معضلة الأرض المحروقة.. الإنترنت في ساحات الحروب
17 أغسطس 2026
لتاريخ البشرية ثلاث علامات فارقة، اكتشاف الزراعة، والثورة الصناعية، واختراع الانترنت، وكل علامة بدأت خدمةً للبشرية، ثم انقلبت على أعقابها بعد فترة وجيزة، الزراعة أتت بنظام الإقطاع والأقنَان، والثورة الصناعية جاءت بالاحتِكار وتغول رأس المال والطبقات البرجوازية الطفيلية على جهد العامل الفقير، والانترنت تحول من وسيلة للتواصل بين الشعوب المختلفة، ونقل العلم والتجارب والذاكرة والكتب والموسيقى، إلى أهم العناصر الفاعلة في الحروب.
في كتابه "الأرض المحروقة، ما بعد العصر الرقمي لعالم ما بعد الرأسمالية" الصادر عام 2022، يرى البروفيسور جوناثان كراري، أستاذ الفن الحديث بجامعة كولومبيا، أن العصر الرقمي الذي يعيشه العالم اليوم هو آخر مراحل الرأسمالية، في طورها العسكري الإبادي، ذلك لأن الانترنت صُمم خصيصًا ليكُون أداة السيطرة الرأسمالية الأبرز، أولًا لأنه رخيص الثمن، وثانيًا لأنه سريع الانتشار، وثالثًا لأنه يعمل في الاتجاه المعاكس للتفكير المنطقي والتأمل، باعتباره السبب الأول في انتشار الإدمان والذهان وتآكل الذاكرة وضعف التركيز.
قطع شبكات الإنترنت في أوقات الحروب تحول مع الوقت إلى ركن ركين من العمل العسكري، ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يفقد العالم أبرز مميزاته الحالية، أي القدرة على الوصول إلى المعلومة وتوثيقها
وعلى عكس السردية الشائعة، يبرهن الكاتب أن هذه الشبكة العنكبوتية لا تعمل من أجل ترابط البشرية، أو تحويل العالم إلى قرية صغيرة، بل تضرب فكرة الترابط البشري في مقتل، ذلك لأنها تخلق حالة من الانغماس في الحاضر، وبشكل يلغي القدرة على التعاطف أو فهم الآخر فهمًا عميقًا، الحُكم يأتي من أول منشور، والمنشور لا يتعدى الثلاثة أسطر، والأسطر القليلة لا تكتب عادة إلا وقت الترند، حيث الهستيريا والتفاعلات الشعورية التي لا تستند على منطق، ما يجعل من الانترنت أرضًا خصبة لنشر الفتن والكراهية، والشوفينية، ولكن كيف يستخدم كأداة عسكرية؟
رحلة الدم
بدأ الأمر بمنشورات وتغريدات على فيسبوك وتويتر يستعرض فيها الشباب إمكاناتهم اللغوية والفكرية وآرائهم السياسية البسيطة وخفة ظلهم، ومحاولة التقرب إلى بعضهم البعض عبر الياهو والماسنجر، وقدرتهم على صنع الميم، ثم تحول مع الوقت إلى سلسلة لا تنضب من الرِيلز والشورتس والأفكار السطحية، وانتفاء القدرة على إدارة أي نقاش عاقل أو مركب، فمن السبب الرئيسي خلف هذا التحول؟
الإجابة بسيطة، شركات التكنولوجيا، التي وجدت في الانترنت معينًا مليئًا بالذهب والدولارات، والشاطر فقط هو من يستطيع الغرف من هذا البحر حتى الثُمالة، لكن المشكلة، أن هذا الطرح ناقص أيضًا رغم صحته، لأن الأزمة لم تبدأ بعد ظهور السوشيال ميديا، أو لأن شركات التكنولوجيا اكتشفت فجأة مدى الربح الذي سينهال عليها إذا استطاعت تطوير نظام خوارزميات يمكنه تعديل السلوك البشري أو السيطرة عليه، بل بدأت من اللحظة الأولى، أي لحظة التفكير في وجود شبكة عنكبوتية تربط الحواسيب ببعضها البعض ابتداءً، السؤال الأول، كيف ظهر الإنترنت؟
ظهر الإنترنت نتيجةً لمشروع "أربانت"، الذي انطلق عام 1969، وبقليل من البحث، يتضح أن هذا المشروع، كما معظم المشاريع المرتبطة بالتكنولوجيا، أشرفت عليه وزارة الدفاع الأميركية بشكل كامل، لإقامة شبكة اتصالات تربط عددًا من مراكز التحليل العسكري والأقمار الصناعية، الملاحظة الوحيدة هي أن الارتباط بين العمل العسكري والشبكة العنكبوتية هو ارتباط عضوي يصعب تجاهله، وصحيح أن الأمور تطورت، لكن فهم هذه البداية يعطي الكثير من الإجابات، خاصة وأن العقد قد انفرط بالكامل منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
في كتابها "رأسمالية المراقبة"، تؤكد عالمة الاجتماع شوشانا زُوبوف، أن نقطة اللاعودة جاءت مع انهيار برجي التجارة العالمي، لقد تلاقت مصالح وكالات الاستخبارات مع طموحات شركات التكنولوجيا على هدف وحيد، عسكرة شبكة الإنترنت بالكامل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وهو ما أسس كيانًا عالميًا ذا سطوة، يعمل وكأنه أخ كبير، ولكن كلامه ملزم، ببساطة لأنه يمتلك سلطة غير مسبوقة، وقدرة غير عادية على المراقبة، حيث يمكن التحكم في إرادة المستخدمين وتوجيه سلوكياتهم وتجريدهم من سيادتهم وحقوقهم الإنسانية.
كل شيء مباح، كل شيء متاح، وكل خطوة يخطوها أي شخص في العالم يراقبها شخص آخر، لدرجة أصبح فيها مجرد الاتصال بشبكة الإنترنت في مناطق الحروب أمرًا قاتلًا، لأن أي جهاز استخبارات في العالم يمكنه تحديد أي موقع يريده بدقة متناهية، بمجرد اتصال شخص ما بالإنترنت، الأمر فعلًا بهذه البساطة.
ظهر الإنترنت نتيجةً لمشروع "أربانت"، الذي انطلق عام 1969، وبقليل من البحث، يتضح أن هذا المشروع، كما معظم المشاريع المرتبطة بالتكنولوجيا، أشرفت عليه وزارة الدفاع الأميركية بشكل كامل
وهو ما أشار إليه أيضًا الصحفي الاستقصائي يوفال أبراهام في تقرير على مجلة "972+"، حيث قال أن أنظمة الذكاء الاصطناعي في الجيش الإسرائيلي، مثل "لافندر"، تملك ما يكفيها من المعلومات، السؤال الثاني، كيف ذلك؟ لأن الجيش الإسرائيلي يتعاون مع شركات التكنولوجيا، مثل شركتي جوجل وأمَازون، بشكل واضح وصرِيح وعلني، لتزويده ببنية تحتية سحابية، ومعلومات تخص الأرض والمواطنين حتى وإن ادعوا العكس، آخرها ما يعرف بـ "مشروع نيمبوس"، والبالغ قيمته 1.2 مليار دولار تقريبًا.
وهنا المفارقة، فالأَداة التي يُفترض بها نقل أصوات المظلومين للعالم، وتثبيت الحقيقة، تحولت بفعل فاعل إلى جزء من النظام العسكري القاتل، أو المساعد على القتل.
كاتم الصوت
إن كنت فلسطينيًا، أو عربيًا ذا أرض محتلة بشكل عام، فهناك ثلاثة احتمالات، الاحتمال الأول أن تجعل من الانترنت مطية لفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وأرشفة الجرائم والانتهاكات، وهو أمر مهم، ويحدث فعلًا، ولكن ستُحاصرك الخوارزميات في بوتقة ضيقة، ولن تستطيع الانتشار بسهولة، والثاني أن يكون الانترنت سببًا مباشرًا في استهدافك، أو استهداف حيك أو أسرتك أو التضييق عليك، حتى وإن كنت مدنيًا لا علاقة لك بالسلاح، وربما فصلك عن المجتمع ابتداءً، والثالث، وهو الأكثر خطورة، أن يعرف جيش الاحتلال مكانك، ثم يقطع الانترنت عنك أثناء القصف والعمليات العسكرية لكي لا توثق الاستهدافات والجرائم، وهذا هو أخطر ما في الأمر، أن حتى مزايا الإنترنت يمكن حجبها، والأمر لا يتعلق بإسرائيل فقط، بل بكل دولة ترتكب الجرائم.
بحسب ما ذكرته منظمة "أكسس ناو" الحقوقية، أن قطع شبكات الإنترنت في أوقات الحروب تحول مع الوقت إلى ركن ركين من العمل العسكري، ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يفقد العالم أبرز مميزاته الحالية، أي القدرة على الوصول إلى المعلومة وتوثيقها، كما يعطل عمل الصحافة والمجتمع الدولي، وبالتالي يصبح ارتكاب الجرائم أمرًا يسيرًا للغاية، تحدث دون أي مشاكل أو أزمات أو توثيق، وكأن البشرية لاتزال عالقة في العصور الوسطى.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة في كلية لندن للاقتصاد، إيمان محمد، أن الأطراف المتقاتلة في السودان، تحديدًا الدعم السريع، نهلوا من التجربة الصهيونية، وقاموا بعسكرة انقطاع الإنترنت، عبر إجبار مزودي الخدمة على قطع الاتصالات عن أجزاء واسعة من البلاد، ما أدى إلى شيئين، فصل السودانيين عن العالم الخارجي لقتلهِم ونَهشهم واستباحة كل جميل دون أدنى محاسبة أو توثيق، ثم قتلهم جوعًا بعد إيقاف المحافظ الإلكترونية والمعاملات البنكية التي يعتمدون عليها في شراء الغذاء بشكل أساسي وسط انهيار مؤسسات الدولة بشكل كامل.
الإنترنت الذي قدمته الشركات كأداة تهدف إلى تسيير الحياة، تحول إلى أداة تستخدم للتمهيد، درجة على سلم الإبادة الجماعية، وبالتالي فالاعتِقاد بإمكانية استخدام شبكات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لصنع أي تغيير الراديكالي هو ضرب من الجنون، وهم يطيل أمد الكارثة، وصحيح أن 90% من أحداث الإبادة في غزة وباقي الدول لم توثق إلا من خلال الإنترنت، وبالتالي تغيرت نبرة العالم بأسره تجاه القضية الفلسطينية، لكن هذا يثبت النظرية ولا ينفيها، أولًا لأن إسرائيل، والولايات المتحدة تقطعه بكل سهولة، وتستبيح الشعب العربي من خلاله في الوقت نفسه.
وثانيًا لأن الأمور خرجت عن السيطرة في كل المناحي، والرأسمالية، بحسب رؤية الكثير من العالمين ببواطن الأمور، تعيش مراحلها الأخيرة، ولذلك أصبح العنف هو السلاح الوحيد، والانترنت، كما كل عنصر يتحكم فيه أمراء الحرب وتحالف شركات التكنولوجيا، والمؤسسات العسكرية، يعيش هو الآخر في ذات الطور العسكري الإبادي.