مع وصول النفط إلى 100 دولار.. تعرّف إلى صدمات النفط الثلاث عبر التاريخ
9 مارس 2026
ارتفع سعر برميل النفط بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 من شباط/فبراير، إذ صعد من نحو 70 دولارًا إلى حدود 100 دولار للبرميل، وسط توقعات بمواصلة الارتفاع. ويأتي هذا الصعود في ظل مخاوف متزايدة من اضطراب الإمدادات العالمية بعد إغلاق مضيق هرمز وتوقف بعض الدول عن إنتاج النفط، وهو ما أعاد إلى الواجهة الحديث عن احتمال دخول السوق العالمية مرحلة صدمة نفطية جديدة. ويطرح هذا التطور تساؤلات حول ما إذا كانت الأسواق تشهد اليوم موجة ارتفاع غير مسبوقة في الأسعار، أم أن التاريخ سجل أزمات نفطية أشد حدة، وما هي الظروف السياسية والاقتصادية التي دفعت الأسعار سابقًا إلى مستويات قياسية مشابهة أو أعلى.
روسيا وأوكرانيا 2022
كانت آخر صدمة كبيرة في سوق النفط قبل الحرب الحالية على إيران في عام 2022، عندما غزت روسيا أوكرانيا، ما أثار مخاوف واسعة في الأسواق من اضطراب الإمدادات العالمية. وتُعد روسيا من أكبر مصدري النفط في العالم، ومع بدء الحرب فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات واسعة على قطاع الطاقة الروسي، الأمر الذي أثار توقعات بنقص كبير في المعروض ورفع الأسعار بسرعة. وقد تجاوز سعر البرميل في البداية مستوى 100 دولار، خصوصًا مع اعتماد أوروبا بدرجة كبيرة على النفط والغاز الروسيين.
هل يقف العالم على أعتاب صدمة نفطية رابعة، أم أن السوق ستنجح مجددًا في امتصاص الصدمة قبل أن تتحول إلى أزمة عالمية جديدة؟
كما أسهمت المضاربات في أسواق الطاقة والبحث عن مصادر بديلة للإمدادات في زيادة الطلب ورفع الأسعار إلى مستويات أعلى، إذ وصلت في بعض الفترات إلى نحو 120 دولارًا للبرميل. غير أن الأسعار بدأت لاحقًا بالتراجع مع تكيّف السوق العالمية مع الوضع الجديد، إذ لم يختف النفط الروسي من السوق، بل تحولت صادراته إلى دول مثل الصين والهند، بالتوازي مع زيادة الإنتاج في دول أخرى مثل الولايات المتحدة. كما أسهم تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الفائدة في خفض الطلب على الطاقة، ما أدى إلى تراجع الأسعار تدريجيًا. ومنذ صيف عام 2025 تراجع السعر مجددًا ليقترب من مستوى 65 دولارًا للبرميل.
أعلى ارتفاع في تاريخ النفط: الصدمة الثالثة
ارتفع سعر النفط بشكل متسارع بين عامي 2004 و2008، في ما عُرف بـ"الصدمة النفطية الثالثة"، إذ انتقل من نحو 36 دولارًا للبرميل عام 2004 إلى 61 دولارًا عام 2006، قبل أن يبلغ ذروته عند نحو 143 دولارًا للبرميل في نهاية حزيران/يونيو 2008، وهو أعلى مستوى تاريخي سجله النفط حتى ذلك الوقت. وجاء هذا الارتفاع نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها زيادة الطلب العالمي على الطاقة مع توسع الاقتصاد العالمي، ولا سيما في الاقتصادات الصاعدة مثل الصين والهند، مقابل محدودية القدرة على زيادة الإنتاج سريعًا بسبب القيود المرتبطة بحجم الاحتياطيات النفطية وإمكانات الاستخراج.
كما أسهمت المخاوف بشأن تراجع الاكتشافات النفطية الكبيرة وارتفاع استهلاك الطاقة عالميًا في دفع الأسعار إلى مستويات قياسية، إلى جانب تدفق المضاربات المالية إلى أسواق الطاقة. فبعد تفجر الأزمة المالية في الولايات المتحدة، اتجهت صناديق الاستثمار إلى النفط والسلع الأولية بحثًا عن ملاذات استثمارية جديدة.
لكن الأسعار لم تبقَ عند هذه المستويات المرتفعة طويلًا، إذ بدأت بالانخفاض لاحقًا مع تفاقم الأزمة المالية العالمية عام 2008 وتراجع النشاط الاقتصادي، ما أدى إلى انخفاض الطلب على الطاقة. ومع انكماش الاقتصاد العالمي وتراجع الإنتاج الصناعي وحركة النقل والتجارة الدولية، تراجع الطلب على النفط بشكل ملحوظ، ما دفع الأسعار إلى الهبوط مجددًا بعد أن كانت قد بلغت مستويات قياسية، لتعود تدريجيًا إلى مستويات أقرب إلى التوازن بين العرض والطلب في السوق العالمية.
الصدمة النفطية الثانية والثورة الإيرانية
أما "الصدمة النفطية الثانية" فقد جاءت نتيجة الثورة الإيرانية عام 1979، التي أدت إلى اضطرابات كبيرة في إنتاج النفط الإيراني وتراجع الإمدادات العالمية. ثم تفاقمت الأزمة مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، وهما من أبرز الدول المنتجة للنفط. وقد تسبب تعطل الإنتاج والصادرات النفطية من البلدين في انخفاض المعروض في الأسواق العالمية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتضاعفها مرة أخرى، إذ وصل سعر البرميل إلى نحو 35 إلى 39 دولارًا في الأسواق العالمية. وبالقيمة الاسمية آنذاك كان هذا الرقم قياسيًا، وإذا ما حُسب وفق القيمة الحالية المعدّلة بالتضخم، فإنه يعادل تقريبًا 120 إلى 130 دولارًا للبرميل بأسعار اليوم.
الصدمة النفطية الأولى وحرب تشرين
بدأت "الصدمة النفطية الأولى" فعليًا عام 1973، غير أن جذورها تعود إلى عام 1971 مع انهيار نظام "بريتون وودز" المالي الدولي، الذي كان قائمًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على ربط العملات بالدولار الأميركي وربط الدولار بالذهب بسعر ثابت. وعندما أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب، في ما عُرف بـ"صدمة نيكسون"، دخل النظام النقدي العالمي مرحلة جديدة من تقلب أسعار العملات، ما أدى إلى تراجع قيمة الدولار الذي تُسعَّر به صادرات النفط. وفي ظل هذا التحول بدأت الدول المنتجة للنفط بالمطالبة برفع الأسعار لتعويض خسائرها.
وتفاقمت الأزمة لاحقًا مع اندلاع حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، حين فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظرًا على الدول الداعمة لإسرائيل، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. وقد أدى هذا القرار إلى نقص حاد في الإمدادات العالمية، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع السريع، إذ قفز سعر برميل النفط من نحو 3 دولارات إلى نحو 12 دولارًا خلال أشهر قليلة، أي ما يقارب أربعة أضعاف السعر. وأدخل ذلك الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي، مطلقًا أول أزمة طاقة كبرى في العصر الحديث، والتي عُرفت لاحقًا باسم "الصدمة النفطية الأولى".
واليوم، ومع تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، تتزايد التحذيرات في أسواق الطاقة من أن استمرار الحرب واتساع نطاقها قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد شبيه بالأزمات النفطية في العقود الماضية. وبين مخاوف اضطراب الإمدادات العالمية واحتمال اتساع رقعة الصراع في واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم، يبقى السؤال مطروحًا: هل يقف العالم على أعتاب صدمة نفطية رابعة، أم أن السوق ستنجح مجددًا في امتصاص الصدمة قبل أن تتحول إلى أزمة عالمية جديدة؟