لا مخرج سهل: خيارات دونالد ترامب لإنهاء الحرب على إيران وتبعاتها
1 ابريل 2026
مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران شهرها الأول، تتزايد المؤشرات على أن الصراع تجاوز حسابات الحسم السريع، ليتحول إلى معضلة استراتيجية مفتوحة أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تبحث عن مخرج “منظّم” في حرب لا تعترف بطبيعتها بمثل هذه النهايات.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "ذا أتلانتيك"، فإن ترامب يسعى إلى إنهاء الحرب قريبًا، مدفوعًا باعتبارات سياسية واقتصادية، من بينها رغبته في استئناف أجندته الدولية، وعلى رأسها زيارة مؤجلة إلى الصين، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بأسواق الطاقة، خصوصًا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، ، وهو الممر الاستراتيجي الحيوي لتدفق النفط العالمي.
إنجاز عسكري... ومأزق سياسي
تشير التقديرات الأميركية إلى أن الضربات الجوية نجحت في إضعاف جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن هذا "النجاح التكتيكي" لم يتحول إلى إنجاز استراتيجي حاسم. فإيران، وفق التحليل، اعتمدت على أساليب رد غير متماثلة، شملت تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف دول الخليج، إلى جانب توسيع ساحة المواجهة عبر حلفائها الإقليميين.
هذا النمط يعكس، كما ترى المجلة، تحوّل الصراع من مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، يصعب حسمها بالوسائل العسكرية التقليدية وحدها.
تشير التقديرات الأميركية إلى أن الضربات الجوية نجحت في إضعاف جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن هذا "النجاح التكتيكي" لم يتحول إلى إنجاز استراتيجي حاسم
أربعة خيارات... جميعها محفوف بالمخاطر
في ظل هذا الواقع، تطرح إدارة ترامب أربعة مسارات رئيسية لإنهاء الحرب، إلا أن أيًا منها لا يوفر حلًا واضحًا أو منخفض الكلفة:
إرسال قوات برية:
يقوم هذا الخيار على الدفع بقوات برية للسيطرة على منشآت الطاقة الإيرانية، لا سيما في مواقع استراتيجية مثل جزيرة خرج، التي تُعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. وتروّج بعض الدوائر العسكرية في واشنطن لهذا السيناريو باعتباره وسيلة لـ"خنق" الاقتصاد الإيراني بسرعة، عبر قطع تدفق العائدات النفطية، ما قد يدفع طهران إلى الجلوس على طاولة التفاوض بشروط أقل.
غير أن تقارير إعلامية أميركية وغربية تشير إلى أن هذا الخيار يُعد من أكثر السيناريوهات تعقيدًا وخطورة. فالدخول في عملية برية داخل الأراضي أو المياه الإيرانية لا يعني فقط توسيع نطاق العمليات، بل يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة طويلة الأمد، مع ما يحمله ذلك من تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز.
كما تحذر تحليلات منشورة في الصحف الأميركية من أن إيران قد ترد عبر تصعيد كبير، يشمل استهداف القواعد الأميركية في المنطقة أو ضرب البنية التحتية للطاقة، ما يرفع كلفة المواجهة بشكل كبير، ويهدد استقرار أسواق النفط العالمية.
إلى جانب ذلك، فإن أي عملية برية ستتطلب نشر آلاف الجنود، في بيئة جغرافية معقدة ومفتوحة على احتمالات الاستنزاف، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة في العراق وأفغانستان، حيث تحولت العمليات السريعة إلى حروب طويلة مكلفة بشريًا وسياسيًا.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى خيار التصعيد البري باعتباره حلًا حاسمًا، بقدر ما هو مقامرة عالية المخاطر، قد تنقل الحرب من مستوى الضغط العسكري والاقتصادي إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
إعلان النصر والانسحاب:
يمكن لواشنطن إعلان تحقيق أهدافها والانسحاب، مستندة إلى تدمير جزء كبير من القدرات الإيرانية، بما في ذلك البنية التحتية العسكرية والصاروخية. غير أن خبراء عسكريين وسياسيين يشيرون إلى أن هذا الخيار يحمل تبعات كبيرة، إذ قد يفرض العودة لاحقًا ضمن استراتيجية "جزّ العشب" (Mowing the Grass)، والتي تهدف إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية عبر هجمات دورية.
رغم الفعالية التكتيكية للضربات الأميركية والإسرائيلية، إلا أنها لم تضع حدًا لقدرة إيران على الرد بأساليب غير متماثلة، سواء عبر مضيق هرمز أو من خلال وكلائها، ما وسّع ساحة الصراع وزاد الضغوط الاقتصادية والسياسية على واشنطن وحلفائها.
وتشير صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن البنية الصاروخية الإيرانية لم تُدمر بالكامل، وأن طهران تعدّل تكتيكاتها بإطلاق الصواريخ من مواقع أعمق أو عبر وحدات متنقلة، ما يعكس مرونة وتشظيًا في منظومتها الدفاعية يمنع القضاء النهائي على قدراتها بمجرد ضربات جوية.
من جانب آخر، يرى محللون أن إعلان الانسحاب المبكر قد يترك فراغًا استراتيجيًا في المنطقة، يستغله النظام الإيراني لتعزيز نفوذه الإقليمي، ما يهدد حلفاء الولايات المتحدة، ويزيد احتمالات سباق تسلح إقليمي، خصوصًا فيما يتعلق بالقدرات النووية والصاروخية.
التفاوض مع طهران:
يراهن الرئيس ترامب على إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، رغم فجوة الثقة العميقة بين الطرفين، والتي تراكمت على مدى عقود من المواجهات والتوترات. وتجعل التباينات الجوهرية في المطالب أي اتفاق لوقف الحرب أمرًا معقدًا للغاية.
من جانب واشنطن، تشدد الإدارة على 15 مطلبًا رئيسيًا، أبرزها تدمير البرنامج النووي، وتفكيك برامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتقليص نفوذ طهران الإقليمي، وإنهاء دعم وكلائها، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بالإضافة إلى الالتزام ببرنامج رقابة دولية صارمة على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية.
في المقابل، تتمسك طهران بمجموعة مطالب موازية، أبرزها رفع العقوبات الاقتصادية فورًا. كما طرحت أربعة شروط رئيسية لأي اتفاق سلام طويل الأمد: إنهاء العدوان بشكل كامل، تقديم ضمانات قوية بعدم تكرار الحرب في المستقبل، دفع تعويضات كاملة عن الخسائر المادية والمعنوية، واحترام السيادة الإيرانية على مضيق هرمز بما يحمي أمن الملاحة الدولية.
هذا التباين الواضح في المطالب يجعل أي مفاوضات متقدمة صعبة التنفيذ، ويُبقي احتمالات الوصول إلى اتفاق شامل بعيدة، مع بقاء مسار التهدئة هشًا ومفتوحًا على أي تصعيد جديد.
في المقابل، نقلت موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، تبحث إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران لوقف إطلاق النار، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز. وأوضح المصدر أن المناقشات تشمل مسؤولين داخل الإدارة وخارجها، في محاولة لتحديد شروط التهدئة دون الانزلاق إلى مواجهة موسعة.
استمرار العمليات العسكرية:
يقضي هذا الخيار بمواصلة الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت العسكرية والصاروخية الإيرانية حتى إجبار طهران على التراجع أو مواجهة انهيار داخلي. وفقًا لتقارير وسائل الإعلام الغربية، فإن الحملة العسكرية، رغم قدرتها على تقييد بعض القدرات العسكرية الإيرانية، تزيد من خطر اتساع نطاق الحرب إقليميًا، وهو ما ظهر مؤخرًا بدخول أنصار الله (الحوثيين) مسار الحرب واستهدافهم لإسرائيل بصواريخ وطائرات مسيرة. وتضيف التحليلات العسكرية أن هذا المسار يمكن أن يعمّق الضغط السياسي والاقتصادي على إيران لكن دون ضمان تحقق أهداف واشنطن بالكامل، بينما يزيد من احتمالات مواجهة طويلة الأمد مع تداعيات غير محسوبة على المنطقة.
حرب بلا نهاية واضحة
تكشف هذه الخيارات، في مجملها، أن الإدارة الأميركية تواجه معضلة في الحروب الحديثة: القدرة على تحقيق تفوق عسكري لا تعني بالضرورة القدرة على فرض نتيجة سياسية.
فإيران، من جانبها، لا تزال تمتلك أوراق ضغط مؤثرة، أبرزها موقعها الجغرافي وسيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، ما يمنحها قدرة على التأثير في أسعار النفط العالمية، وتحويل الاقتصاد إلى ساحة مواجهة موازية.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن الحرب تسير نحو سيناريو طويل الأمد، حيث لا يملك أي طرف القدرة على الحسم، ولا الاستعداد للتراجع، ما يجعل خيارات ترامب محصورة بين تصعيد محفوف بالمخاطر أو تسوية معقدة قد لا تحقق الأهداف المعلنة.