مديحة الحيدري وذكرى أحمد علي.. فنانتان تمردتا على التقاليد المجتمعية في اليمن
16 ديسمبر 2025
واجه المسرح والدراما التلفزيونية في اليمن إشكالية غياب الوجوه النسائية أو نُدرتها، فكان ظهور أي ممثلة جديدة واستمرارها في مجال الفن حدثًا ملفتًا لأن المجتمع كان وما يزال يتحفظ على حضور المرأة في عالم التمثيل والظهور الإعلامي بشكل عام، ولا سيّما في شمال اليمن؛ بينما الجنوب كان أكثر انفتاحًا. وفي المجمل كانت الممثلات اللواتي ظهرت تجاربهن منذ السبعينيات مغامرات وجديرات بالتخليد لأنهن أسهمن بدور أساسي في فتح أفق جديد لأخريات من بعدهن.
البداية من مدينة عدن التي اشتهرت بانفتاحها المبكر واحتضانها للفنون منذ مطلع القرن العشرين، وفيها برز اسم الفنانة ذكرى أحمد علي نجمة المسرح العدني، التي شكلت رحلتها الفنية حياة موازية لتحولات الفن والسياسة في جنوب اليمن. نشأت ذكرى في بيئة حاضنة للإبداع، وعززت ارتباطها بالفن بالزواج من نجل فنان عدن الكبير أحمد بن أحمد قاسم، ووسعت من اهتماماتها الفنية لتشمل بالإضافة إلى التمثيل الإخراج والكتابة للأطفال.
وعلى العكس من الصعوبات والمعاناة مع التقاليد المحافظة التي واجهتها زميلاتها في الشمال، انطلقت ذكرى من بيئة فنية ناضجة ومنفتحة، فكانت عضوة في فرقة المسرح الوطني في عدن عندما كانت تلك الفرقة في عصرها الذهبي، بفضل اهتمام الدولة آنذاك بالفنانين ومنحهم درجات وظيفية وضمهم إلى كادر وزارة الثقافة. وفي تلك الأجواء الإيجابية برز دورها في أعمال استثنائية، أهمها مسرحية "التركة" ومسرحية "غربان يا نظيرة"، التي تحولت جملها الحوارية إلى عبارات متداولة على أفواه الناس في الشارع العدني.
وتوجت حضورها الفني بثقة كبيرة عندما أعلنت ترشحها لانتخابات رئاسة الجمهورية بعد الوحدة عام 2006، وبالطبع لم يحالفها الحظ في ظل بيئة سياسية واجتماعية ما تزال تتعامل بمزاج إقصائي يستبعد المرأة من لعب أي دور مركزي في الشأن العام، ويستثنيها من المناصب السيادية. فعادت بعد تلك التجربة السياسية إلى المسرح، وتعاونت مع جيل جديد من الفنانين عبر فرقة "خليج عدن".
وريقة الحناء
في شمال اليمن هناك تجربة الفنانة الراحلة مديحة الحيدري التي أتقنت أداء أدوارها وأبدعت في التمثيل، وبدأت رحلتها الفنية على خشبة المسرح في صنعاء عندما ظهرت صبية في أول دور لها عام 1976، من خلال مسرحية "الفأر في قفص الاتهام"، فأبدعت أمام الجمهور الذي استحسن شخصيتها، وكان ظهورها داعمًا ومحفزًا لحضور الوجوه النسائية التي تلتها أو عاصرتها في التمثيل، وأسهمت معهن في تحقيق مساحة لا بأس بها من القبول الاجتماعي، والتغاضي عن حجب صوت المرأة وصورتها خلف جدران التقاليد التي كانت تحرمها من ممارسة الفن.
كان ظهور أي ممثلة جديدة واستمرارها في مجال الفن حدثًا ملفتًا لأن المجتمع كان وما يزال يتحفظ على حضور المرأة في عالم التمثيل والظهور الإعلامي بشكل عام
قبل مديحة الحيدري، ظهرت الإعلامية المخضرمة زهرة طالب التي بدأت انطلاقتها من الإذاعة، إلا أن الحيدري استمرت وواجهت الكثير من التحديات، بالقياس إلى ممانعة حضور المرأة في الفن نتيجة علو أصوات التيارات التقليدية المحافظة التي أضافت طبقة من التزمت إلى ما لدى المجتمع من عادات وتقاليد صارمة لم تكن تتساهل مع طموح المرأة في دخول عالم الفن. ولا ننسى أن النظرة السلبية للمشتغلين بالفن لم تكن تقتصر على المرأة فقط، بل كانت تشمل الجنسين، ومن هنا كان لحضور مديحة الحيدري وزميلاتها تأثير أعمق من تأثير الوجوه النسائية التي ظهرت في ظل الانفتاح الرقمي وتعدد وتنوع منصات التواصل الاجتماعي.
مديحة الحيدري من رائدات المسرح والدراما قبل وبعد الوحدة اليمنية، وعندما كان اليمن الشمالي يتعافى من سنوات العزلة التي فرضها النظام الإمامي حتى عام 1962، كان الفن ضمن ملامح التحول في المجتمع بعد الثورة التي دعمتها مصر عبد الناصر، وفتحت أمام اليمنيين فرص التعليم التي أتاحت للمرأة المشاركة في مختلف الميادين، إلا أن الفن ظل منطقة شبه محرمة ويتطلب اقتحامها قدرًا من الشجاعة والإصرار وذلك ما امتلكته مديحة الحيدري التي واجهت صعوبات تختلف درجتها وقسوتها مقارنة بالانفتاح الذي شهدته عدن والأقطار العربية التي حققت فيها المرأة مكانة متقدمة في ساحة الفن.
هكذا أسهمت الحيدري في كسر الحاجز، وفرضت حضورها أمام الكاميرا في المسلسلات أو على خشبة المسرح، برغم علو الأصوات المتطرفة، ووفرت بإصرارها قدرًا من الحصانة الرمزية لحضور بنات جنسها في الفن والشعور بالانتماء إلى مشروع التحديث الذي كان ولا يزال يسير ببطء شديد في بلدها الذي تغلب عليه التوترات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي، في حين أن الفنون والإبداعات تستمد فرص ازدهارها من رسوخ فترات استقرار ونهضة المجتمعات.
اشتهرت مديحة الحيدري بـ "وريقة الحناء" بعد مشاركتها في عمل درامي بالعنوان نفسه بصحبة الفنانة المصرية أمينة رزق، وتأثر الجمهور الذي اعتاد على ملامح وصوت مديحة الحيدري في الإذاعة والتلفزيون برحيلها المفاجئ في تشرين الثاني/نوفمبر 2008، عن 46 عامًا فقط، وترك رحيلها مساحة شاغرة في الوسط الفني اليمني، رغم توالد الأسماء الجديدة بكثافة في العقد الأخير. شاركت الفنانة الراحلة في عدد من أبرز الأعمال التلفزيونية اليمنية التي استوطنت ذاكرة المشاهدين وأصبحت جزءًا من إرث التلفزيون المحلي، مثل مسلسل "الثأر" و"حكاية سعدية" و"وريقة الحناء" و"حكاية صابر" و"شر البلية"، وأعمال أخرى.
تغير الحال نحو الأفضل قليلًا بشأن مستوى حضور المرأة اليمنية في مجال التمثيل، في واقع سياسي واجتماعي عنيف يتفوق على قصص الدراما بتقلباته، فيما أصبحت مسلسلات موسم رمضان الترمومتر الأحدث لقياس مؤشرات حضور وجوه فنية نسائية جديدة، يحاولن شق طريقهن في عالم الفن، بعد أن كان لمديحة الحيدري وذكرى أحمد علي وأخريات الفضل في فتح هذا الباب وتذليل الكثير من الصعوبات وأبرزها نظرة المجتمع.







