ما الذي يعنيه أن تستلم سوريا قاعدة التنف الأميركية؟
13 فبراير 2026
أعلنت الولايات المتحدة انسحاب قواتها من قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، وتسليمها رسميًا إلى قوات الحكومة السورية، في خطوة تمّت بالتنسيق بين الجانبين.
ويعدّ هذا التطور من أبرز التحولات في الوجود العسكري الأميركي داخل سوريا منذ عام 2014، حين أُنشئت القاعدة في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.
ما هي قاعدة التنف؟
أُقيمت قاعدة التنف خلال الحرب ضد تنظيم الدولة، واستخدمتها القوات الأميركية مركزًا لعمليات التحالف الدولي.
ومع تراجع خطر التنظيم بعد عام 2019، تحوّلت القاعدة إلى نقطة تمركز استراتيجية لمراقبة طرق الإمداد في البادية السورية، ولا سيما تلك التي تربط بين سوريا والعراق.
ولم تكن القاعدة مجرد موقع تمركز عسكري، بل جزءًا من منطقة عازلة بقطر 55 كيلومترًا فرضتها الولايات المتحدة طوال سنوات، ومنعت خلالها اقتراب قوات النظام السابق والطيران الروسي.
وبذلك كانت هذا القاعدة بمثابة منطقة نفوذ أميركي مباشر داخل الجغرافيا السورية، وليس مجرد نقطة مراقبة.
وبحسب البيانات الرسمية، جرى تسليم القاعدة إلى دمشق بعد تنسيق مباشر مع واشنطن، على أن تتولى وحدات الجيش السوري وقوات حرس الحدود مهام الانتشار والتأمين في المنطقة.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها لا تزال مستعدة للتدخل في حال ظهور تهديدات مرتبطة بتنظيم الدولة.
لم تكن القاعدة مجرد موقع تمركز عسكري، بل جزءًا من منطقة عازلة بقطر 55 كيلومترًا فرضتها الولايات المتحدة طوال سنوات، ومنعت خلالها اقتراب قوات النظام السابق والطيران الروسي
ويأتي هذا الانسحاب بالتوازي مع تحركات أميركية أخرى في شمال شرقي سوريا، شملت إعادة تموضع عسكري ونقل معتقلين مرتبطين بتنظيم الدولة إلى العراق، إضافة إلى اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن المؤسسات العسكرية السورية.
غير أن الانسحاب لا يعني خروجًا أميركيًا كاملًا من المثلث الحدودي، إذ انتقلت القوات إلى قاعدة "البرج 22" داخل الأردن، ما يشير إلى إعادة تموضع أكثر منه انسحابًا تامًا، وإلى استمرار القدرة الأميركية على التأثير في المنطقة من خارج الحدود السورية.
الانسحاب ليس خروجًا نهائيًا
من الضروري قراءة الانسحاب من التنف بوصفه تحولًا في طبيعة الدور الأميركي داخل سوريا، وليس كخطوة لوجستية فقط، ذلك أن التنف لم تكن مجرد قاعدة عسكرية، بل نقطة تأثير جيوسياسية لعبت دورًا في ضبط توازنات إقليمية، لا سيما في ما يتعلق بالممرات البرية بين العراق وسوريا التي كانت تستخدم لصالح حزب الله.
وبهذا السياق، فإن تسليم القاعدة يعني عمليًا نقل عبء إدارة الملف الأمني في البادية السورية إلى الدولة السورية، بما يعكس درجة الرهان الأميركي على قدرة الحكومة السورية الحالية على التعامل مع تهديدات تنظيم الدولة (داعش) ومنع عودته، في وقت لا تزال فيه المنطقة عرضة لفراغات أمنية محتملة.
وتشير مشاركة قوات أمن البادية، التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب الجيش إلى توجه نحو إدارة أمنية متعددة المستويات للمنطقة، بما يعكس محاولة لدمج الأبعاد العسكرية والأمنية في إدارة البادية بعد الانسحاب الأميركي.
في المقابل، يثير بعض المحللين تساؤلات حول قدرة القوات السورية على ملء الفراغ سريعًا، خصوصًا في ظل تعقيدات البادية السورية وتعدد الفاعلين المسلحين في محيطها.
مفارقة الأمن والسيادة
لا شك أن انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة التنف وتسليمها إلى دمشق يمثّل محطة جديدة في إعادة ترتيب المشهد الأمني في سوريا.
صحيح أن واشنطن تنسحب طوعًا من نقطة استراتيجية، إلا أنها تراهن على قيام الدولة السورية بمنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية للنشاط، وضبط الممرات الحدودية بالغة الحساسية.
والرهان مزدوج بهذا المعنى، فمن الجانب الأميركي يتعلق بالأمن، أما بالنسبة لسوريا فيتعلق بقدرة الدولة على استغلال الفرصة لفرض سيادتها الكاملة.
وتكمن المفارقة في أن نجاح تأمين منطقة التنف، وفق المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب، قد يضع الدولة السورية أمام اختبار سياسي معقّد، إذ سيكون من جهة استعادةً لوظيفة الدولة الطبيعية واحتكارها المشروع للقوة، لكنه قد يُقرأ، من جهة أخرى، باعتباره تنفيذًا لأولويات أمنية صاغتها واشنطن، ما يضع استقلال القرار والسيادة الفعليين أمام كثير من التشكيك.
ولهذا يمتد الاختبار من السيطرة الميدانية على القاعدة والمثلث الحدودي، إلى قدرة دمشق على تحويل الانسحاب إلى استعادة حقيقية للقرار السيادي، أي بالانتقال من مجرد تسلّم موقع عسكري إلى التأثير السياسي.