ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

مناورة المعادن النادرة: كيف تحولت أسعار الذهب إلى مؤشر للحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة؟

25 أكتوبر 2025
ارتفاع أسعار الذهب
حقق سعر أونصة الذهب أرقامًا تاريخية (Getty)
مصطفى هشام مصطفى هشام

أصدرت وزارة التجارة الصينية منشورًا بعنوان "الإعلان رقم 62 لسنة 2025"، أوضحت فيه أنه يتوجب على الشركات الأجنبية الحصول على موافقة الحكومة الصينية قبل استيراد أي من المعادن الأرضية النادرة، مع توضيح الغرض من استخدامها وآلية تشغيلها.

وقد أثار هذا القرار اعتراض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اعتبر الخطوة محاولة من الصين لتشديد قبضتها على المعروض العالمي من هذه المعادن. وأعلن ترامب أن على الولايات المتحدة اتخاذ موقف حازم من "التهديد الصيني"، ملوّحًا في 10 تشرين الأول/أكتوبر بفرض تعريفات جمركية انتقامية بنسبة 100 % على السلع الصينية، إضافة إلى فرض ضرائب متبادلة على بعض السفن والموانئ، ومنع تصدير البرمجيات والتقنيات الحساسة إلى بكين.

وجاء ذلك قبل ثلاثة أسابيع من القمة الاقتصادية المقررة في كوريا الجنوبية، حيث يُتوقَّع أن يجتمع ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ للبحث في سبل إنهاء حرب الرسوم الجمركية المتبادلة، ودعم الاقتصاد العالمي المهدَّد بالركود. ومع تصاعد أزمة المعادن النادرة، لمح ترامب إلى احتمال إلغاء اللقاء المرتقب مع الرئيس الصيني.

ومع انتشار تدوينة ترامب، بدأت الأسواق الأميركية والعالمية تسجّل انخفاضات استمرت أسبوعًا كاملًا، إذ تراجع مؤشر "SPLRACT" الخاص بقطاع التكنولوجيا ضمن أقوى 500 شركة أميركية بنسبة 4 %، فيما هبطت أسهم الشركات الصينية المدرجة في البورصة الأميركية، مثل علي بابا (Alibaba)، بنسبة 8.4 %. وفي المقابل، ارتفعت أسعار الذهب بشكل حاد، متجاوزة 4000 دولار للأونصة لأول مرة في التاريخ.

تمتلك الصين عددًا من الشركات العاملة في التنقيب وتنقية المعادن النادرة

وعلى الجانب الآخر، تراجعت الأصول الحكومية الأميركية، فانخفضت عائدات سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بنسبة 4.057 %، كما تراجع مؤشر الدولار الأميركي بنسبة 0.4 % إلى ما دون 99 نقطة، لتتفوق عليه العملات الأوروبية والين الياباني.

وفي ختام الأسبوع، وتحديدًا يوم الجمعة 17 تشرين الأول/أكتوبر، سُئل ترامب عن مدى جديته في فرض تعريفات جمركية تصل إلى 100%، فأجاب بأنه يستبعد ذلك.

فما المقصود إذًا من هذه المناورة؟ وما هي المعادن النادرة؟ ولماذا يعجز ترامب عن تحقيق اختراق في الحرب الاقتصادية؟
وما الذي يعكسه تضخم أسعار الذهب عالميًا؟

اليد العليا للصين

تمتلك الصين عددًا من الشركات العاملة في التنقيب وتنقية المعادن النادرة، والتي تضم 17 عنصرًا من بينها: السيريوم، البراسيوديميوم، الساماريوم، والديسبروسيوم وغيرها. تدخل هذه العناصر بشكل مباشر في صناعة أشباه الموصلات، وبطاريات الليثيوم للسيارات الكهربائية، وأنظمة الذكاء الصناعي، وصولًا إلى الأذرع الروبوتية المستخدمة في المصانع.

ومن دون هذه المعادن، ستتراجع التكنولوجيا كما نعرفها اليوم خطوات عديدة إلى الوراء. فعلى سبيل المثال، تمتلك شركة "Shengh" الصينية القدرة على إنتاج 99 % من عنصر الديسبروسيوم عالي النقاء، الذي تعتمد عليه شركتا "Nvidia" و"Qualcomm" في تصنيع المكثفات داخل شرائح السيليكون، وتعديلها لتتحمل درجات حرارة مرتفعة دون فقدان الاستقرار.

منذ تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، بدأت الحكومة الصينية تلزم الشركات العاملة في توريد المعادن النادرة بتسليم معلومات مفصّلة عن عملائها وطريقة استخدام هذه المعادن في الدول الغربية. وفي صيف هذا العام، شددت الحكومة إجراءاتها، فمنعت نقل أي معدات تصنيعية إلى خارج البلاد، وأجبرت العديد من الخبراء والفنيين العاملين في هذا القطاع على تسليم جوازات سفرهم ومنعتهم من السفر.

وجاءت الخطوة الأشد في تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حين حظرت وزارة التجارة الصينية تصدير المعادن النادرة لأي جهة تُستخدم منتجاتها في تصنيع معدات حربية. وتعتمد المقاتلات الأميركية الأحدث في العالم "F-35" على مغناطيسات مصنوعة من معدن الساماريوم المُصنّع في الصين. كما نصّت القوانين الجديدة على أنه في حال دخول هذه المعادن بنسبة 0.1% فقط في أي صناعة مدنية، فإن المنتج بأكمله يُخضع للرقابة الصينية.

ويقول الخبير في معهد "النزعات الدولية والتعاون" بجامعة كاليفورنيا، غودريتش، إن "من المستحيل تحديد ما إذا كان أي منتج يحتوي على 0.1 % من المعادن النادرة الصينية أم لا"، مضيفًا أن بكين باتت قادرة على التحكم في إنتاج معظم الأجهزة الإلكترونية في العالم، بل وحتى التأثير على مبيعات الذكاء الصناعي التي تقودها شركة "Nvidia" عالميًا.

لقد استثمرت الصين لعقود طويلة في بناء معامل ومصانع تنقيب وتنقية المعادن النادرة، ومنذ عام 2010 أظهرت قدرتها على توجيه السوق العالمية وتهديد سلاسل الإنتاج الإلكترونية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك عددًا من الشركات العاملة في المجال لتعويض أي اضطراب في التوريدات من الصين ، إلا أن هذه الشركات تحتاج إلى ثلاث إلى خمس سنوات للوصول إلى طاقتها الإنتاجية القصوى. 

وفي 20 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وقّع الرئيس دونالد ترامب مرسوم تعاون مع أستراليا، التي تمتلك مخزونًا استراتيجيًا ضخمًا من المعادن النادرة القابلة للاستخراج، لتعويض النقص المتوقع في الأسواق العالمية قريبًا.

ماذا يخبرنا الذهب عن الاقتصاد العالمي

استمرت المفاوضات بين الصين والولايات المتحدة لمدة ستة أشهر وفي أربع عواصم أوروبية مختلفة، ولم تسفر عن تحقيق أي اختراق يُذكر؛ لكنها استطاعت أن تخفف من حدة الحرب الاقتصادية بين البلدين إلى ما قبل شهر نيسان/أبريل، عندما أقر الرئيس ترامب التعريفات الجمركية على جميع المُصدرين إلى الولايات المتحدة، وارتفعت الجمارك المفروضة على الصين حتى 145%. وبذلك امتلكت الصين زمام المبادرة هذا الشهر بعد تفعيلها القواعد التنظيمية التي تهدد بها سوق التكنولوجيا، بل وحتى الاقتصاد العالمي.

لقد استثمرت الصين لعقود طويلة في بناء معامل ومصانع تنقيب وتنقية المعادن النادرة

يقول رجل الأعمال وخبير في الاقتصاد الصيني بمركز "واشنطن للدراسات الدولية والاستراتيجية"، سكوت كينيدي: "أصبح الصراع الآن مثيرًا للاهتمام، فكلا الطرفين يأمل تحقيق اختراق من خلال الضغط على الآخر وإجباره على التسوية والرضوخ قبل قمة APEC، أو أنهما يعودان إلى التصعيد الآن على اعتبار أن التوصل إلى اتفاق في APEC سيكون مستحيلًا، وبذلك يحاول كلٌّ منهما أن يحوز نفوذًا كافيًا لجولة مقبلة".

ومن المفترض أن تُعقد قمة منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي (APEC) في كوريا الجنوبية يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر القادم. ومع تبادل التهديدات بين الولايات المتحدة والصين، ارتفع سعر أونصة الذهب في البورصات العالمية ليحقق أرقامًا تاريخية، حيث وصل إلى حدود 4346 دولارًا للأونصة الواحدة، مقتربًا من التوقعات التي وضعها المحللون للعام القادم، والتي تشير إلى إمكانية بلوغ 5000 دولار للأونصة بنهاية عام 2026.

لكن الملاذ الآمن تراجع بشدة يوم الثلاثاء 21 تشرين الأول/أكتوبر، عندما صرّح دونالد ترامب لوكالة "رويترز" بأنه يتوقع "اتفاقية تجارة قوية" مع الرئيس الصيني شي جين بينغ الأسبوع القادم عندما يلتقيان في كوريا الجنوبية. وبمجرد انتشار هذا التصريح، شهدت أسعار الذهب انهيارًا غير مسبوق، إذ انخفضت بنسبة 4.7 % في يومٍ واحد، وهو ما لم يحدث منذ كانون الأول/ديسمبر 2020، ليصل المعدن الأصفر إلى 4140 دولارًا للأونصة الواحدة، ويختتم سلسلة من الأرباح بدأها هذا العام وبلغت 60 %.

تتحرك أسعار الذهب اعتمادًا على عدد من العوامل، منها مشتريات البنوك المركزية، خصوصًا في الصين التي تحاول فك ارتباطها بالدولار كعملة عالمية، ومنها أيضًا حالة الاقتصاد الأميركي الذي بدأ يُظهر علامات ضعف، سواء في التوظيف أو في ارتفاع معدلات التضخم، إضافةً إلى تدخل الرئيس الأميركي في عمل البنك الفيدرالي ومحاولاته التأثير عليه.

ومع ذلك، يبقى العامل الأكبر هذا العام هو الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، إذ يعني استمرار هذا الصراع أن الاقتصاد العالمي سيواجه ركودًا واسعًا، فكلٌّ من القطبين يحاول استهداف خصمه اقتصاديًا من أجل إضعافه، وفي المحصلة يتم إضعاف الاقتصاد العالمي ككل، ليغدو الذهب المقياس الأوضح لمشاعر الخوف أو الثقة في مستقبل الاقتصاد العالمي، ومن خلال حركته يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور.

كلمات مفتاحية
احتجاجات حزب الصراصير في الهند

ما قصة احتجاجات حركة "الصراصير" في الهند؟

تعرف إلى قصة احتجاجات "الصراصير" في الهند وكيف تحولت حملة ساخرة إلى حركة شبابية واسعة تتحدى حكومة مودي

طهران

هل من مخرج لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران؟

تحركات دبلوماسية ووساطات لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران تقابلها استعدادات أميركية محتملة لتوسيع الحرب

مسيّرات

"الدرونز" ضد "الدرونز": اقتصاد الصناعة العسكرية وعقائد الحرب الحديثة

تُحدث "الدرونز"، المعرّبة بـ"الطائرات المسيّرة"، تحولًا عميقًا في طبيعة الحروب المعاصرة وفي بنية الصناعات العسكرية العالمية

كأس العالم 2026
رياضة

"ميركاتو ما بعد المونديال".. لماذا زادت أسعار اللاعبين بشكل جنوني؟

ضخ الأموال الطائلة على اللاعبين بشكل مستمر يعطي إحساسًا خادعًا للجميع بأن هذه الأسعار صلبة وطبيعية، بينما هي في الحقيقة مجرد مضاربات

كأس العالم 2026
رياضة

أكثر 4 منتخبات خيبت الآمال في كأس العالم 2026

الكثير من المنتخبات ظنّت أن كأس اللعالم 2026 ستكون أسهل بحكم تواجد 48 منتخبًا، لكنها خيّبت آمال مشجعيها

المسرح المدرسي الفلسطيني
فنون

عن المسرح المدرسي الفلسطيني

لم أقرأ لمسرحي فلسطيني اعترافًا بدور المدرسة في تفجير موهبته المسرحية

كأس العالم 2026
قول

أساءت إلى نفسها أولًا.. عن الأرجنتين التي خسرت كل شيء في "نهائي العار"

كانت الهوية القتالية مصدر قوة المنتخب الأرجنتيني، لكنها تحولت إلى عبء عندما وصلت إلى فقدان السيطرة، لم تخسر الأرجنتين لأنها قاتلت، بل لأنها لم تعرف متى تتوقف عن القتال