ultracheck
  1. قول

معركة الميدان وشروط التفاوض.. السودان بين التصعيد والحوار

16 أغسطس 2026
جنود سودانيون
جنود سودانيون يحتفلون باليوم الوطني للجيش (Getty)
أمير بابكر عبد الله أمير بابكر عبد الله

يقول الجنرال الروسي ميخائيل كوتوزوف، الذي يمثل شخصية محورية في رواية الحرب والسلام للكاتب الروسي ليف تولستوي: "ما من شيء يساوي هذين الجنديين، الصبر والوقت. إنهما اثنان يستطيعان أن يعملا كل شيء".

هما الجنديان اللذان يقودان حرب السودانيين ضد بعضهم البعض، ولكن الفرق شاسع بين استراتيجية الجنرال الروسي في مواجهة غزو نابليون لبلاده، وبين أن تكون الحرب بين أبناء وطن واحد، وصفها الطرفان المتحاربان منذ اندلاعها بأنها "عبثية".

مع انتقال الطرفين إلى مرحلة يسعى فيها كل منهما إلى تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل أي تسوية محتملة، يعكس التصعيد العسكري المتزامن في عدد من جبهات الحرب تحولًا في طبيعة الصراع، وليس مجرد سلسلة من العمليات المنفصلة. ففي الوقت الذي يحقق فيه الجيش السوداني تقدمًا ملحوظًا في محاور كردفان، يشن الدعم السريع هجمات في النيل الأزرق، ويوسّع استخدامه للطائرات المسيّرة ضد مدن ومواقع في مناطق سيطرة الجيش، بينما يكثّف الجيش غاراته الجوية في دارفور.

يأتي هذا التصعيد بالتزامن مع تجدد الحديث عن حوار سوداني-سوداني وشروط لعقده، في وقت تتجه فيه بعض المبادرات السياسية إلى استبعاد الدعم السريع وتحالف "تأسيس" من العملية السياسية. وهنا تتداخل الحرب والسياسة بصورة يصعب معها الفصل بين ما يحدث في الميدان وما يجري على طاولة المبادرات السياسية.

الميدان بعيون سياسية

منذ اندلاع الحرب حاول الطرفان حسم المعركة بينهما عسكريًا، ولكن مع استمرارها، الذي تجاوز الثلاثة أعوام، يمكن فهم التطورات العسكرية الأخيرة باعتبارها محاولة من الطرفين للوصول إلى أي تفاوض محتمل من موقع قوة.

فالجيش، الذي يحاول استثمار تقدمه في كردفان، يدرك أن السيطرة على هذه المنطقة لا تتعلق بالسيطرة على مدن ومواقع فحسب، وإنما بالتحكم في طرق الإمداد والحركة بين وسط السودان ودارفور. والمنطق العسكري يقول إن أي تقدم للجيش في كردفان سيفرض ضغوطًا على خطوط إمداد الدعم السريع، ويحد من قدرته على المناورة بين دارفور والوسط.

منذ اندلاع الحرب، سعى الطرفان إلى الحسم عسكريًا، لكن مع استمرارها لأكثر من ثلاثة أعوام، تبدو التطورات الأخيرة محاولةً لتحسين المواقع قبل أي تفاوض محتمل

لكن الدعم السريع يملك أدوات لتعطيل هذا المسار. فإعادة فتح جبهة في النيل الأزرق من ثغرة قيسان، بعد إجباره على الانسحاب من مدينة الكرمك الاستراتيجية، يمكن أن يُقرأ في أحد أبعاده باعتباره محاولة لتشتيت القوة العسكرية للجيش ومنعه من تركيز موارده في كردفان. كما أن تكثيف هجمات المسيّرات على المدن الواقعة خلف خطوط القتال يهدف إلى نقل المعركة من الجبهات إلى العمق، وإجبار الجيش على توزيع إمكاناته بين حماية المدن والمنشآت الحيوية ومواصلة عملياته البرية.

هذا الوضع يجعل الحرب تدور حول معادلة جديدة؛ فالجيش يحاول تحقيق اختراق بري وتوظيف تفوقه الجوي، بينما يحاول الدعم السريع تعويض ضعفه وخسارته الأخيرة بسرعة الحركة، وتعدد الجبهات، والمسيّرات. لذلك لا يمكن قراءة هجوم الدعم السريع في النيل الأزرق، أو هجمات المسيّرات الأخيرة، من زاوية عسكرية بمعزل عن تطلعاته السياسية.

رسالة الدعم السريع السياسية هي أنه لا يزال قادرًا على فتح جبهات جديدة، وأن السيطرة العسكرية للجيش على مناطق واسعة من البلاد لا تعني امتلاكه القدرة على حسم الحرب. أما الجيش، فتحركاته تقول إن ميزان القوى يمكن أن يتغير تدريجيًا لمصلحته من خلال عملياته في كردفان وغاراته على مواقع الدعم السريع في دارفور.

مفاوضات سياسية بعيون عسكرية

ما يضع دعوات الحوار السوداني-السوداني أمام اختبار صعب هو أن كل مسافة يتقدم فيها الجيش في كردفان، وكل مدينة يستطيع الدعم السريع الوصول إليها بالمسيّرات، وكل جبهة جديدة تُفتح، يمكن أن تتحول لاحقًا إلى ورقة سياسية.

تبدأ مشكلة "الحوار السوداني-السوداني" من منصة الشرعية. فمن جهة، هناك مبررات سياسية وقانونية لرفض الاعتراف بـ"حكومة تأسيس" كسلطة موازية بقيادة الدعم السريع، خصوصًا أن المجتمع الدولي حدد موقفه الرافض لها، كما أن الاتحاد الأفريقي أعلن في شباط/فبراير 2026 رفضه القاطع الاعتراف بها، ودعا الدول إلى عدم الاعتراف بها.

لكن رفض الاعتراف بـ"تأسيس" شيء، واستبعاد كل القوى السياسية والاجتماعية الموجودة في مناطق سيطرة الدعم السريع شيء آخر، بل يستدعي التمييز بين الشرعية السياسية والتمثيل في عملية السلام. فليس من الضروري أن تعني مشاركة ممثلين عن مناطق أو قوى واقعة تحت سيطرة الدعم السريع الاعتراف بـ"تأسيس" أو الاعتراف بالدعم السريع كحكومة. 

كما أن التفاوض مع قيادة الدعم السريع بشأن وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية لا يعني بالضرورة منحه شرعية سياسية. هذه التفرقة تبدو ضرورية إذا كان الهدف الحقيقي هو إنهاء الحرب، وليس فقط إعادة توزيع السلطة بعد الحرب.

استبعاد الدعم السريع من العملية السياسية يمكن الدفاع عنه على أساس رفض منحه شرعية سياسية. فهو، بطبيعة نشأته إبان حكم نظام "الإنقاذ"، ومن ثم عندما خاض هذه الحرب، لم ينطلق عن دوافع ورؤية سياسية، وإنما جاءت الفكرة بعدما انطلقت الرصاصة. وهو في الأصل قوة عسكرية ظلت تعمل تحت مظلة الجيش، لذلك يبدو استبعاده من عملية إنهاء الحرب أكثر تعقيدًا. 

فالدعم السريع، بغض النظر عن الموقف منه، يسيطر على مساحات واسعة من دارفور، ولديه قوات وقدرات عسكرية ومسيّرات وحلفاء إقليميون، ويمكنه فتح جبهات جديدة. ولذلك فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لن يكون قابلًا للتنفيذ من دونه.

تظل المشكلة الأساسية في أي حوار يُعقد في ظل هذه الظروف هي احتمال تحوله من عملية لإنهاء الحرب إلى عملية سياسية لإضفاء الشرعية على نتائج الحرب

عدة مسارات للحل

تعقيدات الوضع السياسي والعسكري التي فرضتها الحرب تتطلب فتح مسارات متزامنة للوصول إلى طريق الحل والسلام، وتجاوز جدل الشرعية. والطريق الأول يبدأ بمسار عسكري-أمني يضم الجيش والدعم السريع بهدف وقف إطلاق النار، وفك الاشتباك، وترتيبات الأمن، ونزع السلاح، وإعادة دمج القوات وفق اتفاق سياسي.

أما المسار الثاني، والذي يتطلب وقفًا لإطلاق النار والتعامل العاجل مع الأزمة الإنسانية المستفحلة، فهو المسار السياسي المدني الذي يضم القوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب والنازحين وممثلي الأقاليم والمكونات الاجتماعية والسياسية المختلفة.

ويأتي المسار الثالث لمنع تحول المشاركة في الحوار أو توقيع اتفاق السلام إلى حصانة من المسؤولية عن الانتهاكات، وتكريس فقه الإفلات من العقاب الذي لازم الاتفاقيات السابقة للسلام، وذلك بإقرار مبدأ العدالة والمحاسبة من خلال صيغة للعدالة الانتقالية متفق عليها.

حوار مختلف

تظل المشكلة الأساسية في أي حوار يُعقد في ظل هذه الظروف هي احتمال تحوله من عملية لإنهاء الحرب إلى عملية سياسية لإضفاء الشرعية على نتائج الحرب. فإذا كان الجيش يرى أن تقدمه العسكري في كردفان يسمح له بفرض شروطه السياسية، فإن الحوار قد يتحول إلى حوار من موقع المنتصر. وإذا تمكن الدعم السريع من توسيع جبهة النيل الأزرق، والحفاظ على مواقعه في دارفور، والاستمرار في ضرب العمق بالمسيّرات، فإنه يستطيع القول إن الجيش غير قادر على الحسم، وإن تجاوزه سياسيًا غير ممكن.

وحتى لا تصبح طاولة الحوار السوداني-السوداني امتدادًا للميدان العسكري، ينبغي أن يكون السؤال عن من يمثل ماذا، والهدف من وحدود مشاركته، وليس من يُقصى.

يمكن رفض "تأسيس" كحكومة موازية، ورفض تقسيم السودان، ورفض منح أي قوة مسلحة شرعية سياسية تلقائية، وفي الوقت نفسه عدم إقصاء المجتمعات والمكونات السياسية الموجودة في المناطق الخاضعة للدعم السريع.

وإذا لم يتم الفصل بين هذه المستويات، فإن "الحوار السوداني-السوداني" قد يتحول إلى مجرد امتداد سياسي للحرب العسكرية؛ أما إذا تم الفصل بينها، فقد يصبح الحوار مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة على أساس مدني، بدلًا من أن يكون مجرد تفاوض على تقاسم نتائجها.

فالسلام لا يحتاج إلى الاعتراف بكل طرف بوصفه سلطة، لكنه يحتاج إلى التعامل مع القوى القادرة فعليًا على تعطيله.

كلمات مفتاحية
زياد خداش وسليمان منصور

عن سليمان منصور: البراءة والمخيم والحب

سأتحدث عن صفة في شخصية الفنان الراحل سليمان منصور لا ينتبه لها أحد، أو لا يركز عليها واصفو سليمان ومحللو شخصيته ولوحاته ومكانته

مبنى هيئة الأركان العامة السورية

مسار سوريا وإسرائيل.. هندسة الأمن فوق جمر الجولان

شكّل فتح قناة اتصال مباشرة وسرّية بين دمشق وتل أبيب في باكو، عاصمة أذربيجان، لحظة فارقة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد

الحرب في السودان

بيضة الحوار أم دجاجة التفاوض.. أيهما يدفع بالسودان إلى طريق السلام؟

يشبه الجدل الدائر في السودان حول أولوية الحوار أو التفاوض السؤال الفلسفي القديم: أيهما جاء أولًا، البيضة أم الدجاجة؟

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة