كيف تحول مونديال أميركا إلى أكبر كارثة بيئية في تاريخ كرة القدم؟
19 يونيو 2026
في عام 2017، قامت جامعة "إسكس" البريطانية بحساب إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن السفر من وإلى الملاعب في موسم 2012/2013، وقُدرت بـ 56 طنًا من ثاني أكسيد الكربون، تلك الكمية زادت في السنوات الأخيرة نظرًا لزيادة البطولات بشكل يفيض عن الحاجة، كأس عالم للأندية يضم 32 فريقًا، ودوري أمم أوروبية يضم 55 منتخبًا يمثلون جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وذلك بخلاف بطولة اليورو القائمة بنفسها، ومن ثم مئات المباريات الودية طوال العام.
وأخيرًا بطولة جديدة لكأس العالم تضم 48 منتخبًا و104 مباريات، موزعة على 16 مدينة بطول قارة أميركا الشمالية من مكسيكو سيتي جنوبًا إلى فانكوفر شمالًا، كل ذلك يحدث رغم تأكيد الأمم المتحدة أن الانبعاثات الحالية تضع العالم على مسار احترار عالمي يبلغ نحو 2.8 درجة مئوية، في حين أن تجاوز عتبة الـ 1.5 درجة يعني دخول العالم رسميًا في دوامة الجفاف، ونقص الأمطار، والكوارث والمجاعات، فهل يدرك الفيفا تلك الحقيقة؟
اغتيال الكوكب
ستيوارت باركنسون، الباحث في مؤسسة "علماء من أجل المسؤولية العالمية"، أوضح في تقرير نشرته جريدة "الجارديان"، أن مونديال 2026 سيولد ما لا يقل عن 9 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في أقل التقديرات، وهي زيادة مهولة تبلغ حوالي 92% مقارنة بمتوسط البطولات السابقة، خاصة بطولة 2022.
هل يدرك الفيفا أنه بمجرد وصول التغير المناخي إلى نقطة اللاعودة، ستبدأ كرة الجليد في التدحرج بسرعة شديدة نحو الهاوية؟
وأضاف أن غياب شبكات القطارات السريعة بين دول أميركا الشمالية الثلاث سيجعل قطاع النقل الجوي وحده مسؤولاً عن حوالي 7.7 مليون طن من هذه الانبعاثات، مشيراً إلى أنه في حال حساب التأثير الحراري غير المباشر للطيران في طبقات الجو العليا، فقد يقفز الرقم إلى 15 مليون طن.
كما أكد ألكسيس نورماند، الشريك المؤسس لمنصة (Greenly) لحساب الكربون، في تحليل نشرته صحيفة "مكسيكو بيزنس نيوز"، أن ما يقرب من 88% من انبعاثات البطولة ستأتي حصراً من سفر الجماهير، حيث أن سفر حوالي 7 مليون مشجع لمسافات شاسعة عبر قارة بأكملها، سيزيد من نسبة الكربون في الغلاف الجوي تلقائيا، وهذا ليس كل ما في الأمر.
حيث أشار البروفيسور ديفيد جوجيشفيلي أستاذ الجغرافيا في جامعة لوزان، إلى أن قرار الفيفا بزيادة عدد المنتخبات ونثر المباريات عبر قارة أميركا الشمالية، لم يضف متعة جديدة إلى اللعبة، ولكنه نقل الانبعاثات السامة إلى مستوى لم يشهده العالم من قبل، وضرب مثالاً بمنتخبات مثل البوسنة والهرسك، التي ستضطر إلى الانتقال بين مدن متباعدة كليًا مثل تورونتو، ولوس أنجلوس، وسياتل، وأتلانتا، ولمسافات تتجاوز 5,000 كيلومتر وذلك لخوض دور المجموعات ليس إلا.
كما حذر خبير الأرصاد الجوية، إيفرتون فوكس، من أن الاحتباس الحراري يهدد حياة المشاركين في البطولة، كيف ذلك؟ هناك مقياس يدعى (WBGT)، وهو مقياس دقيق يقيس قدرة الإنسان على تحمل الحرارة في الهواء الطلق، ويدمج بين ثلاث قراءات مهمة، درجة حرارة الهواء، والرطوبة، والتعرض لأشعة الشمس، ثم يعطي درجة مئوية، تخطيها يعني توقف أجساد اللاعبين عن تبريد نفسها، وبناء عليه يدخل الجسد في حالة من الإعياء الشديد لعدم تحمله الحرارة، كم تلك الدرجة؟ 28 درجة مئوية، كم مدينة من مدن كأس العالم مرشحة لتخطي ذلك الرقم؟ للمفاجأة، 14 مدينة من أصل 16 مدينة.
وإذا كانت هذه هي الفاتورة البيئية القاتلة لما يحدث على أرض الواقع، أي داخل الملاعب، فماذا عما يحدث في الفضاء الإلكتروني؟ وهل تكمن الأزمة في الغازات الدفيئة والتلوث المناخي فقط؟ الإجابة لا، فهناك جزء خفي وكارثي لا يتم الحديث عنه مطلقًا، وهو البصمة الرقمية للبطولة، بمعنى أن البث التلفزيوني، وتدفق البيانات لمليارات الأجهزة في الوقت ذاته يستهلك طاقة جبارة من إجمالي طاقة الكوكب.
وبحسب ما ذكرته الباحثة مادلين أور، الأستاذ المساعد بجامعة تورنتو، فإن بث مباريات مجموعة واحدة فقط قد يستهلك 600 ميجاوات إضافية من الكهرباء على مستوى دول عملاقة مثل بريطانيا، في ذات الوقت الذي يعاني فيه حوالي 9٪ من سكان العالم من نقص الكهرباء، أكثر من 80٪ منهم في قارة أفريقيا فقط، هذا التفاوت الصارخ في استهلاك الطاقة ليس إلا قمة جبل الجليد، لأن السؤال الأهم هو: ما الذي سيحدث عندما تضرب الفوضى المناخية دولًا هشة لا تمتلك حتى رفاهية إضاءة شمعة؟
في كتابه "مدار الفوضى: تغيُّر المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف"، يرى الصحفي الاستقصائي كريستيان بارينتي أن التغير المناخي سيحيل حياة سكان الدول الموجودة بين مداري السرطان والجدي إلى جحيم، حوالي 3 مليارات نسمة تقريبًا، ببساطة لأن التغير سيصطدم ببيئة مهيأة مسبقًا لقبول الأزمات، بسبب انتشار الفقر المدقع، وعجز حكومات تلك الدول عن تقديم الإغاثة والمساعدات للمواطنين المتضررين من الكوارث الطبيعية، ما سبب كل ذلك؟
بحسب ما ذكره الكاتب نفسه فالسبب الرئيسي هو ميراث الاستعمار الطويل، وتناحر القوى العالمية لنهب ثروات المنطقة، بدءًا من الاحتلال الفرنسي والبلجيكي والإنجليزي، وانتهاءً بالحرب الباردة، تسليح الأفغان لمقاتلة السوفييت، ثم تسليمهم لقتال أميركا، تسليح المتمردين للقضاء على لومومبا، ثم تسليح متمردين آخرين للقضاء على قتلة لومومبا، في دوائر تتلو الدوائر، لا لأهل البلاد فيها ناقة ولا جمل.
ثم فجأة، وجدوا أنفسهم بين رحى الاستعمار الجديد ممثلًا في الشركات والرأسمالية الأميركية، والنظام العالمي الجديد ممثلاً في تجار الألماس، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ومصانع الذخيرة، فلا سلام، ولا عدل، ولا موارد، ولا قضية.
وبمجرد وصول التغير المناخي إلى نقطة اللاعودة، ستبدأ كرة الجليد في التدحرج بسرعة شديدة نحو الهاوية، انتشار الجفاف والتصحر ثم خسارة المحاصيل والمواشي ومصادر الرزق، وعندها ستدخل المجتمعات الفقيرة والمعدمة والمنهجية في متوالية من التدمير الذاتي، الكل سيحاول الحفاظ على أخر حبة قمح في يده، الأمر الذي ينذر بالدخول في الحروب الأهلية والفوضى، فهل يدرك الفيفا تلك الحقيقة؟