كيف نتعامل مع مريض "الزهايمر".. وكيف تحد التغذية من تطور حالته؟
30 مايو 2026
تعرّف منظمة الصحة العالمية، مرض الزهايمر على أنه الشكل الأكثر شيوعًا للخرف، وهو حالة تنكسية عصبية مزمنة وتدريجية، تصيب الدماغ وتسبب تراجع الذاكرة والقدرات الإدراكية، والسلوك والمهارات الاجتماعية، ويصاحبه تراكم غير طبيعي للبروتينات في الدماغ، تؤدي لتلف وموت خلايا الدماغ السليمة، وتقلص حجمه بمرور الوقت، حيث يبدأ بنسيان الأحداث وصعوبة تذكر المعلومات، ويتطور ليؤثر على الكلام، ومهارات التفكير والقدرة على التركيز، والعجز عن تقدير المسافات بصريًا وتقدير الوقت، والضياع أثناء المشي.
وباعتبار الزهايمر أحد الأسباب الرئيسية للوفاة بين الكبار، حاولت "الترا صوت" الوقوف على العوامل التي تساعد على الحد منه وتأخير أعراضه والحفاظ على صحة الدماغ لمواجهته، إلى جانب الرعاية النفسية اللازمة لمرضى الزهايمر.
الحفاظ على صحة الدماغ يحمي من الزهايمر
أخصائية التغذية "سلام معطي" أوضحت لـ"الترا صوت" أن "صحة الدماغ ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالتغذية، فالدماغ تستهلك 20% من الطاقة، التي تدخل الجسم عن طريق الغذاء، وتحديدًا من الغلوكوز المتجسد في السكر، والذي ينتج بالضرورة من تفكيك كافة العناصر الغذائية، التي تدخل الجسم"، مضيفة أنه "مع التقدم في السن، تصاب الدماغ بالشيخوخة، عبر ما يسمى بالإجهاد التأكسدي، فتشيخ الخلايا وتقل كفاءة امتصاصها للأوكسجين، ما يتسبب الالتهابات وتضيق الأوعية الدموية في الدماغ، وينعكس سلبًا على السيالات العصبية في الدماغ، وتتراجع قدرة الدماغ في أداء وظائفه تلقائيًا".
ينسى مريض الزهايمر الأحداث ويتذكر المعلومات بصعوبة، وتتأثر مهارته في التفكير وقدرته على التركيز، كما يعجز عن تقدير المسافات بصريًا وتقدير الوقت، ويضيع أثناء المشي
و"يتأثر الدماغ أيضًا حسب "معطي"، بالبكتيريا النافعة الموجودة بالأمعاء، وفق الدراسات الحديثة، فالأمعاء تفرز نواقل عصبية، تتمثل في السيروتانين والدوبامين، وتؤثر بشكل مباشر على الذاكرة ووظائف الدماغ".
وأكدت أن "النظام الصحي المتبع في سن الشباب، يؤثر على الصحة بالعموم مع تقدم السن، ويقال "إن الدماغ لا يشيخ فجأة"، ما يعني أن "التغذية جزء لا يتجزأ من صحة الجسم بالعموم والدماغ خاصة، وبناء النظام الصحي، يعتبر عملية تراكمية، إلى جانب الرياضة والنشاط البدني، الذي يدعم صحة الجسم والتنفس، ويحفز الدورة الدموية، ويرفع كفاءة إفراز الهرمونات، اللازمة لتحسين جودة الحياة".
وتشدد "معطي" على أن "الالتهابات التي تسبب الزهايمر، تبدأ قبل 15 إلى 20 سنة، من ظهور الأعراض السريرية، ما يعني أن نمط الحياة الصحية في الشباب، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بنمط الحياة والعادات الصحية في الشباب"، لافتة إلى أن "المكملات الغذائية لا تغني عن التغذية الحقيقية، وهذا مفهوم مغلوط شائع، خاصة في التعامل مع كبار السن".
الأغذية التي تدعم صحة الدماغ
وأضافت "معطي" أن "الأغذية التي يطلق عليها اسم، الأغذية الصديقة للدماغ والقلب، تضمن تدفق الدم والأوكسجين للدماغ بشكل صحي، وتقلل من خطر الإصابة بالزهايمر والخرف، وأهمها التي تحتوي على الأوميغا 3، والدهون الصحية والبروتينات، التي تقوم بحماية الأغشية الخلوية والعصبية في الدماغ، ويمنحها مرونة وفعالية أكثر للقيام بوظائفها".
ومن هذه الأغذية أيضًا الغنية بالأوميغا 3 وفقًا لـ"معطي"، "الأسماك والمسكرات وخاصة الجوز"، مشيرة إلى حمية داش، التي تجمع بين حمية البحر الأبيض المتوسط والحمية التي تعمل على خفض ضغط الدم، بالإضافة إلى الفواطه "التوتية"، الغنية بمضادات الأكسدة، والورقيات كالملوخية والبروكلي والسبانخ والجرجير، لغناها بحمض الفوليك، المهم لإبطاء شيخوخة الدماغ، إلى جانب زيت الزيتون، بوصفه أحد أهم مصادر الدهون الصحية".
وبالمقابل تلفت "معطي" إلى بعض الأغذية، التي تنعكس سلبًا على صحة الدماغ وتضعف الذاكرة، وهي "التي تراكم السموم داخل الجسم، كالدهون المتحولة كالمقليات والدهون النباتية والمنتجات الصناعية، والمعجنات والبسكويتات والطحين الأبيض ومنتجاته، لأنها تسبب مقاومة الأنسولين، وتضعف وظائف الدماغ، كما أن السكر الأبيض والمكرر ومنتجاته، يساهم بشكل كبير في قلة التركيز والنسيان".
وأكدت "معطي" أن "فيتامينات د، ب 12، أوميغا 3، تعتبر الفيتامينات الداعمة لصحة الدماغ، وتحمي الدماغ من مشاكل التركيز وضعف الذاكرة، وتدعم عمليات تجديد الخلايا العصبية.
وحول أهمية الماء وتأثيره على عمليات الدماغ، أوضحت "معطي" أن "الجفاف يؤثر على الذاكرة، وخاصة الذاكرة قصيرة المدى، فالماء يمنح الترطيب للذاكرة"، موضحة أن "كبار السن يضعف لديهم الإحساس بالعطش، تبعًا لنقص الشهية، ومشكلات التبول التي تصيب المسنين".
تأثير الزهايمر على الصحة النفسية
وتفيد الداعمة النفسية "رنيم زيدان" خلال حديثها لـ"الترا صوت"، بأن "مرض الزهايمر أو الخرف، يؤثر بشكل واضح على الحالة النفسية للمريض، وتمتد آثاره إلى المشاعر والسلوك، ولا تقتصر على ضعف الذاكرة فقط، ففي المراحل الأولى قد يشعر المريض بالقلق والخوف؛ نتيجة النسيان المتكرر وصعوبة التركيز، ومع تطور المرض قد تظهر عليه أعراض الاكتئاب والعزلة الاجتماعية؛ بسبب فقدانه التدريجي لقدراته العقلية، واعتماده على الآخرين، وقد يعاني المريض، من التوتر والانفعال وتقلبات المزاج، وأحيانًا من الارتباك وفقدان الإحساس بالأمان، ما يجعل الرعاية النفسية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، خطوة مهمة، لتحسين جودة حياته".
ومن أبرز التغيرات السلوكية والانفعالية، التي قد تظهر على المرضى حسب "زيدان"، "تغيّرات في المزاج والشخصية، إذ يصبح المريض أكثر عصبية أو انفعالًا تبعًا لصعوبة التذكر والتواصل مع الآخرين، كما قد تظهر عليه مشاعر القلق والخوف والارتباك، خاصة في الأماكن غير المألوفة، ويعاني بعض المرضى من العزلة الاجتماعية، وفقدان الاهتمام بالأنشطة، التي كانوا يستمتعون بها سابقًا، إضافةً إلى تكرار الكلام أو التصرفات، وفي بعض الحالات، تظهر سلوكيات عدوانية، أو شكوك تجاه المحيطين به؛ نتيجة اضطراب الإدراك وفقدان الشعور بالأمان".
وينعكس مرض الزهايمر وفقا لـ"زيدان"، بشكل مباشر على الأسرة ومقدّمي الرعاية، ما يضعهم أمام مسؤوليات نفسية وجسدية مجهدة، بسبب حاجة المريض إلى المتابعة والدعم اليومي، ما يظهر على مشاعر أفراد الأسرة وسلوكياتهم، حيث يشعر البعض بالتوتر والقلق والحزن، عند مشاهدة التدهور التدريجي في حالة المريض وفقدانه لبعض قدراته العقلية والسلوكية، كما يؤدي الاهتمام المستمر بالمريض، إلى الإرهاق النفسي والجسدي، وتقليل الوقت المخصص للحياة الشخصية أو الاجتماعية"؛ لافتة إلى حاجة الأسرة المحيطة بالمريض، إلى الدعم النفسي والتوعية؛ لفهم طبيعة المرض والتعامل مع المريض بطريقة، تساعد على توفير بيئة أكثر أمانًا وراحة له".
نصائح لتحسين جودة المريض
وتنصح "زيدان" مقدمي الرعاية من أفراد الأسرة المحيطين بالمريض، بالتفهم والصبر، ومحاولة التواصل معه بهدوء، ليشعر بالأمان والراحة"، مشددة على "ضرورة توفير روتين يومي ثابت له، وتجنب توجيه الملاحظات المباشرة له في حال الخطأ والنسيان، الأمر الذي يزيد من حدة توتره، بالإضافة إلى إشراكه في أنشطة بسيطة، تتناسب مع قدراته؛ للحفاظ قدر الإمكان، على صحته النفسية".
وتشير إلى أن أسر مرضى الزهايمر، يواجهون تحديات اجتماعية، تتمثل في صعوبة التوفيق بين رعايته والمسؤوليات اليومية، إلى جانب التعرض للاحتراق النفسي، والشعور بالعزلة نتيجة قلة وعي المجتمع بطبيعة المريض"، لافتة إلى الصعوبات المادية المتعلقة برعاية المريض في بعض الأحيان".
وفيما يتعلق بأبرز الأخطاء التي يرتكبها البعض، في التعامل مع المرضى، توضح "زيدان"، أنها تتمحور حول توبيخ المريض، أو السخرية من نسيانه، ما يؤدي إلى زيادة شعوره بالقلق والحزن، وفقدان الثقة بنفسه، كما يُعدّ التحدث معه بعصبية أو بصوت مرتفع من الأخطاء الشائعة، التي تزيد من توتره وانفعاله"، مضيفة أن "التعامل مع المريض، كشخص غير قادر على الفهم، من الأخطاء الشائعة، بالإضافة لتجاهل مشاعره واحتياجاته النفسية".
ويلعب النشاط الاجتماعي والذهني حسب "زيدان" دورًا مهمًا، في تأخير تطور حالة المريض، والمساعدة في الحفاظ على القدرات العقلية لأطول فترة ممكنة، فالمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، والتواصل مع الآخرين، يخففان من الشعور بالعزلة والاكتئاب، ويساهمان في تحسين الحالة النفسية للمريض، كما تساعد الأنشطة الذهنية مثل القراءة وحل الألغاز وتمارين الذاكرة، على تنشيط الدماغ، وتحفيز التفكير والتركيز، ما يجعل من الحفاظ على نمط حياة نشط اجتماعيًا وذهنيًا، عاملًا مساعدًا في تحسين جودة حياة المريض".
وترى "زيدان" وفقًا للمتابعات والمشاهدات، أن "النساء أكثر عرضة للإصابة بالزهايمر مقارنةً بالرجال"، مرجعة ذلك لعوامل عدة، أهمها أن "النساء غالبًا يعشن أعمارًا أطول، وتزداد احتمالية الإصابة بالمرض، مع التقدم في السن، كما تشير بعض الدراسات إلى أن التغيرات الهرمونية، خاصة انخفاض هرمون الإستروجين بعد سن اليأس، قد تؤثر في صحة الدماغ وتزيد من خطر الإصابة".
وتختم "زيدان" حديثها، بأن "مرضى الزهايمر، بحاجة للتفهم والاحترام، وتقدير المشاعر وتلبية الاحتياجات النفسية، وهم بحاجة أيضًا لرفع سوية وعي المجتمع بمرضهم، للحد من النظرة السلبية حيالهم، ودمجهم بالحياة الاجتماعية، والدعم النفسي والاجتماعي لهم ولأسرهم".