مؤتمرات المناخ: فشل متكرر وحسابات سياسية تُبقي الوقود الأحفوري منتصرًا
26 نوفمبر 2025
اختُتمت مؤخرًا في مدينة بيليم البرازيلية، أعمال مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30)، القمة المناخية السنوية التي تجمع الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، حيث توصلت نحو 200دولة، بعد مفاوضات شاقة امتدت حتى ساعات الليل الأخيرة في اليوم الختامي، إلى اتفاق هش انتهى بتسوية تقضي بإبقاء مسألة الوقود الأحفوري خارج النص الرسمي وإدراجها في وثيقة جانبية طرحتها البرازيل.
وبينما يحاول أصحاب المصلحة في وسائل الإعلام تصوير النتيجة على أنها انتصار، بإثبات أن التعاون المناخي لا يزال قائمًا، ينظر آخرون من زاوية أخرى إلى المؤتمر بوصفه استمرار لسلسة مستمرة من الفشل دامت لأكثر من ثلاثة عقود، وأن نتائجه، ونص القرار المعروف باسم "غلوبال موتيراو" أو الجهد الجماعي العالمي، هي في جوهرها شكل من أشكال إنكار تغيّر المناخ.
ماذا حصل في كوب 30؟
يُظهِر فشل مؤتمر الأطراف كوب 30في بليم البرازيلية في الاتفاق على خريطة طريق ملزِمة للتخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري أن النظام الحالي لمؤتمرات المناخ أصبح عاجزًا عن إنتاج القرارات المطلوبة بحجم الأزمة.
فالنص النهائي للمؤتمر ركَّز على تعهّدات بزيادة تمويل التكيف، وعلى اتفاق "غلوبال موتيراو" الذي يبقي هدف 1.5 درجة مئوية في المتناول، لكنه تجنّب الإشارة المباشرة إلى التخلص من الفحم والنفط والغاز واكتفى بصياغات عامة وغير مُلزِمة.
دخلت دول عديدة إلى المؤتمر مطالبةً بخارطة طريق واضحة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، مستندةً إلى سابقة كوب 28الذي تحدّث لأول مرة عن الانتقال بعيدًا عن جميع أنواع الوقود الأحفوري.
لا يشكل كوب 30 حالة استثنائية، بل حلقة جديدة في سلسلة مؤتمرات تنتهي بتسويات ضعيفة، تُرحِّل القرارات الحاسمة فيها إلى عامٍ لاحق ومؤتمرٍ لاحق، بينما يستمر صعود الانبعاثات ويزداد الاحترار العالمي
لكن الدول المنتِجة للنفط والغاز – مثل السعودية ودول أخرى، إلى جانب قوى ناشئة كالهند وروسيا – عرقلت أي نص صريح بالاستغناء التدريجي عن الوقود الأحفوري أو تشديد أهداف خفض الانبعاثات، لينتهي المؤتمر باتفاق متواضع يحافظ على تعددية الأطراف أكثر مما يحمي المناخ.
وبينما مارس الاتحاد الأوروبي ضغوطًا مكثفة لدفع المجتمع الدولي نحو خارطة طريق واضحة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وجد التكتل الأوروبي نفسه معزولًا بعدما اصطدم بمعارضة مجموعات واسعة من الدول المنتجة والمصدّرة للنفط، واضطر في نهاية المطاف لقبول التسوية.
ومع انقسام الدول تقريبًا إلى معسكرين متساويين بين مؤيد ومعارض لأي التزام صريح بالتخلص من الوقود الأحفوري، حاولت رئاسة المؤتمر البرازيلية إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإطلاق مبادرات وخارطتَي طريق طوعيّتين لخفض الوقود الأحفوري ووقف إزالة الغابات خارج النص الرسمي للبيان الختامي.
بهذا المعنى، فإن كوب 30 لا يشكل حالة استثنائية، بل حلقة جديدة في سلسلة مؤتمرات تنتهي بتسويات ضعيفة، تُرحِّل القرارات الحاسمة فيها إلى عامٍ لاحق ومؤتمرٍ لاحق، بينما يستمر صعود الانبعاثات ويزداد الاحترار العالمي.
الوقود الأحفوري سيد المفاوضات
على الرغم من الشعارات الخضراء التي تملأ قاعات المؤتمرات المناخية، يبدو اللون الحقيقي لطاولة التفاوض هو لون النفط ومصالحه، فخلف الأبواب المغلقة، يتقدّم ممثلو شركات الوقود الأحفوري والبلدان المنتِجة للنفط والغاز إلى الصفوف الأولى، ليرسموا حدود ما يمكن وما لا يمكن القبول به في أي اتفاق جديد.
يظهر تقرير صادر عن تحالف "اطردوا الملوثين الكبار" (Kick Big Polluters Out)، أن أكثر من 1600 من ممثلي شركات الوقود الأحفوري وجماعات الضغط المرتبط بها شاركوا في مؤتمر كوب 30، ما يمثل عامًا آخر من الحضور الساحق لهذه الصناعة في مفاوضات المناخ الحاسمة، ويكثف الدعوات لحماية المفاوضات من سيطرة الشركات.
النص النهائي لمؤتمر كوب 30 تجنّب الإشارة المباشرة إلى التخلص من الفحم والنفط والغاز واكتفى بصياغات عامة وغير مُلزِمة
وغالبًا ما يترجم هذا الحضور الفاعل لجماعات الضغط المرتبطة بشركات النفط والغاز في مؤتمرات المناخ، إلى تخفيف لهجة البيانات كلما اقتربت نحو التخلص من الوقود الأحفوري، وتأجيل القرارات بحجة الواقعية الاقتصادية والظروف الوطنية المختلفة، وفتح ثغرات لتبرير استمرار إنتاج النفط مثل طرح مفاهيم الوقود الأحفوري منخفض الانبعاثات أو مفاهيم التقاط الكربون التي على الرغم من أهميتها لاتزال حلولًا ناشئة لا تفي بالغرض.
"فيتو" غير معلن
تتيح بنية التفاوض في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية تغيير الإجماع عمليًّا إلى نوع من "الفيتو"، إذ يمكن لأية دولة أو مجموعة دول تعطيل نصّ كامل أو إفراغه من مضمونه بمجرد رفضها، لأن قرارات المؤتمر مرهونة بشرط أساسي هو عدم اعتراض أحد.
وعلى غرار قمة كوب 15 في كوبنهاغن عام 2019، حين تحطّمت الآمال بمعاهدة مناخية ملزِمة بسبب خلافات حادّة بين شمال العالم وجنوبه، والضغوط السياسة الداخلية في الولايات المتحدة والصين، لينتهي الأمر باتفاق سياسي غير ملزِم، تكرر المشهد هذا العام حيث دفعت أكثر من 80 دولة باتجاه نص واضح حول التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، بينما تحالفت أكثر من 80دولة أخرى لإسقاط أية صياغة مُلزِمة، فخرج النص النهائي بصياغات عامة حول تسريع التحول من دون تحديد نهج أو إطار زمني، مع نقل النقاش إلى مبادرات ومسارات طوعية.
وطالما ظلّ نظام الإجماع بهذه الصيغة، ستبقى أقلية من الدول المنتفعة من الوقود الأحفوري قادرة على تعطيل إرادة أغلبية واسعة من الدول الأكثر تأثرًا.
مؤتمرات بدون مخالب
تفتقر قمم المناخ إلى الطابع الإلزامي وتعتمد على التعهدات الطوعية بالتخفيف من الانبعاثات ورفع عتبة التمويل للمساهمة في التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه.
على سبيل المثال، شكّل اتفاق باريس عام 2015، اختراقًا تاريخيًا من حيث إجماع معظم دول العالم حول هدف واحد، لكنه بني على تعهدات طوعية غير ملزمة، حيث تحدد كل دولة مساهمتها الوطنية وفق ما تراه ملائمًا، من دون آلية قوية لإجبارها على رفع طموحها أو الالتزام بما وعدت به بالفعل.
أدى هذا النهج إلى فجوة كبيرة في الطموح، وغياب أدوات الإنفاذ، وتفاوت كبير بين مساهمات الدول بالمقارنة مع مسؤوليتها التاريخية عن الانبعاثات وقدراتها الاقتصادية.
يُظهِر تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن العالم يتجه إلى احترار قدره 2.3 إلى 2.5 درجة مئوية إذا نُفذت التعهدات الحالية بالكامل، ونحو 2.8 درجة مئوية مع السياسات الفعلية الجارية، أي بعيدًا تمامًا عن مسار 1.5 درجة التي يطمح إليها اتفاق باريس.
هذا يعني أن مؤتمرات المناخ – من باريس إلى غلاسكو ودبي وباكوه وبليم - لم تنجح في سدّ فجوة الطموح بين ما تقره العلوم المناخية وما تقبله الدول سياسيًا.
عدالة منقوصة وتمويل ضعيف
تتحمل البلدان الأكثر ضعفًا، وطأة التأثيرات المناخية الشديدة على نحو متزايد، ما يضطرها لقبول تعهدات مالية رمزية لمنع انهيار المفاوضات.
وخلال مسيرة مؤتمرات المناخ كان مطلب الدول النامية واضحًا: لن نستطيع خفض الانبعاثات والتكيّف مع الآثار ما لم نحصل على تمويل عادل وكافٍ ومتوقَّع.
تعهدت دول العالم عام 2009 بتوفير 100 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2020، لكن هذا التعهد لم يتحقق إلا في عام 2022 وبأدوات يغلب عليها طابع القروض بدل المنح والمساعدات.
وعلى الرغم من تعهد الدول المتقدمة في قمة باكو العام الماضي بتقديم 300 مليار دولار على الأقل سنويًا بحلول عام 2035، من مجموعة متنوعة من المصادر، ترى الدول الضعيفة أن تكلفة التأثيرات المناخية عليها أكبر بكثير، عدا عن التكاليف الإضافية للتكيف والانتقال العادل والمنصف إلى الطاقة المتجددة، كما أن الصياغة بقيت طوعية وبعيدة جدًا عن تقديرات الاحتياجات الحقيقية.
في الوقت نفسه تشير تحليلات التمويل المناخي إلى أن العالم يحتاج إلى تريليونات الدولارات سنويًا لتجنّب السيناريوهات الكارثية، وليس مئات المليارات فقط.
تناقض السياسات والالتزامات
لا يمكن فصل فشل مؤتمرات المناخ عن السياسات الداخلية للقوى الكبرى، فمع انتخاب قيادة سياسية في الولايات المتحدة معادية لاتفاق باريس، انسحبت واشنطن من الاتفاق وغابت الولايات المتحدة كدولة عن قمة بيليم مع حضور وفود بديلة من ولايات وحكومات محلية فقط.
أما في الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من الريادة النسبية في التشريعات الخضراء، تواجه الحكومات ضغوطًا شعبوية واقتصادية تجعلها تتراجع عن بعض إجراءات المناخ عند أول أزمة طاقة أو ركود اقتصادي.
أما في الدول ذات الاقتصادات الناشئة الكبرى مثل الصين والهند والبرازيل، يدور صراع دائم بين متطلبات التنمية السريعة وبين كلفة الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، ما يترك المواثيق الدولية مرهونة بحسابات الطاقة الرخيصة والأسواق الداخلية.







