيال والواقع، وبين الافتراضي والواقعي، ويتماهون في سلوكهم الواقعي مع سلوكهم خلال ممارسة اللعب، وفقدان هذه الحدود تجعلهم منفصلين عن الواقع، ويعيشون في فقاعة خيالية كل شي فيها مُباح لصالح الذات، ولا يُدركون خطورة سلوكهم إلا بعد انفجار هذه الفقاعة.

مؤشرات للأهل

وبحسب الباحثة يمكن للأهل ملاحظة عدد من المؤشرات على الأطفال والمراهقين قبل وقوع الكارثة، أبرزها الانسحاب الاجتماعي بطريقة تُبرز الكف عن مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم، أو الانخراط معهم في سلوك جماعي يُعبر عن التآزر والتكافل، وإظهار اللامبالاة حيال تعرض الآخرين للأذى وغياب التعاطف معهم أو المبادرة لمساعدتهم، وإظهار سلوك لفظي عدواني تبرز فيها كلمات الشماتة والتشفي وغياب الرحمة والتفهّم، إضافة إلى تراجع مستوى التحصيل الدراسي، وتجنب الألعاب الجماعية المدرسية أو إظهار عدوانية وسلوك عنيف خلال المشاركة بها، وتكرار شكاوى الأقران والمعلمين من هذا السلوك، إضافة إلى الانطواء والعزلة وسلوك التجنب.

كلمات مفتاحية
صورة تعبيرية

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة

صورة تعبيرية

الصين تخشى أن تحل "رفقة الذكاء الاصطناعي" محل العلاقات الإنسانية

المشكلة بالنسبة إلى السلطات الصينية لا تتعلق فقط بالصحة النفسية أو الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، بل تتقاطع مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصين، ونحكي عن الأزمة الديموغرافية

الولايات المتحدة

5 قارات و163 طفلًا.. ماذا كشفت أكبر عملية بحث عن أطفال مفقودين؟

تمكنت السلطات الأميركية من العثور على 163 طفلًا مفقودًا، بينهم أطفال تعرضوا للاتجار بالبشر والاستغلال والإساءة والإهمال، في حملة امتدت إلى ولايات أميركية و12 دولة حول العالم

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة