من المواجهة إلى الاحتواء.. كواشف الذكاء الاصطناعي تفقد فعاليتها
15 يونيو 2026
كلما تطورت نماذج الذكاء الاصطناعي واقتربت من أسلوب البشر، أصبح التمييز بينها وبين الكتابة البشرية أكثر صعوبة بالنسبة إلى أدوات الكشف أو كواشف الذكاء الاصطناعي، ما يزيد من احتمالات الاتهام الخاطئ، وينتج عنه معاقبة كتّاب وصحافيين أو طلاب وغيرهم ممن لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي، بسبب خوارزميات غير دقيقة.
كواشف الذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام
كواشف الذكاء الاصطناعي معرّضة لإنتاج اتهامات خاطئة أكثر من قدرتها على تقديم حالات كشف صحيحة، ما يثير مخاوف أخلاقية. فالاعتماد على هذه الكواشف للحكم على الصحافيين أو الكتّاب قد يكون ظالمًا، خصوصًا عندما يكون النص نتاج عمل بشري حقيقي تخللته مساعدة محدودة من الذكاء الاصطناعي. فهي قد تتهم نصوصًا بشرية باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما قد تفشل في اكتشاف نصوص مولّدة به.
كذلك، فإن كل أداة من أدوات الكشف تعتمد منهجية مختلفة وقواعد محددة ومؤشرات خاصة بها في عملية الكشف؛ منها ما هو صارم، ومنها ما هو أقل صرامة، وتختلف هذه المعايير والمؤشرات باختلاف الأدوات. وهذا يعني أن فحص النص نفسه عبر عدة أدوات قد يؤدي إلى نتائج مختلفة بحسب معايير كل أداة. وبالتالي، إذا أصبحت الأداة أكثر حساسية في الكشف، فإنها قد ترتكب أخطاء أكبر عبر اتهام نصوص بشرية بأنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، كلما حاولت هذه الأدوات حماية الكاتب البشري من الاتهام الخاطئ، أصبحت أقل قدرة على كشف استخدام الذكاء الاصطناعي.
كواشف الذكاء الاصطناعي معرّضة لإنتاج اتهامات خاطئة أكثر من قدرتها على تقديم حالات كشف صحيحة، ما يثير مخاوف أخلاقية
أدوات الكشف التي تحدد ما إذا كانت النصوص مستخرجة من أدوات مثل "ChatGPT " أو غيره، تبيّن أنها غير فعالة بنسبة 100%. كما أنها قد تكون غير عادلة أحيانًا، لأن كثيرًا من الأشخاص يوظفون "ChatGPT "بطريقة صحيحة، بينما يعتمد عليه آخرون بشكل كبير دون بذل جهد كافٍ.
وتشير نتائج هذه الأدوات إلى أن النصوص مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون الأخذ في الاعتبار طبيعة الجهد المبذول في نص مقارنة بآخر. كما أظهرت الدراسات أنها لا تحقق دقة عالية، خصوصًا مع النصوص المختلطة أو الهجينة، أي تلك التي يكتبها الإنسان ويعدلها الذكاء الاصطناعي، وأن أداءها يختلف باختلاف نوع النص وطوله وسياقه العلمي أو الإنساني.
في عام 2023 أوقفت شركة "OpenAI" أداة تصنيف النصوص التي كانت تطورها بسبب "انخفاض معدل الدقة". فتطور نماذج الذكاء الاصطناعي يجعل النصوص أكثر شبهًا بالنصوص البشرية، وليس العكس، ما يعني أن المشكلة تكمن في تزايد صعوبة الكشف، لا في تحسن أدوات الكشف.
استسهال العمل الصحفي!
هناك صحافيون ومؤسسات إعلامية يستخدمون الذكاء الاصطناعي في التحرير والترجمة بطريقة غير مهنية، أو يوكلون مهام التحرير بشكل شبه كامل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما ينعكس سلبًا على جودة المحتوى ومهنيته. فقد نشر أحد المواقع السياسية مقالًا عن تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة في سوريا، إلا أن الصحافي أو المحرر الذي أعدّ النص بمساعدة "ChatGPT" استبدل اسم أحمد الشرع بفاروق الشرع! وفي الترجمة، وقعت منصة إخبارية تنشر بخمس لغات في خطأ مماثل، إذ وردت في المقالة العربية عبارة "العرض الأميركي"، فترجمها "ChatGPT" إلى (American fashion)، إذ التبس المصطلح على التطبيق واعتمد ترجمة تدل على تصميم الأزياء بدلًا من معناها المقصود.
الذكاء الاصطناعي ليس المشكلة… بل طريقة استخدامه
في عالم يتجه بسرعة نحو الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، ومع صعوبة الوقوف في وجه هذا التحول أو إيقاف جريانه المتدفق وغزوه لحياة البشر، يصبح الأهم معرفة كيفية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي من قبل الصحافيين والكتّاب والطلاب والمؤسسات الإعلامية والتعليمية.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في نقطتين أساسيتين: الأولى بذل الجهد البشري اللازم لإنجاز العمل بمهنية مع الاستفادة من هذه التطبيقات الذكية، والثانية تعلّم كيفية صياغة التعليمات التي تمنح أفضل النتائج. ففي المستقبل، لن يكون السؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في الصحافة والأبحاث التعليمية وغيرها؟ بل كيف نستخدمه بالطريقة التي تحقق أقصى فائدة وتحافظ في الوقت نفسه على الجودة والمهنية.
الحل أيضًا يكون عبر بذل جهود إضافية وتخصيص موارد بشرية. فالصحافي يحتاج إلى استثمار وقت أكبر في العمل على النص وتدقيقه وترجمته بمساعدة الذكاء الاصطناعي، كما تحتاج المؤسسات الصحفية إلى منح وقت أكبر واستثمار مزيد من الموارد البشرية والمالية لضمان جودة نصوصها ومهنيتها، وألا تكتفي بإدخال النص إلى الذكاء الاصطناعي ثم نشره في عملية لا تتطلب سوى دقائق.
تهديد جوهر المهنة الصحفية
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى بديل عن العمل الصحفي نفسه، لا إلى مساعد له. فيمكن القول إن الحل لا يكمن في مقاومة الذكاء الاصطناعي أو تجاهله، بل في زيادة الجهد البشري داخل العملية الصحفية. فكل نص يُنتج بمساعدة أدوات مثل "ChatGPT" يحتاج إلى وقت إضافي للمراجعة، والتدقيق، وإعادة الصياغة، والتحقق من السياق.
وهنا يصبح دور الصحافيين والمؤسسات الإعلامية حاسمًا: فبدلًا من تقليص الموارد البشرية بحجة السرعة، عليها أن تعيد توزيعها بشكل أكثر ذكاءً، بحيث يُخصَّص وقت ومحررون للتدقيق اللغوي وتدقيق المعلومات، ومراجعة الترجمات بعناية، وفحص الاتساق التحريري. لأن الاعتماد على نص جاهز خلال دقائق قد يبدو مغريًا اقتصاديًا، لكنه يهدد جوهر المهنية على المدى الطويل.
الاحتواء بدلًا من المنع
وعلى نطاق أوسع، وفي عمق العملية التعليمية، وربطًا بكافة الاختصاصات الأكاديمية، يكشف الجدل القائم حول أدوات كشف الذكاء الاصطناعي عن تحول أوسع يشهده قطاع التعليم. فقبل بضع سنوات فقط، كان التركيز منصبًّا على منع الطلاب، في المدرسة والجامعة، من استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تتجه اليوم مؤسسات تعليمية متزايدة إلى التفكير في كيفية تدريب الطلاب على العمل مع هذه الأدوات مع الحفاظ على التفكير النقدي والتحليلي.
مما يبدو أن عصر مواجهة الذكاء الاصطناعي قد ولّى، فقد اختارت كلية "كيلي لإدارة الأعمال" في جامعة إنديانا مسارًا مختلفًا، إذ منعت أعضاء هيئة التدريس من استخدام أدوات كشف النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي، معتبرة أنها "غير موثوقة إلى حد كبير" وتنتج اتهامات ونتائج خاطئة.
وبدلًا من ملاحقة الطلاب عبر هذه الأدوات، دعت الجامعة أساتذتها إلى إعادة تصميم أساليب التدريس والتقييم بما ينسجم مع عصر الذكاء الاصطناعي، والتركيز على كيفية استخدامه بصورة مسؤولة بدل الاكتفاء بمحاولة كشفه.
ودعت الجامعة أعضاء هيئة التدريس إلى تصميم واجبات تركز على التفكير والتحليل وإصدار الأحكام وشرح خطوات العمل، بحيث يبرهن الطالب على فهمه للمادة، لا أن يكتفي بتقديم نص نهائي يبدو متقنًا. كما شجعت الأساتذة على تصميم مهام دراسية للطلاب تكون "قابلة للتتبع وقابلة للدفاع عنها"، وشجعت الطلاب على شرح طريقة تفكيرهم والدفاع عن قراراتهم في مناقشات لاحقة، وتوثيق كيفية تطور عملهم عبر الوقت، بالإضافة إلى الإجابة عن أسئلة غير متوقعة بعد تسليم أبحاثهم الدراسية.