من "اشترِ أميركا" إلى "وداعًا أميركا".. نزوح استثماري متسارع من وول ستريت
22 فبراير 2026
تشهد الأسواق المالية الأميركية تحوّلًا لافتًا في سلوك المستثمرين، مع تسارع وتيرة سحب الأموال من أسواق الأسهم المحلية إلى وجهات خارجية، في مؤشر واضح على تراجع جاذبية "وول ستريت" بعد سنوات من الهيمنة تحت شعار "اشترِ أميركا"، وذلك حسب تقرير نشرته وكالة "رويترز".
نزيف ملياري غير مسبوق منذ 16 عامًا
ووفقًا لتقرير رويترز، أظهرت بيانات أن المستثمرين المقيمين في الولايات المتحدة سحبوا نحو 75 مليار دولار من منتجات الأسهم الأميركية خلال الأشهر الستة الماضية، منها 52 مليار دولار منذ بداية عام 2026 فقط، في أكبر تدفقات خارجة خلال أول ثمانية أسابيع من العام منذ عام 2010 على الأقل.
تشهد الأسواق المالية الأميركية تحوّلًا لافتًا في سلوك المستثمرين، مع تسارع وتيرة سحب الأموال من أسواق الأسهم المحلية إلى وجهات خارجية
هذا التحول يأتي رغم تراجع الدولار بنحو 10% مقابل سلة من العملات منذ كانون الثاني/يناير الماضي، وهو ما يجعل الاستثمار في الأصول الخارجية أكثر تكلفة للمستثمر الأميركي. غير أن الأداء القوي للأسواق الخارجية عوّض هذا العامل، بل وجعل العوائد المحققة بالدولار أكثر جاذبية.
نهاية مرحلة الهيمنة المطلقة؟
منذ انتهاء الأزمة المالية العالمية عام 2009، حقق رهان "اشترِ أميركا" مكاسب ضخمة للمستثمرين المحليين والدوليين، بفضل قوة الاقتصاد الأميركي ونمو الأرباح وهيمنة قطاع التكنولوجيا.
وساهمت طفرة الذكاء الاصطناعي في دفع مؤشر S&P 500 إلى مستويات قياسية العام الماضي، ما شكّل درعًا واقيًا أمام حالة عدم اليقين المرتبطة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية والدبلوماسية، ومحاولاته تقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
لكن المخاوف المتزايدة بشأن تكاليف الذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة به، إلى جانب التقييمات المرتفعة جدًا لأسهم التكنولوجيا العملاقة، دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في تمركزهم داخل السوق الأميركية.
البحث عن فرص خارجية
وكشف مسح مديري الصناديق لشهر شباط/فبراير الصادر عن بنك أوف أميركا أن المستثمرين انتقلوا من الأسهم الأميركية إلى أسهم الأسواق الناشئة بأسرع وتيرة في خمس سنوات.
ووفق البيانات، ضخ المستثمرون الأميركيون نحو 26 مليار دولار في أسهم الأسواق الناشئة منذ بداية العام، تصدرتها كوريا الجنوبية بتدفقات بلغت 2.8 مليار دولار، تلتها البرازيل بـ1.2 مليار دولار.
كما أظهرت الأرقام أن رؤوس الأموال الأميركية المتجهة إلى أوروبا تسارعت منذ منتصف 2025، حيث تم ضخ نحو 7 مليارات دولار في منتجات الأسهم الأوروبية منذ تنصيب ترامب في كانون الثاني/يناير الماضي، مقارنة بخروج نحو 17 مليار دولار خلال ولايته الأولى بين 2017 و2021.
أرقام الأداء: الخارج يتفوق
خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، ارتفع مؤشر S&P 500 بنحو 14% فقط، مقارنة بمكاسب لافتة في أسواق أخرى مثل:
مؤشر Nikkei 225 في طوكيو قفز 43% بالدولار
مؤشر STOXX Europe 600 صعد 26%
مؤشر CSI 300 ارتفع 23%
مؤشر KOSPI تضاعف تقريبًا
هذه الفوارق في الأداء دفعت المستثمرين إلى توسيع نظرتهم العالمية، خصوصًا في ظل ما يُعرف بـ"التدوير الكبير" للأصول.
من أسهم النمو إلى أسهم القيمة
المراجعة لا تقتصر على البعد الجغرافي، بل تمتد إلى نوعية الأسهم. فقد بدأ المستثمرون بإعادة تقييم الارتفاع المتواصل لأسهم عمالقة الذكاء الاصطناعي مثل إنفيديا وميتا ومايكروسوفت، وسط مخاوف من التقييمات المبالغ فيها.
في المقابل، يتجه الاهتمام نحو أسهم "القيمة" والشركات الصناعية والدفاعية، التي تحظى بثقل أكبر في أسواق مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا واليابان. فعلى سبيل المثال، قفزت أسهم البنوك الأوروبية بنسبة 67% العام الماضي، وارتفعت 4% إضافية منذ بداية 2026.
رغم استمرار قوة السوق الأميركية، تبقى الأسهم الأميركية الأغلى عالميًا. إذ يتم تداول مؤشر S&P 500 عند مضاعف ربحية يقارب 21.8 مرة للأرباح المتوقعة، مقابل نحو 15 مرة في أوروبا، و17 مرة في اليابان، و13.5 مرة في الصين. هذا الفارق في التقييم، إلى جانب تحسن آفاق النمو الدوري في أوروبا واليابان، يعزز من جاذبية الاستثمار خارج الولايات المتحدة.
ويرى بعض مديري الأصول أن ما يحدث قد يكون بداية "تدوير عالمي كبير" في توزيع رؤوس الأموال، حيث يعيد المستثمرون الأميركيون توزيع استثماراتهم بعيدًا عن التمركز التاريخي في وول ستريت.