ما بين برلين وكان: مساحة لتبادل أدوار صارخة
7 مايو 2026
في شباط/فبراير الماضي، اعتلى المخرج الفلسطيني السوري عبد الله الخطيب منصة مهرجان برلين السينمائي ليتسلّم جائزة عن فيلمه "وقائع زمن الحصار"، مرتديًا الكوفية، رافعًا العلم الفلسطيني. وجّه كلمته إلى الحكومة الألمانية متهمًا إياها بالشراكة في الإبادة الجماعية في غزة. معترضًا، غادر وزير البيئة الألماني كارستن شنايدر القاعة، واعتُبرت كلمات الخطيب غير مقبولة. بعد أيام، استدعت الحكومة الألمانية مسؤولي الشركة المنظمة للمهرجان إلى اجتماع استثنائي، وتداولت الصحافة أن مديرة المهرجان نفسها مهددة بالإقالة. نستدعي هذه الأحداث كلها لإجراء مقارنة بسيطة في بديهيتها، معقدة في نتائجها، سوريالية في أثرها.
الآن، بينما يُكتب هذا المقال، يستعد مهرجان كان السينمائي 2026 لافتتاح دورته التاسعة والسبعين. وضمن مسابقته الرسمية فيلم للمخرج الألماني فولكر شلوندورف، وفي قسم آخر يُعرض فيلم لاسلو نيميس "يتيم"، الفيلم الذي يتابع طفلًا يهوديًا ناجيًا من المحرقة في بودابست ما بعد الحرب، والذي وُصف بأنه "استكشاف جارح للذاكرة والنجاة". فلنتخيل المشهد: نيميس يصعد المنصة، يتسلّم جائزته، يُلقي كلمة عن ضحايا أوشفيتز، ربما يبكي، يصفق له الجميع. هل سيغادر وزير الثقافة الفرنسي القاعة؟ هل سيُستدعى رئيس المهرجان إلى اجتماع طارئ؟ هل سيُتهم بـ"التحريض" أو بنشر خطاب الكراهية؟ أم سيحظى بدعم منهجي ومالي ومؤسساتي وإعلامي، كون القضية التي يتحدث باسمها قضية محسومة أخلاقيًا منذ ثمانين عامًا؟
"مفارقة نيميس": ما بين الضحية ومستعذبها
كأنما تاريخ السينما والأدب لم يتخم بإنتاجات لا تنفك عن التوالد عن فظائع الحرب العالمية الثانية، كأنما لم نكتف. كأن من وجدوا أنفسهم على الجانب "الأصح" من التاريخ لا يزالون يعيدون سرد الحكاية. حتى إن صدر صوت يقول: "وماذا عنا؟"، يُخرس بشراسة، أو باستحياء. حين أعلن المخرج البريطاني اليهودي جوناثان غلايزر في حفل الأوسكار 2024 أنه يرفض أن تُختطف يهوديته ومحرقته من قبل احتلال أدى إلى الصراع في غزة، انفجر لاسلو نيميس نفسه ضده. مخرج "ابن شاول"، الذي بنى كل مجده الفني على شهادة أفلامه ضد النازية، اتهم غلايزر قائلًا: "كان يجب أن يصمت"، مصرّحًا بأنه استخدم خطابًا "هدفه في النهاية محو الوجود اليهودي من الأرض".
هكذا هو حال السينمائي الفلسطيني، هو مطالب طوال الوقت بتسوية مزدوجة: تسوية مع الاحتلال الذي يصادر مكانه، وتسوية مع السوق الدولي الذي يصادر صوته. كي يصل إلى العالم بهذا الصوت، عليه أن يلطّف الصراخ، أن يقصقص أجنحة الكلمات الكبيرة
اليد التي تُصافح واليد التي تُربّت
حين أخرج ستيفن سبيلبرغ "قائمة شندلر" عام 1993، لم يكن مطالبًا بإقناع أحد بأن ما حدث في أوشفيتز جريمة. حصد الفيلم سبع جوائز أوسكار. وحصد أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية روبرتو بينيني عن "الحياة جميلة"، ورومان بولانسكي عن "عازف البيانو" بسعفة كان الذهبية. القائمة طويلة ومعززة ماليًا ومؤسساتيًا.
السبب ليس جودة هذه الأفلام فقط — وأكثرها أعمال عظيمة بحق — بل لكونها تتحرك داخل إجماع أخلاقي دولي. الفيلم عندها لا يحتاج إلى الدفاع عن مشروعيته. إنه يستثمر في رأسمال أخلاقي راكمته عقود من الكتب والشهادات وعروض المتاحف والمناهج والقوانين. ستدور الكاميرا حكمًا، ستتحرك بحرية مطلقة لأن المعنى محسوم.
المخرج الفلسطيني: أن تصنع فيلمًا وتدافع عن حقك في صنعه
في الطرف المقابل، يقف المخرج الفلسطيني أمام كاميرا تتأرجح عند كل كادر بين قيم الفن وقوة الحكاية، والقضية التي يحملها الفن، وتهم التحريض. وقد قالت المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر بصراحة قبل سنوات إن الممولين الأوروبيين يبحثون في السينما الفلسطينية عن شريك أو منتج إسرائيلي لكي يشعروا بـ"الأمان". الفيلم الفلسطيني يحتاج إلى ضامن إسرائيلي ليجد منفذًا للحياة. وباستثناء رشيد مشهراوي، تكاد جاسر لا تعرف مخرجًا واحدًا من الضفة الغربية أو غزة استطاع صنع فيلم روائي طويل والوصول به إلى العالمية. أما الذين وصلوا — إيليا سليمان، هاني أبو أسعد، توفيق أبو وائل — فقد وصلوا أساسًا لأنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، أي بذلك التناقض القاسي، مرعب العبث، أن تحمل جنسية محتلك، لأنك لم ترد المغادرة، لأنك لم تشأ أن تُحرم من بلدك. فهؤلاء يستطيعون عبور الحاجز الإسرائيلي قبل أن يبدأوا بصنع فيلم عن الحاجز ذاته.
هكذا هو حال السينمائي الفلسطيني، هو مطالب طوال الوقت بتسوية مزدوجة: تسوية مع الاحتلال الذي يصادر مكانه، وتسوية مع السوق الدولي الذي يصادر صوته. كي يصل إلى العالم بهذا الصوت، عليه أن يلطّف الصراخ، أن يقصقص أجنحة الكلمات الكبيرة: الاحتلال، الفصل العنصري، الإبادة، أو يضعها في فم شخصية إسرائيلية متعاطفة كي تكتسب مشروعيتها. عليه أن يُلبس قضيته رداءً أوروبيًا، أو إطارًا إنسانيًا مجردًا، حتى يُسمح لفيلمه بدخول صالة العرض.
"لا أرض أخرى": شهادة على ثمن الوثيقة
في العام 2024، حصد فيلم "لا أرض أخرى"، الذي وثّق هدم القرى في مسافر يطا، وأخرجه تجمع فلسطيني إسرائيلي، جائزة في مهرجان برلين ثم الأوسكار. وهو مثال صارخ عما أشرنا إليه سابقًا، إذ يعترف الناقد بصراحة قائلًا: "لو كان الفيلم فلسطيني الصنع بالكامل، لما حظي بالقدر نفسه من الاهتمام، حيث إن وجود مخرج إسرائيلي مشارك فتح أبوابًا للعمل، لكنه أيضًا جعله أخطر". التفصيل الأخلاقي الأهم لا يكمن في الفيلم نفسه، بل في كيفية استقباله. تجاهلت الصحافة الألمانية مضمون الفيلم تقريبًا، ولم يستفز الواقع القاسي الذي يوثقه أي غضب. وزيرة الثقافة الألمانية ادعت أنها صفقت لكلمة المخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام فقط، لا لكلمة باسل عدرا الفلسطيني. ثم تعرض المخرج حمدان بلال نفسه، بعد أشهر من الأوسكار، لاعتداء من مستوطنين أُصيب على إثره في رأسه، ثم احتُجز من قبل الجيش الإسرائيلي الذي اقتحم سيارة الإسعاف التي كانت تنقله. هذا هو الثمن الذي يدفعه المخرج الفلسطيني، حتى حين يحصل على الأوسكار.
مسافة بين مهرجانين وحلم بآخر
الدرس الأخلاقي الذي تكشفه المقارنة بين قاعتي كان وبرلين بسيط وموجع: مخرج "يتيم" سيُشكر لأنه ذكّرنا بأوشفيتز، ومخرج "وقائع زمن الحصار" عوقب لأنه ذكّرنا بغزة. الفارق الوحيد بين القضيتين العادلتين هو في تموضع القضية على الخريطة الزمنية للضمير الأوروبي والعالمي: قضية محسومة أخلاقيًا، لن يكلف الاعتراف بها كثيرًا، بينما يصبح الناطق باسمها وريثًا للضمير. وقضية مفتوحة ما زالت دماء ضحاياها تنز، وتهدم بيوتهم وأحلامهم تحت سمع وبصر العالم، يصبح الناطق باسمها متهمًا بها. لكن، ولأنها الحياة، ولأن الحلم هو أجنحتها غير المتكسرة، والمخيلة نجاتها الوحيدة، ومع كل هذا، أعلن الخطيب أن غزة ستستضيف يومًا ما مهرجانًا سينمائيًا رائعًا، وفي النهاية هذا ما سيحدث، ولو بعد ألف عام.