لبنان تحت الحرب.. نزوح جماعي واقتصاد ينهار
2 ابريل 2026
منذ بدء التصعيد العسكري على لبنان، في 2 آذار/مارس 2026، أدت أوامر الإخلاء الإسرائيلية القسرية إلى تفريغ مساحات شاسعة من سكانها. شملت هذه الأوامر 14% من مساحة الأراضي اللبنانية، مركزة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، والضاحية الجنوبية لبيروت، وأجزاء واسعة من البقاع ومحافظة النبطية.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، حتى منتصف آذار/مارس، إلى تسجيل 1,049,328 نازح داخلي، في حين تُقدر الأرقام الفعلية الإجمالية بأكثر من 1.2 مليون إلى 1.3 مليون نازح، ما يمثل خُمس سكان البلاد.
تتركز الوجهات الأساسية للنازحين في مناطق جبل لبنان وبيروت وصيدا، حيث تشهد هذه المناطق اكتظاظًا خانقًا. ولم يقتصر النزوح على المواطنين اللبنانيين، بل شمل المقيمين واللاجئين، إذ تُقدر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 45,000 مهاجر قد نزحوا من مناطق الصراع، ويواجه هؤلاء عقبات مضاعفة في الوصول إلى المساعدات بسبب حواجز اللغة، وغياب المعلومات، والمخاوف المتعلقة بوضعهم القانوني، مما دفعهم للاعتماد على 65 موقعًا غير رسمي وخارج شبكات الدعم الحكومية.
إلى جانب النزوح الداخلي، برزت ظاهرة العبور العكسي نحو الأراضي السورية. فقد سُجل عبور ما بين 130,000 إلى 256,647 شخصًا عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية (معظمهم من السوريين وقرابة 7% من اللبنانيين).
وقد ترافقت حركة العبور مع مخاطر أمنية جسيمة، لا سيما بعد استهداف الطيران الإسرائيلي لطريق بيروت-دمشق الدولي قرب معبر المصنع، مما أحدث حفرًا عملاقة أجبرت الفارين على إكمال طريقهم سيرًا على الأقدام وسط الركام.
الوضع الصحي
خلق الاكتظاظ الشديد في مراكز الإيواء، مقترنًا بالنقص الحاد في إمدادات المياه النظيفة وغياب المياه الساخنة وتردي خدمات الصرف الصحي؛ بيئة وبائية خطيرة تُهدد بتفشي أمراض معدية كانت تعتبر تحت السيطرة.
ووفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية والتقارير الوبائية، خلال شهر آذار/مارس 2026، فقد سُجل انتشار ملحوظ للأمراض الجلدية، حيث تم توثيق 91 حالة جرب و61 حالة قمل، مع توقعات بارتفاع الأعداد نتيجة الاكتظاظ وضعف النظافة. كما رُصدت حالات تفشٍ لجدري الماء، الذي جرى تشخيصه في البداية على أنه حصبة، إلى جانب زيادة في مخاطر الإصابة بالأمراض التنفسية.
تشير المعطيات الاقتصادية واللوجستية إلى أن لبنان غير قادر على تحمّل حرب طويلة، إذ تقتصر قدرته على الصمود على أسابيع قليلة في ظل نقص الوقود، وشلل الإمدادات، وعجز الدولة المالي
وفي ما يتعلق بالأمراض المرتبطة بالغذاء والمياه، ظهرت حالات تسمم غذائي، بينما لا يزال خطر الكوليرا قائمًا رغم عدم تسجيل إصابات مؤكدة حتى الآن، بسبب نقص المياه النظيفة.
أما على صعيد الصحة الإنجابية، فيقدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان وجود نحو 69,900 امرأة حامل في لبنان يعشن في ظروف صعبة، مع تسجيل ولادات في أماكن غير مهيأة مثل المدارس والسيارات وحتى على الأرصفة، في ظل غياب الرعاية الطبية.
وفي موازاة ذلك، بدأت فرق صحية تنفيذ فحوصات للكشف عن مرض السل في الملاجئ المكتظة، حيث جرى فحص أكثر من 1,200 نازح كإجراء احترازي لمنع انتشار المرض.
الاقتصاد تحت الحرب
دخل الاقتصاد اللبناني حرب 2026 وهو في بداية تعافٍ ضعيف بعد نمو محدود في 2025، لكن التصعيد أعاده سريعًا إلى الانكماش.
ورغم استقرار سعر الليرة شكليًا، فإن ذلك يعود إلى دولرة الاقتصاد وتدخلات مصرف لبنان، فيما بقيت الأسعار مرتفعة بشكل يرهق الأسر، خاصة مع ارتفاع كلفة الغذاء والإيجارات في مناطق النزوح.
بالتوازي، تراجع النشاط التجاري بأكثر من النصف، وتوقف القطاع السياحي شبه كلي، ما أفقد البلاد أحد أهم مصادر العملة الصعبة. أما القطاع المصرفي، فلا يزال غارقًا في أزمته مع قيود على السحب وغياب الإصلاحات، ما دفع اللبنانيين للاعتماد على النقد والتحويلات الخارجية.
وفي ظل هذا الواقع، برز اقتصاد موازٍ تقوده شركات تحويل الأموال، لكنه يثير مخاطر مالية وسياسية إضافية، خاصة مع استخدامه للالتفاف على العقوبات، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد ويهدد بعزله عن النظام المالي العالمي.
البينة التحتية والخدمات
تسببت حرب 2026 في تدمير واسع للبنية التحتية في لبنان، حيث استُهدفت الطرق والجسور الرئيسية، خاصة في الجنوب، ما أدى إلى عزل مناطق كاملة وقطع الإمدادات عنها. كما دخلت البلاد في حالة شبه تعتيم كهربائي بسبب توقف محطات الإنتاج ونقص الوقود، في وقت تضرر فيه قطاع الاتصالات وبات مهددًا بالانقطاع. وانهار جزء كبير من النظام الصحي بعد خروج مستشفيات ومراكز طبية عن الخدمة، بينما تحولت مئات المدارس إلى مراكز إيواء، ما عطل التعليم بالكامل. اقتصاديًا، واجه لبنان حصارًا غير معلن، مع تباطؤ حركة الموانئ وارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، نتيجة المخاطر الأمنية وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع وزيادة خطر نقص المواد الأساسية في الأسواق.
التدمير المنهجي
في جنوب لبنان، لم تقتصر الحرب على تدمير المنازل والبنية التحتية، بل امتدت إلى ضرب أسس الاقتصاد المحلي والبيئة بشكل ممنهج. فقد تعرض القطاع الزراعي، الذي يشكل مصدر العيش الأساسي، لخسائر كبيرة مع تدمير آلاف أشجار الزيتون ونفوق أعداد هائلة من المواشي وتخريب مساحات واسعة من الأراضي، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج.
كما ساهم استخدام مواد حارقة وكيماوية في تلويث التربة والمياه، ما يهدد القدرة الزراعية للمنطقة لسنوات طويلة.
بالتوازي مع ذلك، طالت الضربات الأسواق المحلية والمرافق الاقتصادية في القرى، حيث دُمّرت مراكز تجارية ومستودعات إنتاج، ما أدى إلى شلل شبه كامل في النشاط الاقتصادي، وسط مخاوف من أن يصبح جزء كبير من الجنوب غير قابل للحياة على المدى الطويل.
انهيار مقومات الصمود
تشير المعطيات الاقتصادية واللوجستية إلى أن لبنان غير قادر على تحمّل حرب طويلة، إذ تقتصر قدرته على الصمود على أسابيع قليلة في ظل نقص الوقود، وشلل الإمدادات، وعجز الدولة المالي الكامل عن تمويل الاستيراد أو الإغاثة.
ومع تصاعد الضغوط الاجتماعية في مناطق النزوح، تزداد مخاطر الانزلاق نحو صراعات داخلية على الموارد. في المقابل، تكشف العمليات العسكرية في الجنوب عن نمط تدمير يتجاوز البعد العسكري ليطال البيئة والاقتصاد المحلي، عبر استهداف الأراضي الزراعية وتلويثها، ما يهدد بتحويل المنطقة إلى مساحة غير قابلة للحياة على المدى الطويل. وفي ظل غياب تسوية سياسية أو دعم دولي كافٍ، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة انهيار متسارع تهدد استمراريته كدولة مستقرة، ما لم يُفرض وقف فوري للحرب، يتبعه تدخل دولي واسع لإعادة بناء ما تبقى من مقوماته.