مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت النار.. تباين الأهداف وتعقّد المسارات
14 ابريل 2026
تعقد اليوم في واشنطن أول جولة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وذلك في وقت تتواصل فيه غارات جيش الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، بما يضع المسار الدبلوماسي تحت ضغط الميدان.
ويشارك في هذه الجولة السفراء الثلاثة: السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى معوض، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، إلى جانب السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، في خطوة تفتح مسارًا تفاوضيًا معقدًا وسط تباين واضح في أهداف أطراف الحرب.
ويحمل حضور يحيئيل ليتر دلالة رمزية لافتة، إذ سبق أن شارك في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال اجتياح لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يعود اليوم إلى المشهد نفسه، ولكن من بوابة التفاوض مع لبنان. وتزداد هذه الرمزية تعقيدًا مع مقتل ابنه موشيه أثناء مشاركته في حرب الإبادة الجماعية على غزة عام 2023، ما يضفي على مشاركته بعدًا شخصيًا وسياسيًا في آن واحد.
أما ميشيل عيسى، فهو رجل أعمال ومستثمر أميركي من أصل لبناني، ويعكس حضوره إلى حد كبير النهج الذي يعتمد عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إسناد الملفات إلى شخصيات قادمة من عالم المال والاستثمار، على غرار مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وتشير هذه المقاربة إلى تفضيل الإدارة الأميركية شخصيات تتقن منطق الصفقات والتفاوض القائم على المصالح والنفوذ.
تسعى إسرائيل إلى نزع سلاح حزب الله، سواء بشكل مباشر عبر عملياتها العسكرية، أو بصورة غير مباشرة من خلال الجيش اللبناني. ويعني الخيار الأول الانخراط في حرب طويلة، فيما ينطوي الخيار الثاني على خطر الانزلاق إلى حرب أهلية
ماذا تريد إسرائيل؟
الموقف الإسرائيلي من المفاوضات واضح ومعلن؛ إذ تسعى تل أبيب إلى أن تتركز هذه المفاوضات على نزع سلاح حزب الله وتوقيع اتفاقية سلام، مع رفض كامل لأي وقف لإطلاق النار، في وقت تواصل فيه عمليتها العسكرية في جنوب الليطاني لفرض منطقة أمنية عازلة.
ولم تشر تل أبيب إلى أن هذه المفاوضات قد تفضي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب أو إلى وقف الأعمال العدائية.
وهذا ما أكدته صحيفة "هآرتس" نقلًا عن مصادر، إذ أفادت بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرى في المفاوضات مع لبنان فرصة لكسب الوقت من دون وقف الحرب، وأن سفير إسرائيل في واشنطن تلقى تعليمات بعدم القبول بوقف إطلاق النار ضمن مفاوضات لبنان.
وفي ما يتعلق بسلاح حزب الله، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي اليوم، نقلًا عن مصادر دبلوماسية، أنه لا سلام مع لبنان من دون نزع سلاح حزب الله.
كما قالت الناطقة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بيدروسيان، أمس، إن الحوار بين إسرائيل ولبنان يهدف إلى نزع سلاح حزب الله، وإبعاده عن لبنان، وإقامة علاقات سلمية بين البلدين، مؤكدة أن تل أبيب لن تفاوض على وقف إطلاق النار مع حزب الله.
وتشير تجارب المفاوضات الإسرائيلية السابقة مع عدد من الأطراف، سواء مع سوريا أو غزة أو لبنان، إلى أن إسرائيل لم تلتزم في محطات عدة بما تعهدت به من تفاهمات ومواثيق.
كما تسعى إلى توسيع احتلالها في جنوب لبنان وجنوب سوريا وغزة، فضلًا عن الطروحات المعلنة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ضمن مشروع "إسرائيل الكبرى".
ما موقف الحكومة اللبنانية؟
تقف الحكومة اللبنانية أمام مجموعة من الضغوط الداخلية والخارجية، وسط معضلة تبدو عاجزة عن حلها.
فمن جهة، تريد إسرائيل من الجيش اللبناني أن يتحرك لمواجهة الحزب وأن ينزع سلاحه بالقوة، وهو ما يرفضه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، وقائد الجيش رودولف هيكل، لما قد يحمله ذلك من مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية.
ومن جهة أخرى، لا يريد حزب الله تسليم سلاحه، بل يطالب بالتوافق على استراتيجية أمن وطني يكون سلاح الحزب جزءًا منها ضمن توافق داخلي لمواجهة أي مخاطر محتملة تهدد لبنان.
ويضع الحزب شرطًا أساسيًا لهذه الاستراتيجية، يتمثل في أن تأتي بعد انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.
في المقابل، تطرح الحكومة اللبنانية موقفًا أعلنت إسرائيل أنها لن تقبل به، وهو وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من لبنان، مع استكمال المسار التفاوضي المباشر للوصول إلى اتفاقية سلام.
وأعرب عون عن أمله في التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار خلال الاجتماع المرتقب في واشنطن، تمهيدًا لبدء المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
وترى الحكومة اللبنانية أن حزب الله يخوض "حرب الآخرين"، سواء في المرحلة الأولى عبر إسناد غزة بعد "طوفان الأقصى"، أو في المرحلة الثانية عبر إسناد إيران بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية في 28 شباط/فبراير.
ماذا يريد حزب الله؟
يختلف موقف حزب الله عن موقف الحكومة اللبنانية بشكل واضح.
إذ يرفض بشكل كامل أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل أو أي اتفاقية سلام، ويتمسك بمفاوضات غير مباشرة هدفها وقف الحرب وانسحاب إسرائيل.
وكان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قد ألقى يوم أمس، قبل يوم من بدء أول جولة مفاوضات، خطابًا أكد خلاله رفضه للمفاوضات المباشرة أو السلام، مشددًا على أن المسار الوحيد الذي يحقق السيادة يتمثل في تطبيق الاتفاق، عبر إيقاف العدوان بشكل كامل، والانسحاب الفوري من جميع الأراضي، والإفراج عن الأسرى، وعودة الناس إلى قراهم ومدنهم حتى آخر بيت في الشريط الحدودي.
ويقول الحزب إن الحروب التي يخوضها تأتي دفاعًا عن لبنان، ومنعًا لإسرائيل من تحقيق أهدافها ضمن مشروع "إسرائيل الكبرى" واحتلال جنوب لبنان.
أهداف متعددة وأطراف متناقضة
تسعى إسرائيل إلى نزع سلاح حزب الله، سواء بشكل مباشر عبر عملياتها العسكرية، أو بصورة غير مباشرة من خلال الجيش اللبناني. ويعني الخيار الأول الانخراط في حرب طويلة، فيما ينطوي الخيار الثاني على خطر الانزلاق إلى حرب أهلية، فضلًا عن مساعيها لفرض منطقة عازلة.
أما الحكومة اللبنانية، فتسعى إلى أن تكون صاحبة قرار السلم والحرب، وحصر السلاح في يد الدولة، وتحاول التفاوض مع إسرائيل، إلا أنها لا تمتلك أوراق قوة كافية تمكّنها من فرض شروطها على تل أبيب.
وفي المقابل، يريد حزب الله انسحاب إسرائيل، ويرفض أي ربط بين هذا الانسحاب وسلاحه، معتبرًا أن مسألة السلاح شأن داخلي يُناقش مع الحكومة اللبنانية بشكل مستقل، وبعيدًا عن أي تدخل أميركي أو إسرائيلي.
الوسيط الأميركي
من جهة أخرى، تُجرى هذه المفاوضات بوساطة أميركية يُنظر إليها على أنها غير محايدة، في ظل اصطفافها الكامل إلى جانب إسرائيل وسعيها إلى تحقيق أهداف تل أبيب أكثر من الاستجابة لمطالب الحكومة اللبنانية.
وتضع هذه الوساطة الحكومة اللبنانية أمام ضغط مضاعف، في ظل التباين الحاد بين مواقف الأطراف المعنية، واستمرار العمليات العسكرية على الأرض.