من الصحفيين إلى رؤساء الحكومات.. كيف وصل برنامج "بيغاسوس" إلى أجهزة الأمن المغربية؟
16 يوليو 2026
كشف تحقيق استقصائي جديد، استند إلى شهادة مسؤول استخبارات مغربي سابق ووثائق مسربة وتحليلات تقنية، تفاصيل جديدة حول استخدام لبرنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس" من قبل أجهزة أمنية مغربية لاستهداف صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وشخصيات سياسية داخل المغرب وخارجه.
ويقدم التحقيق الذي نشرته صحيفة "الغارديان"، والذي حمل عنوان "مشروع بيغاسوس: داخل آلة التجسس المغربية"، واحدة من أكثر الروايات تفصيلًا حول طريقة عمل البرنامج داخل الأجهزة الأمنية المغربية، مستندًا إلى شهادة مصدر سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، إضافة إلى مواد حصل عليها تحالف إعلامي دولي بقيادة منظمة "قصص محرمة" (Forbidden Stories) وبمشاركة 14 مؤسسة إعلامية، مع دعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية.
عرض سري في الرباط
بحسب التحقيق، بدأت قصة استخدام برنامج "بيغاسوس" داخل الأجهزة الأمنية المغربية عام 2017، عندما قدم ممثلون عن شركة البرمجيات الإسرائيلية "إن إس أو جروب" (NSO Group)، عرضًا تقنيًا خاصًا لكبار مسؤولي الاستخبارات والخبراء التقنيين المغاربة داخل فيلا فاخرة في العاصمة الرباط.
وفقًا للتحقيق، قبل استخدام "بيغاسوس"، كانت أجهزة الأمن المغربية تعتمد على وسائل تقليدية لجمع المعلومات
وقال المصدر، الذي أُطلق عليه الاسم المستعار "سفير"، إن الفيلا كانت تُعرف باسم "فيلا FSSYS"، نسبة إلى شركة (FSSYS Maroc)، التي كانت حينها الفرع المغربي لشركة الوساطة الإماراتية "الفهد"، والتي كانت تستخدم المكان لتنظيم عروض مرتبطة بتقنيات المراقبة.
وخلال العرض، أظهر ممثلو الشركة قدرات برنامج "بيغاسوس"، الذي يسمح باختراق الهواتف الذكية عن بُعد، دون الحاجة إلى الوصول المادي إلى الجهاز المستهدف. ووفقًا للشهادة، أدرك الحاضرون سريعًا "الإمكانات الثورية" للبرنامج، بعدما شاهدوا اختراق هواتف تجريبية وتشغيل الكاميرات والميكروفونات عن بعد، إضافة إلى الوصول إلى الرسائل والبيانات المخزنة.
وقال المصدر إن البرنامج كان مكلفًا للغاية، لكنه شكّل تحولًا كبيرًا في قدرات المراقبة، مضيفًا أن الحصول عليه جاء بدعم إماراتي. ونقل التحقيق عنه قوله: "ملايين الدولارات بالنسبة للإماراتيين لا تعني شيئًا. الإمارات اشترته ثم أعادت توزيعه على الأجهزة الصديقة".
"سلاح الوحش".. استخدام بيغاسوس للأهداف عالية القيمة
ووفقًا للتحقيق، قبل استخدام "بيغاسوس"، كانت أجهزة الأمن المغربية تعتمد على وسائل تقليدية لجمع المعلومات، مثل مراقبة الأجهزة في مقاهي الإنترنت أو استخدام هواتف مزروعة مسبقًا ببرامج تجسس أخرى. لكن البرنامج الجديد، كان مخصصًا للأهداف ذات الأهمية العالية فقط، بعد استنفاد الوسائل الأقل تكلفة. وقال "سفير": "نحن لا نبدأ أبدًا باستخدام بيغاسوس.. إنه سلاح الوحش".
وأشار التحقيق إلى أن أربعة أرقام هواتف مغربية أُدرجت ضمن أهداف "بيغاسوس" في أيلول/سبتمبر 2017، بهدف اختبار النظام الجديد، بينها أرقام مرتبطة بموظفين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وفي الشهر نفسه، بدأت أرقام صحفيين مغاربة ومدافعين عن حقوق الإنسان تظهر في قاعدة بيانات مشروع "بيغاسوس"، قبل أن يتوسع نطاق الاستهداف لاحقًا إلى خارج البلاد.
صحفيون وحقوقيون ضمن قائمة الاستهداف
من بين الأسماء التي وردت في التحقيق، الناشطة الصحراوية المدافعة عن حقوق الإنسان أميناتو حيدر، حيث أظهر تحليل البيانات أن رقم هاتف إسبانيًا مرتبطًا بها كان ضمن أهداف "بيغاسوس" منذ عام 2018. كما عُثر على آثار للبرنامج في هاتف آخر يعود إليها عام 2021. وضمت قاعدة البيانات أيضًا رقم الصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، المعروف بتغطيته لقضايا المغرب العربي.
وبحسب سجلات مشروع "بيغاسوس"، تم اختيار أكثر من 200 رقم هاتف إسباني للاستهداف من قبل مستخدم يُعتقد أنه مرتبط بالمغرب.
رئيس الوزراء الإسباني وحكومته ضمن الأهداف
تصاعدت القضية عام 2022، عندما أعلنت الحكومة الإسبانية أن هاتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس تعرضا للاختراق بواسطة برنامج "بيغاسوس" خلال عام 2021.
وجاء الكشف في ظل أزمة دبلوماسية بين مدريد والرباط، على خلفية استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج من فيروس كورونا في أحد مستشفيات شمال البلاد. لاحقًا، ظهرت معلومات تفيد باستهداف هاتفي وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا ووزير الزراعة لويس بلاناس أيضًا.
وأظهرت تحليلات حديثة، وفق التحقيق، أن حسابًا مرتبطًا بالمغرب لبرنامج "بيغاسوس" استُخدم لاستهداف سياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان في فرنسا، وكذلك لاستهداف هواتف مسؤولين إسبان.
تحقيقات قضائية دون نتائج
حاول القضاء الإسباني التحقيق في قضية استهداف أعضاء الحكومة عبر "بيغاسوس"، لكن الملف واجه عقبات عديدة. وكان قاضي التحقيق قد أغلق القضية في تموز/يوليو 2023، قبل إعادة فتحها بعد حصوله على معلومات من السلطات الفرنسية حول استخدام البرنامج ضد وزراء ونواب ومحامين وصحفيين فرنسيين.
لكن التحقيق أُغلق مجددًا في كانون الثاني/يناير، بسبب ما وصفه القاضي بـ"غياب التعاون" من الجانب الإسرائيلي، خصوصًا عدم الرد على طلب الاستماع إلى الرئيس التنفيذي لشركة (NSO Group).
اتهامات بالتجسس على الحرس المدني الإسباني
لم تقتصر القضية على السياسيين، إذ كشف التحقيق عن معطيات تشير إلى احتمال استهداف عناصر من الحرس المدني الإسباني (Guardia Civil). وبحسب وثائق وشهادات، حاولت أجهزة أمنية مغربية الوصول إلى اتصالات ضباط إسبان سافروا إلى المغرب لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب. وظهر رقم هاتف أحد كبار ضباط الحرس المدني خمس مرات ضمن قائمة الأهداف المختارة للمراقبة.
وقال ضابط سابق في الاستخبارات المغربية للتحقيق: "نحن نتجسس على الجميع"، مضيفًا أن عمليات المراقبة كانت تُنفذ "تحسبًا لأي احتمال". ووصف مسؤول إسباني رفيع هذه الوقائع بأنها "خيانة"، مشيرًا إلى أن الحرس المدني لم يتخذ إجراءات حماية إضافية لأنه لم يتوقع أن يكون هدفًا للتجسس من دولة حليفة.
لطالما نفت السلطات المغربية استخدام برنامج "بيغاسوس" لاستهداف معارضين أو صحفيين، ورفضت الاتهامات التي وجهت إليها في هذا الملف. كما تزعم شركة(NSO Group) أن برنامجها يباع فقط للحكومات بهدف مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنها واجهت خلال السنوات الماضية انتقادات واسعة بسبب استخدام البرنامج في قضايا مرتبطة باستهداف صحفيين وحقوقيين وسياسيين.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أدرجت الولايات المتحدة شركة (NSO Group) على قائمتها السوداء، معتبرة أن أنشطتها تتعارض مع مصالح الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية. وبعد ذلك بأسابيع، أفادت تقارير إسرائيلية بأن وزارة الدفاع الإسرائيلية فرضت قيودًا على تصدير تقنيات الأمن السيبراني إلى دول عدة، بينها المغرب والإمارات. ورغم الكم الكبير من الوثائق التي تناولها التحقيق، أكد القائمون عليه أنهم لم يجدوا أدلة على استمرار استخدام برنامج "بيغاسوس" في المغرب بعد أواخر عام 2021.