من "زيكيم" إلى المقابر الجماعية: نمط متكرر لانتهاكات الاحتلال ضد الفلسطينيين
4 ديسمبر 2025
في صيف 2025، اختفى عشرات الفلسطينيين أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الغذائية قرب معبر "زيكيم" في شمال غزة، بينهم عمار وادي، الشاب الذي كتب رسالة وداع مؤثرة على هاتفه قبل انطلاقه لجلب كيس دقيق لعائلته. لم يعد وادي إلى منزله، ووصلت رسالته الأخيرة لعائلته بعد أسابيع، فيما لا يزال مصيره مجهولًا، مثل مصير العديد من الآخرين الذين يختفون في ظروف غامضة وسط استهداف ممنهج من قبل جنود الاحتلال لطالبي المساعدات.
وفي هذا السياق كشف تحقيق لشبكة "سي إن إن" عن ممارسات مثيرة للجدل للجيش الإسرائيلي تتعلق بالتعامل مع القتلى ودفن الجثث في "قبور ضحلة" (قبور تم حفرها بعمق قليل جدًا)، ما يثير تساؤلات عن انتهاك القانون الدولي الإنساني.
رسالة وداع عمار وادي
كتب وادي على شاشة هاتفه: "سامحيني يا أمي إن أصابني مكروه. من يجد هاتفي، فليخبر عائلتي أنني أحبهم كثيرًا". وادي من بين عشرات الفلسطينيين الذين اختفوا قرب معبر "زيكيم"، ولا تزال عائلاتهم تبحث عن إجابات.
تشير مراجعة شبكة "سي إن إن" إلى أن الجيش الإسرائيلي جرف جثث بعض الشهداء إلى "قبور ضحلة"، وأحيانًا تُركت رفاتهم لتتحلل في العراء، ما قد يشكل انتهاكًا للقانون الدولي إذا ثبت تعمد سوء التعامل مع الجثث.
تحدث ستة سائقين محليين لشاحنات المساعدات إلى "سي إن إن"، ووصفوا مشهد الجثث المنتشرة والجرافات الإسرائيلية التي كانت تدفنها أو تغطيها بالتراب
اشتباكات ميدانية ومخاطر البحث عن المساعدات
في حزيران/يونيو 2025، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على طالبي المساعدات قرب معبر "زيكيم"، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى. مقاطع فيديو حددت شبكة "سي إن إن" موقعها الجغرافي، أظهرت فلسطينيين يحملون أكياس الدقيق تحت وابل من النيران، فيما أصيب بعضهم أو قتلوا أثناء محاولتهم الفرار.
وقال خبير الأدلة الجنائية الصوتية، روبرت ماهر، إن "الطلقات في الفيديو جاءت من مسافة حوالي 340 مترًا من موقع التصوير"، وهو ما يعني أنها صادرة من موقع للجيش الإسرائيلي.
شهادات الشهود واستخدام الجرافات
تحدث ستة سائقين محليين لشاحنات المساعدات إلى "سي إن إن"، ووصفوا مشهد الجثث المنتشرة والجرافات الإسرائيلية التي كانت تدفنها أو تغطيها بالتراب. وقال أحد السائقين: "أرى جثثًا في كل مرة أقود فيها عبر زيكيم... الجرافات الإسرائيلية كانت تدفن الجثث أو تغطيها بالتراب".
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية نشاطًا مستمرًا للجرافات منذ منتصف حزيران/يونيو وحتى أيلول/سبتمبر، إما لإزالة الحطام أو لتغطية الجثث، مع عدم وجود علامات لتحديد المقابر، ما جعل التعرف على القتلى شبه مستحيل.
المبلغون من الجيش الإسرائيلي
كشف عدد من الجنود الإسرائيليين السابقين، الذين تحدثوا لشبكة "سي إن إن" ومنظمة "كسر الصمت"، عن ممارسات تضمنت دفن الجثث في "مقابر ضحلة" وتركها لتتحلل.
أحد الجنود قال إن وحدته دفنت تسعة فلسطينيين في أوائل عام 2024 بدون وضع علامات على القبور، ولم يتم توثيق الأمر لاحقًا. وأضاف آخر: "رأيت الجثث لمدنيين غير مسلحين تُدفن بالجرافات بينما الكلاب تنبشها، ولم يكن هناك أي بروتوكول رسمي لكيفية التعامل معها".
تداعيات إنسانية على العائلات
مع استمرار اختفاء الفلسطينيين، تعيش عائلاتهم حالة من الألم واليأس. والدة وادي، نوال مصلح، قالت: "عندما يخطر ببالي، لا تتوقف عيناي عن البكاء.. نحن نقبل ما كتبه الله لنا، ولكننا نريد فقط أن نعرف ماذا حدث لابننا".
وأضاف شقيقه حسام: "إن فقدانه يشبه فقدان جزء من نفسك.. إذا كان قد استشهد، رحمه الله، ولكن إذا كان على قيد الحياة، فعلى الأقل يمكننا التمسك بالأمل".
القانون الدولي والدفاع عن المدنيين
وفق القانون الدولي، يجب على الأطراف المتحاربة التعاون في دفن القتلى بطريقة تسمح بالتعرف عليهم وتخليد ذكراهم. وتشير مديرة معهد "أكسفورد للأخلاقيات والقانون والصراع المسلح"، جانينا ديل، إلى أن "تشويه الجثث عمدًا أو إساءة التعامل معها بطريقة تنتهك كرامتها قد يرقى إلى اعتداء على الكرامة الشخصية ويُعتبر جريمة حرب".
مع استمرار اختفاء الفلسطينيين، تعيش عائلاتهم حالة من الألم واليأس
نمط متكرر من التعامل مع القتلى
على مدار العامين الماضيين، دفن الجيش الإسرائيلي مرارًا وتكرارًا جثث الفلسطينيين في مقابر غير مميزة أو ضحلة أو جماعية في مواقع مختلفة في غزة، بما يشمل مئات الجثث التي عُثر عليها العام الماضي في مستشفى ناصر في خانيونس.
كما استخدمت الجرافات في نقاط مختلفة لتدمير المقابر الفلسطينية، ما أدى إلى تدمير شواهد القبور وقلب التربة، وفي بعض الحالات إخراج الجثث من تحت الأرض. ولم يوضح الجيش الإسرائيلي سبب تدمير هذه المقابر أو كيفية التعامل مع القتلى في جميع الحالات.
الاحتلال يتحمّل المسؤولية
مع استمرار الحرب ونقص المعلومات عن مصير عشرات الفلسطينيين، يبقى البحث عن الحقيقة والعدالة مستمرًا، فيما تنتظر العائلات المفقودة إجابات وتحاول الحفاظ على أملها في حياة أحبائها أو على الأقل معرفة مصيرهم. تظل مأساة المدنيين قرب معبر "زيكيم" مثالًا صارخًا على أثر الحروب على الأبرياء، وهو مؤشر واضح على إخفاق الاحتلال في الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. هذه المعاناة المستمرة تؤكد أن استهداف الأبرياء ليس حدثًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات وممارسات الاحتلال، التي يجب مساءلتها ومحاسبتها على انتهاكاتها المتكررة.







