مئوية يوسف شاهين.. "الاختيار": ثنائية الفصام والضياع اللانهائية بعد الهزيمة
13 ديسمبر 2025
في سياق الاحتفاء بمئوية يوسف شاهين، وافتتاح متحفه الجديد في "الجونة" على هامش المهرجان في دورته الأخيرة، تعود قراءة أعماله لتصبح فعلًا ضروريًا لاستعادة أثره الفني والفكري.
وفي هذه المناسبة، تبدو العودة إلى فيلمه "الاختيار" (إنتاج 1971) فرصة للكشف عن عالمٍ شديد التعقيد، لا يقدّم فيه شاهين الحكاية بوصفها سردًا خطيًا، بل بوصفها مرآة لانقسام الإنسان بعد لحظة تاريخية فارقة. ومن هُنا نتطرق إلى عالم هذا الفيلم الذي يفتح بابًا واسعًا لقراءة الفِصام الوجودي عند الفرد والمجتمع في آنٍ واحد.
يقدّم شاهين في "الاختيار" نموذجًا راديكاليًا لفكرة الفِصام الوجودي، لا بوصفه اضطرابًا نفسيًا، بل بوصفه بنية سردية وبصرية تحكم العالم والشخصيات والأزمنة منذ اللحظة الأولى. عن تلك الهزيمة التي أصابت المجتمع بشعور الانتكاسة "نكسة 1967"، التي وُلد من رحمها فصام بين ما يريده الإنسان، وما هو عليه الآن، ودون الإمعان في تحليل أعقاب النكسة نفسها، إلا أن ذلك الفِصام، كان بمثابة مربط الفرس في إنتاج فيلمه الذي نتناوله.
ما بين هوية الفيلم وهوية بطله
بداية من اسم الفيلم، نلحظ الوقوع بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا الشكل المنضبط، الذي يتمثّل في سيد المثقف الذي يرضى عنه المجتمع، أو محمود الفنان الحقيقي المُتحرر من القيود المجتمعية كافة. سيد الذي يحقق الكثير من النجاحات والجوائز والسفر، في مشهدٍ افتتاحي يصف بدقة حالة الملل الزوجي التي يعيشها مع شريفة زوجته، في مقابل محمود الذي لم نعرف عنه إلا بعد أن نتورط في ملل حياة سيد، وحياته التي تبدو براقة في ظاهرها، لكنّها محبطة بائسة في داخلها.
وكأنه تأسيس لمبدأ الثنائيات ذاتها منذ البداية، وقبل ظهور أي لمحة للفصام أو لوجود محمود؛ فنحن أمام شخصية هي ذاتها تحيا بين عالمين: المزيّف الناجح اللامع، والحقيقي البارد الميت.
ثم مع ظهور شخصية محمود، التي يلعب شاهين فيها من جديد اللعبة ذاتها، ويضعنا بين قوسين لثنائية جديدة؛ يبدأ شقّها الأول بأن الفيلم سوف يدور حول الباحث عن القاتل، وكأنه فيلم بوليسي، لكنّه سُرعان ما يلحقنا بالشِق الثاني للثنائية، الذي يحمل تبعات لثنائيات أخرى.
الشِق الثاني هو "ظهور محمود" في الحدث، للخروج من عباءة أفلام الجريمة، والتعرّف على حياة جديدة لشخصية، كان المقصود أن تكون توأمًا، من خلال تعرّفنا عليه في البداية. وكأنهما شخص واحد، أو هما بالفعل كذلك.
أما عن التبعات التي تلحق بالثنائيات الأم المذكورة، فجميعها تتجلى حين تبدأ شريفة في التعرّف على حيثيات الجريمة عن طريق قراءة المسرحية التي كتبها زوجها. لينقلنا الفيلم من جديد إلى حياة تكسر حدود المكان المغلق الذي يعيش فيه الزوجان، لنلتقي بالزوجة نفسها مع الممثل نفسه "شقيقه"، لكنّها في مكان آخر أكثر براحًا، حيث ميناء الإسكندرية، ثم تركب وراءه دراجة نارية، وكأنه تحرّر كامل من أي شيء مغلق ومُهندم كعادة حياتها مع سيد.
هاذان النقيضان هُما محور الحدث بأكمله عند شاهين في "الاختيار"، وما يلحقهما من فلسفاتٍ لا حصر لها، عن مواجهة الإنسان لذاته أو حتى هروب الإنسان من ذاته. فتلك المتناقضات تتجلى في شخص واحد، أيًا من كان الذي يحيا بصفته: سيد أو محمود. فالفيلم لم يرد التحديد أو الجزم النهائي، بل اختار الحيرة. والجزم النهائي فيه هو أن الجسد الواحد يوجد به النقيضان (سيد/محمود) بصفتهما الثنائية الأساسية في الفيلم.
ينتهي الفيلم دون أن تتحدد الهويات ولا المفاهيم ولا الأهداف، ليؤكد على الضياع ذاته والتشتت نفسه، وكأنه بمثابة ثنائية طويلة المدى
داخل هذه الثنائية الفلسفية المذكورة، يبدو العنصر الأول فيها (مواجهة الإنسان لذاته) هو عنصر لم يتحقق للنهاية في الشخصية الرئيسية، بل بات الجسد الذي يحمل الشخصين معًا هاربًا من هذا لذاك والعكس، ليتحقق العنصر الثاني وهو (هروب الإنسان من ذاته). ولكن أي هروب؟
فهروب سيد لمحمود يمثل التحرر من هزيمة نفسية وإدراكًا واضحًا لحجم الفتور الذي يسيطر على حياته، أما هروب محمود لسيد فهو هروب من فشل التحقّق، وتحقيق لرغبة الحب المفقودة مع شريفة.
شريفة: بين قيد المجتمع ووهم الحرية
أما عن تمزّق شريفة/ سعاد حسني، بين الاثنين، فهو التمزّق ذاته بين التمسك بالمجتمع الذي يصرّ على كونه متماسكًا وهو في حالة متخبطة لم يعرف طريقها بعد، مثلها تمامًا؛ ترغب الحرية ولم تُكمل طريقها فيها، وترغب في الواجهة المشرفة المثقفة ولم تتحملها.
ومع ذكر دلالات الأماكن بين القيد والحرية، لا يمكن إغفال أن الفيلم لم يكن معنيًا أبدًا بتحديد هويات الأماكن؛ فالأماكن بلا هوية. هي فقط تعطي الدلالة بين القيد والحرية، دون إطار يحدد انتماءها. وذلك يتقاطع كُليًا مع هزيمة الأماكن التي خضنا الحرب من أجلها، ولا تزال ممزقة وتائهة. كما أن ذلك يتقاطع مع رسم الشخصيات أيضًا؛ فلا حقيقة مطلقة لأي شخصية. وبالتالي لا حقيقة مطلقة للأماكن، وبالتبعية لا حقيقة مطلقة للزمن والحدث والسرد.
فرج: وجه آخر للفصام
ثم تأتي شخصية "فرج"/ محمود المليجي، كمفتاحٍ ضروري لفهم ثنائية العلايلي؛ فهو يبدو للوهلة الأولى مستقلًا، لكنّه في الواقع يمثل شكلًا آخر من أشكال الانقسام المكبوت، وكأنه نسخة غير مكتملة من سيد أو نقيضه المكبّل.
فنلاحظ ومضات عن بعض الشخصيات رغم خدعة وضوحها؛ ففرج يظهر طوال الفيلم محققًا وباحثًا عن الحقيقة، بينما يُنعت على لسان الشخصيات بالقسوة التي لم تظهر بشكل فعلي داخل الأحداث. وبين ثنايا شخصيته تتضح وحدته التي ربما كان سببها محاولاته لكسر قيد من قيود المجتمع، لكنّه اضطر في النهاية ألا يفعل. وكأنه المواجه الفعلي لشخصية سيد، لنحقق الثنائية الجديدة (فرج/سيد)، أو بالأحرى (العلايلي/المليجي)، لأن العلايلي هو جسد يحمل شخصين معًا.
ففرج يحمل داخله مشاعر تمكّنه من الوجود داخل علاقات عاطفية على طريقته، لكنّه يخضع لصورة مجتمعية ليصبح وحيدًا يُشاع عنه القسوة التي لم نتحقق من وجودها، في مقابل العلايلي الذي لم يلمس بداخله النقيضين حقًا، لكنه عاشهما. لم يتحرر من واحد ليحصل على الآخر، بل جمع الاثنين معًا في جسد واحد، بينما فرج لم يتحرر فوقع أسيرًا لقيد جديد.
وبالتبعية العلايلي لم يتحرر، بل عايش وهمًا أكسبه حرية مؤقتة وصيتًا مجتمعيًا أيضًا مؤقتًا. فالحالتان تتشابهان بالفعل مع حالة النكسة والشعور بالهزيمة.
الزمن المتشظّي
وعلى غرار رسم الأماكن والشخصيات، تم رسم الزمن كذلك؛ فلا هوية لأي عنصر، درامي كان أو فني، بل شظايا تتحرك في عبثية ممنطَقة لتدلل على ذلك التشظي الأكبر.
فالزمن خادع من البداية؛ مثله مثل تحديد هوية الفيلم بصفته بوليسيًا، ثم مع فلاش باك، لكن لا يصحّ تصنيفه فقط بأنه ماضٍ يتم تذكّره، بل ربما هو وهم في خيال كاتب الأوراق التي تقرأها شريفة. ليلحقه سؤال آخر: هل هو وهم في خيال سيد؟ أم وهم في خيال محمود؟ أم حقيقة فعلية في حياة أي منهما؟
أسئلة لا حصر لها تتبع التنّقل بالزمن، للتدليل على الضياع لأي حقيقة مُّطلقة، وبالتالي لا يمكن الجزم — في إطار الزمن المتلاعب بين أكثر من ماضٍ وأشياء متخيلة وأشياء يتمناها آخرون وتتتابع وراء بعضها البعض — أن هناك أي شخصية واحدة ثابتة حقيقية ذات رسم واضح غير ممزق حتى النهاية!
فالجميع ممزق بين سائر الأزمنة، التي حتى النهاية لم نتأكد خلالها: هل الجسد المتبقي هو سيد أم محمود؟ ويتمزق الحب أمامه في السيدتين، في دلالة للصورة السينمائية شديدة الوضوح؛ بين زجاج عربة الشرطة حيث تقع شريفة في إطار وبهية السيدة المُفضلة لمحمود/ هدى سلطان في آخر، ليتجسدا ليس بصفتهما شخصيتين، بل بصفتهما مفهومًا واحدًا ممزقًا أيضًا، وهو مفهوم الحب (شريفة/ بهية).
ينتهي الفيلم دون أن تتحدد الهويات ولا المفاهيم ولا الأهداف، ليؤكد على الضياع ذاته والتشتت نفسه، وكأنه بمثابة ثنائية طويلة المدى. تحليل كل طرف فيها يسلّم لثنائية جديدة لا تنتهي أطرافها مهما بلغنا من التفكيك مداه، ليظل شعور التمزق قائمًا. وهكذا يتجاور تمزّق الشخصيات مع تمزّق المجتمع ذاته بعد النكسة، ليصبح الاختيار فيلمًا بلا إجابة نهائية، مهما حاولنا تفكيك ثنائياته كافة.







