لماذا تستعين شركات الذكاء الاصطناعي بالفلاسفة؟
7 يوليو 2026
لم يعد تطوير الذكاء الاصطناعي حكرًا على علماء الحاسوب والمبرمجين، إذ بات الفلاسفة يشكلون جزءًا أساسيًا من فرق العمل داخل كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. وتتمثل مهمتهم في جعل الجيل المقبل من النماذج أكثر قدرة وموثوقية، إلى جانب المساهمة في الإجابة عن أسئلة عميقة تتعلق بالوعي وطبيعة الذكاء، وما إذا كان من الممكن إعادة إنتاجه داخل البرمجيات.
ويقول الباحث في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، جوناثان بيرش، إن شركات الذكاء الاصطناعي أصبحت اليوم من أكبر الجهات التي توظف الحاصلين على الدكتوراه في الفلسفة، إذ تغريهم برواتب مرتفعة، وخيارات أسهم، وفرص عمل بحثية يصعب مقاومتها.
وأضاف: "الموضوعات التي نوقشت لعقود داخل أقسام الفلسفة، مثل كيفية اتخاذ القرارات العقلانية، وتنظيم المبادئ الأخلاقية، وتعريف التفكير والاستدلال والتأمل الذاتي، وما الذي يُعد دليلًا على الوعي، أصبحت فجأة ذات قيمة هائلة لشركات الذكاء الاصطناعي. ولذلك نشهد هجرة كبيرة للعقول من الجامعات إلى الصناعة."
مواءمة الذكاء الاصطناعي ومنع السلوك الضار
تُعد "المواءمة"من أبرز المهام التي يعمل عليها الفلاسفة داخل شركات الذكاء الاصطناعي، وهو المصطلح الذي تستخدمه الصناعة للإشارة إلى الجهود الرامية إلى منع النماذج من إنتاج محتوى ضار، مثل تقديم تعليمات لصنع المتفجرات، وغير ذلك.
في البداية، اعتمدت الشركات على قيود بسيطة تمنع النماذج من التطرق إلى موضوعات معينة بشكل كامل، مثل صنع القنابل، وإيذاء النفس، والبرمجيات الخبيثة، وأساليب الاحتيال والاختراق، وتعليمات تصنيع المواد السامة، أو التحريض على العنف، لكن هذه القيود اتسمت بالجمود وكان من السهل الالتفاف عليها.
أما اليوم، فتتجه الشركات إلى أساليب أكثر تطورًا تعتمد بدرجة كبيرة على الفهم الفلسفي لمفاهيم الصواب والخطأ.
كما تواجه شركات الذكاء الاصطناعي باستمرار قرارات معقدة بشأن الطريقة التي ينبغي أن تتفاعل بها روبوتاتها مع البشر، وهي قرارات يمتلك الفلاسفة، بحكم خبرتهم في تحليل المعضلات الأخلاقية، مؤهلات للإسهام فيها.
اعتمدت الشركات على قيود بسيطة تمنع النماذج من التطرق إلى موضوعات معينة بشكل كامل، مثل صنع القنابل، وإيذاء النفس، والبرمجيات الخبيثة، وأساليب الاحتيال والاختراق
لماذا يصعب تعليم الذكاء الاصطناعي الأخلاق؟
وحول صعوبة تعليم الذكاء الاصطناعي الأخلاق، يرى الباحث في جامعة إكستر البريطانية، شين غلاكين، أن الأمر أكثر تعقيدًا مما يبدو.
ويشير إلى أن الباحثين اكتشفوا أن السماح للنموذج بمخالفة قاعدة واحدة في موقف محدد قد يدفعه إلى خرق قواعد أخرى أيضًا.
ويفسر ذلك بقوله إن السبب المرجح هو وجود روابط دلالية عميقة داخل النصوص التي تدرب عليها النموذج، تربط بين المفاهيم "الجيدة" و"السيئة". وبمجرد السماح له بفعل شيء يُصنف على أنه سيئ، يبدأ في تعميم هذا السلوك على مواقف أخرى.
وأضاف: "من منظور أخلاقي، فإن ما نحاول القيام به هو فهم حدود مفاهيم مثل الصواب والخطأ أو الخير والشر، وتحديد ما يندرج تحتها في الاستخدام اللغوي أو المفاهيمي، ويبدو أن هذا هو بالضبط نوع التحليل الذي تقوم به النماذج اللغوية الكبيرة."
مكافحة "الهلوسة" والانحياز
من جهة أخرى، لا تقتصر مهام الفلاسفة على معالجة القضايا الأخلاقية، بل تشمل أيضًا الحد من ظاهرة "الهلوسة"، وهو المصطلح الذي يطلق على المعلومات المختلقة التي تنتجها النماذج بحيث تبدو صحيحة ومقنعة لكنها في الواقع غير صحيحة أو لا تستند إلى أي مصدر موثوق.
كما يعملون على تطبيق نظريات الوعي البشري على نماذج الذكاء الاصطناعي في محاولة للإجابة عن سؤال لا يزال مطروحًا بقوة: هل يمكن أن تمتلك هذه النماذج شكلًا من أشكال الإدراك أو الإحساس؟
ونتيجة لذلك يقول غلاكين: "ما الذي تفعله العقول؟ وما الذي تفعله الأدمغة؟ وما الذي يمكن إعادة إنتاجه؟ هذه أسئلة جوهرية بالنسبة للذكاء الاصطناعي، وقد شغلت الفلاسفة منذ زمن طويل."
ربما تكون شركة "أنثروبيك" الأكثر تأثرًا بالفلسفة بين كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. فهي لا تريد أن يكون نموذجها "كلود" مجرد مساعد مفيد، بل أن يتمتع أيضًا بـ"شخصية أخلاقية جيدة"، بحسب أماندا أسكل، وهي فيلسوفة تعمل في الشركة، في حديث سابق لمجلة "ذا أتلانتك".
وفي كانون الثاني/يناير، وتحت إشرافها، نشرت الشركة "دستور كلود"، وهو وثيقة فلسفية من 84 صفحة تحدد رؤية "أنثروبيك" لشخصية النموذج وسلوكه. ويتضمن هذا الدستور فصولًا فلسفية معمقة حول ما وراء الأخلاق ونظرية المعرفة، ويُستخدم في تدريب نموذج "كلود".
الفلسفة وعلوم الحاسوب
في المقابل، يشير الباحث في جامعة إدنبرة البريطانية، مهرداد المطهري، إلى أن العلاقة بين الفلسفة وعلوم الحاسوب ليست جديدة، إذ إن الورقة العلمية التي قدّم فيها آلان تورينغ اختباره الشهير، المعروف باسم "اختبار تورينغ"، لتحديد ما إذا كانت الآلة تستطيع إظهار سمات الذكاء، نُشرت أصلًا في مجلة فلسفية.
ويعتقد المطهري أن القيمة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها الفلاسفة لا تكمن بالضرورة في حل سؤال الوعي الآلي، بل في مساعدة المهندسين على تفسير ما يجري داخل النماذج الرياضية المعقدة.
وقال: "تجري داخل هذه النماذج عمليات رياضية هائلة، والسؤال هو: هل يمكن استخراج وصف أعلى مستوى يوضح أن هذا الجزء من النموذج يمثل سمة معينة من العالم، بينما يمثل جزء آخر سمة مختلفة؟"
وأضاف أن الفلاسفة مؤهلون للانتقال من الوصف الهندسي البحت إلى وصف تمثيلي يفسر ما تمثله مكونات النموذج بالفعل.
وأشار في سياق حديثه إلى أنه يعرف أكاديميين اثنين غادرا الجامعة للعمل في شركات الذكاء الاصطناعي، كما أنه يعمل بنفسه مستشارًا لإحدى الشركات.
مخاوف من تأثير الشركات على البحث الفلسفي
وبسبب انتقال عدد من الفلاسفة إلى العمل في شركات الذكاء الاصطناعي، يحذر بعض الباحثين من أن انتقال أعداد متزايدة من الفلاسفة إلى شركات التكنولوجيا قد يؤدي مستقبلًا إلى انحياز الأبحاث بما يخدم مصالح تلك الشركات.
ويقول جوناثان بيرش: "من الواضح أن جزءًا كبيرًا من الأبحاث الفلسفية الجادة سيموَّل مستقبلًا من قبل الصناعة. وسواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن الشركات لديها توقعات ترغب في تحقيقها، وتمتلك القدرة على تفضيل الباحثين الذين يقدمون أفكارًا وحججًا تتوافق مع مصالحها."
وأضاف في حديثه إلى مجلة "نيو ساينتست": "كنت أتمنى لو أننا أحرزنا تقدمًا أكبر في الأسئلة الفلسفية الكبرى، مثل الوعي، والفاعلية، والأخلاق، قبل ظهور الذكاء الاصطناعي. فلو حدث ذلك، لكنا أكثر استعدادًا اليوم. لقد منح الذكاء الاصطناعي هذه الأسئلة إلحاحًا غير مسبوق، لكن الإجابات لا تزال بعيدة المنال."
تقرؤون المزيد في: وزيرة الخارجية البريطانية: العالم لا يحتمل "هيروشيما" جديدة بسبب الذكاء الاصطناعي