من تينيسي إلى فرجينيا الغربية.. كيف غيّرت معسكرات المونديال حياة مدن أميركية صغيرة؟
16 يونيو 2026
لم تقتصر استضافة الولايات المتحدة لمباريات كأس العالم 2026 على المدن الكبرى والملاعب العملاقة، بل امتد تأثير البطولة إلى بلدات ومدن صغيرة تحولت فجأة إلى مراكز اهتمام عالمي بعدما اختارتها منتخبات مشاركة لتكون مقرات إقامتها ومعسكراتها التدريبية خلال البطولة.
وبينما تتجه الأنظار عادة إلى النجوم والمباريات، تروي هذه المدن قصة مختلفة عن الإرث الاجتماعي والثقافي الذي يتركه الحدث الكروي الأكبر في العالم.
إسبانيا تختار مدينة غير متوقعة
وحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، فمن بين أكثر القصص إثارة للاهتمام، قرار منتخب إسبانيا إقامة معسكره في مدينة تشاتانوغا بولاية تينيسي، متجاوزًا مدنًا أميركية أكبر وأكثر شهرة مثل شيكاغو ولوس أنجلوس. واختار المنتخب الإسباني مدرسة "بايلور" الخاصة الواقعة على ضفاف نهر تينيسي مقرًا لتدريباته، مستفيدًا من مرافق رياضية نالت اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد فحوص دقيقة لجودة الملاعب وأنظمة الري والصرف.
نجحت كأس العالم في تحويل مدن هادئة إلى مركز اهتمام عالمي، وربط مجتمعات محلية صغيرة بأكبر نجوم اللعبة، وترك ذكريات قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة.
وسرعان ما تحولت المدينة إلى ما يشبه قطعة من إسبانيا، حيث رُفعت الأعلام الإسبانية على الفنادق والشوارع، وامتلأت الواجهات بصور نجوم المنتخب، فيما استقبل السكان المحليون الفريق بحفاوة لافتة.
جنون الجماهير حول "لا روخا"
الحماس الشعبي كان هائلًا إلى درجة أن نحو 25 ألف شخص تقدموا بطلبات للحصول على تذكرة فقط لحضور إحدى الحصص التدريبية المفتوحة للجمهور. وتحولت رؤية نجوم مثل لامين يامال وبيدري إلى حلم تحقق بالنسبة للكثير من الأطفال وعشاق اللعبة في المنطقة.
وروت وكالة أسوشيتد برس قصة طفل يبلغ ثماني سنوات انتظر ساعات طويلة حاملًا رسالة بخط يده إلى نجوم المنتخب الإسباني، معبرًا عن إعجابه بهم وشكره لهم على زيارة مدينته، في مشهد يجسد حجم التأثير العاطفي الذي تركه المنتخب في المجتمع المحلي.
العراق في منتجع تاريخي بفرجينيا الغربية
بعيدًا عن تينيسي، اختار المنتخب العراقي الإقامة في منتجع "غرينبراير" التاريخي بولاية فرجينيا الغربية، وهي منطقة جبلية لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف. ويُعد المنتجع من أبرز المعالم التاريخية الأميركية بعدما استضاف رؤساء وقادة عالميين على مدى عقود. وخلال وصول المنتخب العراقي، رُفعت الأعلام العراقية إلى جانب الأميركية في مشهد لفت الأنظار داخل الولاية.
ألمانيا تجلب أجواءها إلى كارولاينا الشمالية
أما المنتخب الألماني فاستقر في مدينة وينستون-سايلم بولاية كارولاينا الشمالية، حيث شهدت المدينة تفاعلًا جماهيريًا واسعًا. ونفدت تذاكر التدريبات المفتوحة خلال أربع دقائق فقط، بينما سارعت بعض المطاعم والحانات الرياضية إلى تعديل قوائم الطعام وإضافة أطباق ألمانية خاصة احتفاءً بوجود المنتخب.
يرى سكان هذه المدن أن المكسب الحقيقي لا يتمثل فقط في الظهور الإعلامي أو العائد الاقتصادي المؤقت، بل في نشر ثقافة كرة القدم بين الأجيال الجديدة. ففي تشاتانوغا مثلًا، أكد مدربون محليون أن وجود منتخب بحجم إسبانيا ألهم مئات الأطفال لممارسة اللعبة ومتابعتها بشكل أكبر، كما عزز شعور المدينة بأنها جزء من حدث عالمي استثنائي.
ويشير التقرير إلى أن العديد من الجماهير المحلية بدأت تتبنى المنتخبات التي تستضيفها مدنها، حتى إن بعض المشجعين الأميركيين أعلنوا دعمهم لإسبانيا في البطولة بعدما أصبحوا قريبين من نجومها وشاهدوهم عن قرب خلال التدريبات.
اختيار دقيق للمعسكرات
اختيارات المنتخبات لم تكن عشوائية، إذ أتاح الفيفا قائمة من المعسكرات المعتمدة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع منح المنتخبات الأعلى تصنيفًا أولوية الاختيار. وبالنسبة لإسبانيا، لعبت جودة الملاعب وسهولة الوصول إلى المدن المستضيفة للمباريات، خصوصًا أتلانتا، دورًا أساسيًا في اختيار تشاتانوغا مقرًا لها.
وفي الوقت الذي تركز فيه التغطيات الإعلامية على نتائج المباريات وأداء النجوم، تكشف هذه القصص جانبًا آخر من كأس العالم 2026؛ جانبًا يتعلق بقدرة البطولة على تحويل مدن هادئة إلى مراكز اهتمام عالمي، وربط مجتمعات محلية صغيرة بأكبر نجوم اللعبة، وترك ذكريات قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.